الحلقة الخامسة

لم تتردَّد فتاة الشرطة في رفع يدها لتهوي بها على خدِّ المرأة المقيَّدة أمامها بعنف، وهي تصرخ في وجهها:
_ اخرسي!
كانت تدرك أن صفعتها مهينة لامرأة ربَّما تكون أكبر سنًّا من أمِّها، ولكنْ، هذه المرأة متَّهمة بأنها السبب في جريمة قتل، ولا بدَّ أن تحصل على اعترافها، لذا تجاهلَتْ دموعها الأليمة، وهي تقول بقسوة:
_ قيودكِ متَّصلة بمولد كهرباء صغير، لذا كوني صادقةً في إجاباتكِ، وسريعة، أيَّ سؤالٍ أطرحه عليكِ، أمهلكِ ثلاث ثوانٍ للإجابة، فإذا لم تجيبي خلالها، أو أجبتِ إجابةً تفوح منها رائحة الكذب، لن أتردَّد في صعقِكِ بالكهرباء.
سكتت الشرطية قليلًا، ربما لتمنح المرأة بعض الوقت لاستيعاب الصفعة المدوية التي أسالت بعض الدم من بين أسنانها، ثم قالت لها بهدوء:
_ معلوماتي تقول إن هناك علاقة سرِّيَّة، بينكِ وبين مهندس اسمه أشرف، هل لكِ أن تشرحي لي كيف تعرَّفْتِ بهذا الرجل، ولماذا حاولتِ ابتزازه، وحينما رفض ذلك قمتِ بـ...
صرخت أمُّ سعيد في وجهها بغضب هادر:
_ أيتها الغبيَّة المجنونة!
انتفضت الفتاة (هديل)، وأعماقها تلتهب غضبًا...
لم يكن مضمون الكلام ما أهانها، بل ردة الفعل نفسها التي تؤكد أنَّ (الضحِّيَّة) المقيَّدة أمامها لا تخاف عذابها، وبحزم ضغطت هديل زرًا قرب يدها في الحائط، ليسري تيار من الكهرباء، بالغ العنف، في المسكينة أم سعيد، ولقد صرخت الأخيرة في ألم هائل، وهي تشعر بنفسها تُشوى بدون رحمة، وإذ تهالكت بعد توقف لمسة الألم العنيفة، اقتربت هديل منها، لتميل نحوها قائلة بتوحش:
_ ما زلت أنتظر إجابتكِ عن سؤالي، واتركي مشاعركِ الحمقاء تجاهي لنفسكِ، الصعقة القادمة ستكون أشدَّ من هذه بكثير.
تمتمت أمُّ سعيد، وهي تتكلم بصعوبة لما تعانيه من الآلام:
_ أنتِ غبيَّة، وستدفعينَ الثمن غاليًا حينما أشكوكِ لابني، كوني واثقة من ذلك.
سألتها هديل بسخرية:
_ لماذا؟ هل ابنكِ بطل العالم في المصارعة الحرَّة، وأنا لا أعلم بذلك؟
أجابت أمُّ سعيد، ودموعها تغرق وجهها لشعورها بالضياع:
_ بل مفتش في الشرطة الجنائيَّة، رائد، رتبته أعلى من رتبتكِ حتمًا، أنتِ ما تزالين صغيرة جدًا على...
لم تفهم هديل ما قالته أمُّ سعيد بعد ذلك، فقد كانت المفاجأة شديدة عليها!
هذه سابقة خطيرة في جهاز الأمن، أن يتمَّ استجواب أمِّ رائد في الجهاز بتهمة قتل!
وبفضولٍ تساءلت هديل:
_ ومن ابنك هذا؟
لم تجب أمُّ سعيد، وبدا كأنَّها تعيش في عالم آخر في تلك اللحظات، لم تكن غائبة عن الوعي كما ظنَّت هديل بها، بل كان كيانها كله يهتف باسم ابنها، وقد بدا لها أن الأمان المفقود في حياتها لن تجِدَه إلا في حماية ابنها لها، بعد أن منحته حمايتها وحبها وحنانها طفلًا ضعيفًا...
لم تفهم هديل هذه المشاعر، وهي تهزُّ المرأة ببعض العنف، صارخةً في وجهها:
_ أخبريني من أين تعرفين المهندس أشرف، الذي وجدنا جثَّته صباح اليوم؟
رفعت أمُّ سعيد عينيها نحو هديل بضعف تام، وأجابت بِلَوعَة:
_ إنَّه زوجي!
هتفت هديل في ذهول:
_ مستحيل!
صاحت أمُّ سعيد غاضبةً:
_ بل هذه هي الحقيقة، تزوجني أشرف من قبل أن تولد (مفعوصة) مثلكِ، وأنتِ الآن تتكلمين عن معلوماتكِ الغبيَّة أنكِ اكتشفتِ وجود علاقة بيني وبين زوجي! انتظري حينما أحكي لابني سعيد ما قد فعلتِ بي، إلا إن قتلتِني لتتمكني من النجاةِ بفعلتكِ، وعندها...
لم تتابع أمُّ سعيد كلامها هنا...
فلقد أقدمت هديل على عملٍ لم تتوقعه منها...
على الإطلاق.


تابعوا معنا.