ظلال النرجس (بقلمي د. عمر قزيحه)

جوليانا زميلتنا المهذبة، جوليانا زميلتنا على مدار خمس سنين لم نتبادل فيها كلمة واحدة، بل لم نتبادل حتى تحية شخصية مخصصة لأيٍّ منَّا، وإن كنا في غرفة الأساتذة وفُتح حديث ما، فإننا لا نعلق على كلام جوليانا، ولا جوليانا تعلق على كلامنا، ومع هذا، نقول إن جوليانا إنسانة راقية، أستاذة يحبها تلاميذها ويُقدِّرونها.
جوليانا زميلتنا المهذبة، لكنها تعاني مشكلة عجيبة، شعرها طويل أشقر! هل قلنا مشكلة؟ نعم! هل الشعر الطويل الأشقر جريمة؟ نعم! لكن في نظر ناريمان، من هي ناريمان؟ هي أستاذة أخرى في المدرسة، شعرها قصير وأسود، ولسبب ما صبغت ناريمان شعرها باللون الأشقر وجاءت إلى المدرسة، دخلت صفها، وبدلًا من أن تشرح الدرس، شرحت موضوعًا آخر!!
لا تتوقعوا أن الأستاذة ناريمان هذه محدودة التفكير لتشرح لتلاميذها جمال شعرها (الجديد) فحسب، بل إن تفكيرها (متطور)! فلقد اندفعت في مقارنة عجيبة جدًّا، بين شعرها الرائع وشعر جوليانا المقرف، بين ناريمان الجميلة للغاية، وجوليانا البشعة للغاية! واستفاضت في الشرح، وأخبرتهم أن جوليانا كادت تبكي من القهر حين رأتها اليوم، وأخذت تتوسل إليها وترجوها، وكادت تُقبِّل أناملها وهي تقول: (أرجوكِ ناريمان، لا تصبغي شعرَكِ بالأشقر مرة أخرى، لن ينظر أحد إليَّ أبدًا لو فعلْتِ ذلك)! وهذا غريب، ناريمان عازبة، لكن جوليانا متزوجة، ولها طفلان، فمن هذا الذي تريده أن ينظر إليها؟
وصل خبر المقارنات إلى جوليانا من تلاميذها، في أكثر من صف، مع ذلك قالت إن التلاميذ يكذبون، أو ربما يبالغون، لكن ناريمان، في جرأة تُحسد عليها، كررت المقارنة في غرفة الأساتذة، في وجه جوليانا نفسها! والنتيجة أن جوليانا فقدت عقلها تقريبًا، ردت الكلام بكلام، والقسوة بالقسوة، فاندفعت ناريمان تضربها، وهنا تحولت جوليان إلى لبؤة لا ترحم!
ويا له من منظر طريف مؤلم تشهده غرفة الأساتذة، وقت الفسحة، في تلك السنة البعيدة، زميلتان تتصارعان كأنهما في حلبة مصارعة عالمية، والبطلة ستُتوَّج بالميدالية الذهبية! لكنه صراع من نوع مختلف، لا يعتمد اللكمات، بل يرتكز على شدِّ الشعر والعض والقرص، مع وصلةٍ من السباب، وعدد من الزميلات يندفعْنَ لإبعاد المتقاتلتين عن بعضهما، وكان جهدًا فائقًا، وبعد مدة من الصراخ انتبه المدير أخيرًا، فجاء (مسرعًا) كأنه سيارة إسعاف قطعت ألف كيلومتر لتصل إلى المصابين، ووفق المثل (يطعمك حجة والناس راجعة)، فقد انتهت المعركة، وبين ناريمان وجوليانا عدد من الأساتذة والمعلمات؛ كيلا تهجم إحداهما على الأخرى من جديد.
في الإدارة، تعهدت الأستاذتان بعدم تكرار الأمر، تبادلتا القبلات مع همسة: (حبيبتي)! بانصرافهما كان بعضهم غاضبًا من المدير؛ لأن ناريمان يجب أن تُعاقب، لكن المدير قال لا! لو أحرق الإنسان أصابعه العشرة بالشمعة يجب أن نغفر له! وفي اليوم التالي مباشرة، جاءت ناريمان بالمنظر نفسه، وكررت الكلام نفسه، وبدأ التلاميذ بالمقارنة من الأحلى؟ ناريمان أو جوليانا؟ أما ناريمان وجوليانا فكانت إحداهما تؤكد محبتها للأخرى، بالعض طبعًا، والقرص، وشدِّ الشعر، والشتائم!!