_ اشربي أمامِي!
قالَهَا بِحزمٍ، وارتجفَتِ المسكينةُ وهيَ تمسكُ بالكوبِ، وقدْ ذهبَ الرعبُ بِتَوازُنِهَا العقليِّ، فَلَمْ تَجِدْ نفسَهَا إلَّا وهيَ تشربُ رشفةً لا بأسَ بِهَا بِمَرَارَةٍ يائسةٍ...
وأخذَ الرجلُ الكوبَ من يدِهَا، ووضعَ يدَهُ على كتفِهَا بِحنانٍ، إذ يُدنِي الكوبَ منْ شفتَيْهِ لِيشربَ بسرعةٍ، منْ حيثُ كانَ فمُ امرأتِهِ يشربُ...
وضمَّهَا إليْهِ، لَيُخْبِرَهَا بِأنَّهُ لَمَسَ منْهَا نفورًا لمْ يفهمْ لَهُ سَبَبًا، فَلَمْ يَجِدْ إلَّا هذِهِ الوسيلةَ لِيُخْبِرَهَا مِنْ خلالِهَا كَمْ يُحبُّهَا!
وسَالَتْ دموعُ المرأةِ هنا، وأرادَتْ أن تحوطَهُ بحنانِهَا، لكنَّ يدَ الغدرِ كانَتْ أقوى، وها هيَ روحُهَا تكادُ تخرجُ بِتَفاعلِ السُّمِّ في دمِهَا...
واحتضنَهَا زوجُهَا وهوَ عليْهَا يبكي خوفًا، ويسألُهَا في ألمٍ ما بِهَا، لكنَّ وجهَهُ كانَ شاحبًا، وملامحُ الألمِ تكادُ تفضحُ مقاومتَهُ...
كانَ السُّمُّ يَنهشُ أعماقَهُ نهشًا أليمًا، لكنَّهُ ظلَّ يَضُمُّ امرأتَهُ إلى صدرِهِ محاولًا حمايتَهَا منَ الموتِ، وما كانَ لَهُ أن يُحقِّقَ ذلكَ، لكنَّمَا الحُبُّ يُذهِبُ العقلَ أحيانًا لِتَفُورَ العاطفةُ كأعماقِ بركانٍ يغلي...
ظلَّ يقاتلُ الموتَ حتَّى هزمَهُ الرَّدى، ولم يتركِ امرأتَهُ لحظةً...
وفي صدرِهِ استكانَتِ المرأةُ رغمَ آلامِ الاحتضارِ، أحسَّتْ بالأمانِ هناكَ، على صدرٍ تَرَكَتْهُ المنايا باردًا مثلَّجًا!
وفي أُذنَي الوهمِ في عقلِهَا المتألِّمِ، سَمِعَتِ الجثَّةَ تتكلَّمُ!
لكنَّ كلماتِهَا مزَّقَتْ ضَمِيرَهَا، ولوْ لمْ يَكُنْ فِيْهَا معاتبةٌ لَهَا أو لَوْمًا...
قالَتْ لَهَا جثَّةُ زوجِهَا متحسِّرةً لماذا شَرِبْتِ، وأنتِ تعلمِينَ أنَّ السُّمَّ يملأُ الشَّرابَ؟ لو علمْتُ أنَّهُ مسمومٌ لَشَرِبْتُهُ كلَّهُ طائعًا مختارًا، وهلْ كانَتْ روحِي إلَّا ملكَ يديْكِ؟ أحزَنَنِي أنَّكِ بي لا تَثِقِيْنَ، فَآلَمْتِ نَفْسَكِ، ولمْ تتركِي لِي فرصةَ الاختبارِ لِأُثْبِتَ لَكِ أنَّ حياتِي أقدِّمُهَا مقابلَ لَمْسَةٍ حانيةٍ منْ يَدِكِ!
وكانَتِ القاتلةُ المحبَّةُ المحبوبةُ تحتضرُ، وصوتُ الدَّقَّاتِ على البابِ يعلنُ عودةَ ابنتِهَا، مهجةِ قلبِهَا، من حفلِ تخرُّجِهَا...
تمنَّتِ الأمُّ لو تبقى لحظاتٍ في هذِهِ الدُّنيا لِتَحْتَضِنِ ابنَتَهَا وتباركَ لَهَا وتقبِّلَ خدَّيْهَا، ولكنْ...
دخلَتِ البنتُ متلهِّفةً بعدَ أن فتحَتْ بمفتاحِهَا، لِتَرَى في أبَوَيْهِا في موتِهِمَا ما لم تَرَه في حياتِهِمَا!
يَحْتَضِنَانِ بعضَهُمَا بِقُوَّةٍ، وعلى الطَّاولةِ كُوبٌ منَ العصيرِ تَكادُ محتوياتُهُ تَنْفَدُ...
وجمدَتِ البنتُ مكانَهَا في رعبٍ لا تعرفُ ما يحصلُ، ثمَّ انطلقَتْ صرختُهَا الأليمةُ تَشُقُّ فضاءَ المكانِ، لكنْ ما كانَ للصُّراخِ أن يُعِيدَ الحياةَ إلى الموتى!
وأُسْدِلَ ستارُ حكايةِ الحياةِ على جثَّتَيْنِ هامدتَيْنِ وفتاةٍ باكيةٍ...
وما يزالُ الشَّيطانُ الإنسيُّ طائرًا...
على جناحِ غيمةٍ...
مُتَفَحِّمَةِ السَّوادْ!
الكاتب: عمر قزيحه
2-7-2020م: الساعة: 3:23 صباحًا.

رد مع اقتباس

المفضلات