ظلال النرجس (حكاية شبه واقعية)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,365
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:

    افتراضي ظلال النرجس (حكاية شبه واقعية)

    ظلال النرجس (بقلمي د. عمر قزيحه)

    جوليانا زميلتنا المهذبة، جوليانا زميلتنا على مدار خمس سنين لم نتبادل فيها كلمة واحدة، بل لم نتبادل حتى تحية شخصية مخصصة لأيٍّ منَّا، وإن كنا في غرفة الأساتذة وفُتح حديث ما، فإننا لا نعلق على كلام جوليانا، ولا جوليانا تعلق على كلامنا، ومع هذا، نقول إن جوليانا إنسانة راقية، أستاذة يحبها تلاميذها ويُقدِّرونها.
    جوليانا زميلتنا المهذبة، لكنها تعاني مشكلة عجيبة، شعرها طويل أشقر! هل قلنا مشكلة؟ نعم! هل الشعر الطويل الأشقر جريمة؟ نعم! لكن في نظر ناريمان، من هي ناريمان؟ هي أستاذة أخرى في المدرسة، شعرها قصير وأسود، ولسبب ما صبغت ناريمان شعرها باللون الأشقر وجاءت إلى المدرسة، دخلت صفها، وبدلًا من أن تشرح الدرس، شرحت موضوعًا آخر!!
    لا تتوقعوا أن الأستاذة ناريمان هذه محدودة التفكير لتشرح لتلاميذها جمال شعرها (الجديد) فحسب، بل إن تفكيرها (متطور)! فلقد اندفعت في مقارنة عجيبة جدًّا، بين شعرها الرائع وشعر جوليانا المقرف، بين ناريمان الجميلة للغاية، وجوليانا البشعة للغاية! واستفاضت في الشرح، وأخبرتهم أن جوليانا كادت تبكي من القهر حين رأتها اليوم، وأخذت تتوسل إليها وترجوها، وكادت تُقبِّل أناملها وهي تقول: (أرجوكِ ناريمان، لا تصبغي شعرَكِ بالأشقر مرة أخرى، لن ينظر أحد إليَّ أبدًا لو فعلْتِ ذلك)! وهذا غريب، ناريمان عازبة، لكن جوليانا متزوجة، ولها طفلان، فمن هذا الذي تريده أن ينظر إليها؟
    وصل خبر المقارنات إلى جوليانا من تلاميذها، في أكثر من صف، مع ذلك قالت إن التلاميذ يكذبون، أو ربما يبالغون، لكن ناريمان، في جرأة تُحسد عليها، كررت المقارنة في غرفة الأساتذة، في وجه جوليانا نفسها! والنتيجة أن جوليانا فقدت عقلها تقريبًا، ردت الكلام بكلام، والقسوة بالقسوة، فاندفعت ناريمان تضربها، وهنا تحولت جوليان إلى لبؤة لا ترحم!
    ويا له من منظر طريف مؤلم تشهده غرفة الأساتذة، وقت الفسحة، في تلك السنة البعيدة، زميلتان تتصارعان كأنهما في حلبة مصارعة عالمية، والبطلة ستُتوَّج بالميدالية الذهبية! لكنه صراع من نوع مختلف، لا يعتمد اللكمات، بل يرتكز على شدِّ الشعر والعض والقرص، مع وصلةٍ من السباب، وعدد من الزميلات يندفعْنَ لإبعاد المتقاتلتين عن بعضهما، وكان جهدًا فائقًا، وبعد مدة من الصراخ انتبه المدير أخيرًا، فجاء (مسرعًا) كأنه سيارة إسعاف قطعت ألف كيلومتر لتصل إلى المصابين، ووفق المثل (يطعمك حجة والناس راجعة)، فقد انتهت المعركة، وبين ناريمان وجوليانا عدد من الأساتذة والمعلمات؛ كيلا تهجم إحداهما على الأخرى من جديد.
    في الإدارة، تعهدت الأستاذتان بعدم تكرار الأمر، تبادلتا القبلات مع همسة: (حبيبتي)! بانصرافهما كان بعضهم غاضبًا من المدير؛ لأن ناريمان يجب أن تُعاقب، لكن المدير قال لا! لو أحرق الإنسان أصابعه العشرة بالشمعة يجب أن نغفر له! وفي اليوم التالي مباشرة، جاءت ناريمان بالمنظر نفسه، وكررت الكلام نفسه، وبدأ التلاميذ بالمقارنة من الأحلى؟ ناريمان أو جوليانا؟ أما ناريمان وجوليانا فكانت إحداهما تؤكد محبتها للأخرى، بالعض طبعًا، والقرص، وشدِّ الشعر، والشتائم!!


  2. #2


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,365
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ظلال النرجس (حكاية شبه واقعية)

    تحليل الحكاية

    الحكاية التي تبدو في ظاهرها خلافًا بين زميلتين في لون الشعر، هي في حقيقتها نموذج مكثف لانهيار البنية النفسية داخل المؤسسة التربوية، حيث تتقاطع هشاشة الشخصية مع هشاشة العلاقات المهنية، وتنكشف الطبقات العميقة التي تحكم السلوك الإنساني حين يغيب الضبط الداخلي والخارجي معًا، ما حدث بين ناريمان وجوليانا هو نتيجة تراكم طويل من التوترات الصامتة، والاحتياجات غير المشبعة، والبحث عن الاعتراف، والشعور بالهامشية، والرغبة في إثبات الذات بأي طريقة ممكنة، حتى لو كانت الطريقة سطحية أو طفولية أو مؤذية.
    هذا الانهيار النفسي لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجيًا عبر تراكمات صغيرة غير مرئية، مثل نظرة مستهزئة أو تعليق عابر أو شعور بالتجاهل، وبسبب غياب آليات الدعم النفسي داخل المؤسسة، تتحول هذه التوترات إلى انفجارات علنية، إن ما يبدو خلافًا بسيطًا في لون الشعر هو في الحقيقة انعكاس لخلل أعمق في إدارة العلاقات الإنسانية، وهكذا، تصبح المؤسسة التربوية مرآة لضعف البنية الثقافية التي لا تُعلِّم الأفراد كيف يضبطون أنفسهم أو يتعاملون مع اختلافاتهم.
    وفي هذه الحادثة، ناريمان تُمثِّل نموذجًا واضحًا للشخصية التي تعاني هشاشة داخلية مزمنة، هشاشة تجعلها غير قادرة على بناء قيمة ذاتية مستقرة، فتبحث عن أي تفصيل خارجي لتثبيت صورة ذاتية متداعية، الشعر الأشقر هنا ليس لونًا، بل محاولة لإعادة تشكيل الذات، محاولة لإقناع النفس بأنها ما تزال قادرة على لفت الأنظار، وأنها ليست مجرد رقم عابر في المؤسسة.
    والشخصية التي تعاني هذا النوع من الهشاشة لا تبني قيمتها على العمل أو الكفاءة أو العلاقات المهنية، بل على المظاهر؛ لأن المظهر هو الشيء الوحيد الذي يمكن تغييره بسرعة، ويمكن استخدامه وسيلة لإثارة الانتباه؛ لذلك اندفعت ناريمان إلى المقارنة؛ لأن المقارنة تمنحها شعورًا مؤقتًا بالتفوق، شعورًا يجعلها تتنفس قليلًا، قبل أن يعود الفراغ الداخلي ليبتلعها من جديد.
    إن هذه المحاولات لتثبيت الذات عبر المظهر تُظهر أن ناريمان تعيش أزمة هوية، فهي لا تَعرِف كيف تُعرِّف نفسها خارج إطار الجمال أو الزينة، فاعتمادها المظاهر يجعلها أسيرة ردود فعل الآخرين، فإذا تجاهلوها انهارت، وإذا أثنوا عليها انتعشَت، لكن مؤقتًا!
    هذا النمط من الشخصية يظل في حالة بحث دائم عن "جرعة اعتراف" جديدة من المحيط الذي تحيا فيه، ما يُدخلها في دوامة لا تنتهي من المقارنات والخصومات، وهكذا، يتحول المظهر إلى قناع هش يخفي وراءه فراغًا داخليًّا عميقًا.
    لكن ناريمان شخصية عجيبة، تعيش ما يمكن تسميته الحاجة المستمرة إلى الاعتراف، الحاجة إلى أن يراها الآخرون، أن يسمعوا صوتها، أن يشعروا بوجودها، الشخصية التي لا تشعر بأنها مرئية في المؤسسة تلجأ إلى أي وسيلة لجذب الانتباه، حتى لو كانت الوسيلة سلوكًا طفوليًّا أو غير مهني؛ لذلك لم تكتفِ ناريمان بأن تصبغ شعرها، بل احتاجت إلى أن تضعه في مواجهة شعر جوليانا؛ لأن المقارنة تمنحها إحساسًا أنها ليست وحدها، وأن الآخرين ينظرون إليها، وأنها أصبحت مركز الحديث، هذا النوع من السلوك يكشف عن فراغ داخلي كبير، يجعل الشخص يعيش على ردود فعل الآخرين، لا على قيمته الذاتية.
    إن الحاجة المستمرة إلى الاعتراف تُحوِّل الفرد إلى أسير نظرات الآخرين، وكأن وجوده مرهون بعيونهم، هذا النمط من الشخصية لا يستطيع أن يعيش في الظل، بل يبحث دائمًا عن الضوء، حتى لو كان ضوءًا زائفًا أو مؤقتًا، إن وضع شعرها في مواجهة شعر جوليانا لم يكن مجرد مقارنة جمالية، بل كان إعلانًا صريحًا: "انظروا إليَّ، أنا هنا". وهكذا، يتحول السلوك المهني إلى مسرحية اجتماعية، يرتكز هدفها الأساسي على إثبات الحضور، لا تحقيق الإنجاز.
    أما جوليانا، فهي تُمثِّل نموذجًا آخر تمامًا، نموذج الشخصية الهادئة التي تبني قيمتها على العمل، لا على المظاهر، وعلى العلاقة المهنية لا على الاستعراض، هذه الشخصية لا تدخل في صراعات لأنها لا ترى فيها معنى، ولا تتعامل مع المقارنات لأنها لا ترى نفسها في سباق مع أحد، لكن هذا الهدوء نفسه يصبح مادة استفزاز للشخصيات الهشة؛ لأن الصمت يُشعرها بأنها غير مؤثرة، وأن محاولاتها لإثارة الانتباه لا تجد صدى، وأنها مهما فعلت، ستظل جوليانا غير معنية بها؛ لذلك كانت ناريمان بحاجة إلى استفزاز جوليانا بالذات، إلى جرِّها بأية وسيلة كانت إلى ساحة الصراع لكسر برودها المستفز، فلا بد من إيقاعها في فخ إلزامها بأن تصرخ، أو تبكي، أو تعترض، المهم أن تفعل شيئًا يؤكد أنها ليست إنسانة راقية للغاية، لذلك يجب أن تتفاعل سلبًا.
    هذا التناقض بين الهدوء والاستفزاز يُظهر أن الصمت قد يكون أكثر إيلامًا من الكلام، لأنه يفضح هشاشة الطرف الآخر، فجوليانا لم تكن بحاجة إلى إثبات شيء، لكن هذا الهدوء جعل ناريمان تشعر بأنها غير مرئية أكثر فأكثر؛ لذلك كان لا بد من جرِّها إلى ساحة الصراع، وكأن الهدف ليس الانتصار في معركة، بل كسر صورة "الإنسانة الراقية" التي تُثير الغيرة، إن استفزاز الهادئ هو محاولة يائسة لإثبات أن الجميع يمكن أن ينحدر إلى مستوى الصراع، حتى من يبدون فوقه.
    هذا المشهد يوضح أن الغيرة لا تحتاج إلى أسباب منطقية، بل إلى رموز تُستغل لإشعال الصراع، فهدوء جوليانا لم يكن مجرد سلوك، بل كان مرآة تكشف عن ضعف ناريمان الداخلي؛ لذلك كان لا بد من تحطيم هذه المرآة بأي وسيلة، حتى لو كانت بعيدة عن الأسلوب الإنساني في أبسط مبادئه، فالقسوة هي عنوان المرحلة، وبالتالي استفزاز الهادئ هو في جوهره محاولة لإلغاء الفارق النفسي بين الطرفين، وكأن ناريمان أرادت أن تقول: "إذا كنتِ راقية، فسأجبرُكِ على أن تنسَي الرقي، وسأضحك لنفسي، لانتصاري"! وهكذا، يتحول الصراع إلى لعبة إثبات وجود، لا إلى خلاف حقيقي في لون الشعر وجماله.

  3. #3


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,365
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ظلال النرجس (حكاية شبه واقعية)

    جوليانا، من جهتها، كانت تمارس الصمت الوقائي، صمت الشخص الذي يعرف أن الدخول في صراع مع شخصية غير مستقرة لن يؤدي إلى نتيجة، وأن الرد على الاستفزاز سيمنح الطرف الآخر ما يريده، لكنها في الوقت نفسه كانت تتلقى الضربات النفسية بصمت؛ لأن الشخصية الهادئة ليست شخصية ضعيفة، بل شخصية تؤجل الانفجار، وتُراكم الغضب، وتنتظر اللحظة التي يصبح فيها الرد ضرورة، لا خيارًا؛ لذلك لم تصدق كلام التلاميذ، برغم تواتره في أكثر من صف، وعند التلاميذ جميعهم، حتى ممن يستحيل تواطؤهم على الكذب والخداع لأي سبب كان.
    لذلك حين كررت ناريمان المقارنة في غرفة الأساتذة، أمام الجميع، انهار الصمت، وظهر الغضب المتراكم، الغضب الذي لم يكن غضب اللحظة، بل غضب الاحترام الذي لم يُقابل باحترام مماثل، سنوات من العمل الهادئ الذي يُقابَل بالاستفزاز، سنوات من الصبر الذي يُفهم ضعفًا، وهل هناك ذنب وقعت فيه من دون أن تشعر بذلك؟ لا! أبدًا! شعرها أشقر، وهي لم تتفاخر بذلك على أية زميلة لها، واستنادًا إلى ذلك، يبدو أن التحول الذي حدث في شخصية جوليانا حين ضربتها ناريمان، كان بسبب انهيار الدفاعات النفسية جميعها، في شخصيتها الراقية، دفعة واحدة.
    هذا الانفجار النفسي يُظهر أن الصمت ليس دائمًا علامة قوة، بل قد يكون تراكمًا خطيرًا للغضب المكبوت، جوليانا لم تكن تتجاهل الاستفزازات حتمًا، بل كانت تُخزِّنها في أعماقها، حتى تحولت إلى قنبلة موقوتة، فلحظة الانهيار لم تكن نتيجة موقف واحد، بل نتيجة سلسلة طويلة من الإهانات الصغيرة التي لم تجد ردًّا، وهكذا، يصبح الصمت سلاحًا ذا حدين: يحمي صاحبه من الدخول في معارك يومية، لكنه في النهاية يُحوِّله إلى بركان يثور بعنف حين يُستفَزُّ بِشِدَّة.
    وربما ما لم تدركه ناريمان وقتها، أن الشخصية الهادئة حين تُستفز بِشِدَّة لا ترد بِرَدٍّ هادئ، بل تكاد تتحول عاصفة عاتية؛ لأن المكبوت داخلها سيخرج بمنتهى العنف؛ لذلك تحولت جوليانا إلى مقاتلة شرسة، وقد احترقت طبقات الهدوء الباردة في قلبها، لقد وصلت جوليان في تلك اللحظات الحرجة إلى نقطة يستحيل تجاوزها، ما أدى إلى مشهد مؤلم في غرفة الأساتذة، مشهد كشف عن انهيار مؤسسي فادح، أكثر من كونه انهيارًا فرديًّا محدودًا، فالمؤسسة عاجزة عن ضبط العلاقات المهنية، والإدارة عاجزة عن فرض قواعدها تمامًا.
    وقد تفاقم العجز برفض المدير معاقبة ناريمان، تسويغه بالكلام على حرق الإنسان أصابعه العشرة كناية عن التوبة، تسويغ هزيل، ولا أحد ضد المغفرة والصلح، لكن ناريمان لم تُحرق حتى إصبعًا واحدًا، ولم تُبْدِ ندمًا، ولم تطلب المسامحة من جوليانا، المدير نفسه قرر أنها قد تابت عن فعلتها ولذا لا تجوز معاقبتها! وبهذا التساهل الذي لا يُفسَّر إلا بفراره من المواجهة، حاول المدير تقديم نوع من التهدئة بدلًا من فرض الأنظمة والقوانين، ما تسبَّب في استمرار الفوضى؛ فالشخص المنضبط يجد نفسه في البيئة الحازمة ويُبدع، ويُرهق ليتمكن من العطاء في البيئة المتساهلة، لكن الشخص الذي يفتقد إلى المسؤولية يفرح بمثل هذه البيئة التي تناسب شخصيته المستهترة، ويزداد استهتارًا حتمًا إذا وجد من يُبرِّر له فعاله، بل يُخبر الآخرين بأنه تائب عنها ولذلك لن تطاله يد القانون الحازمة.
    أما أثر الحادثة في التلاميذ، فهو الأخطر حكمًا، الأطفال والمراهقون الذين يسمعون تلك المقارنات الغبية، يفهمون أن العلاقات المهنية يمكن أن تنهار تمامًا، وأن عالم الكبار ليس عالم الوعي الحتمي، وأهلهم حين يطلبون منهم ضبط السلوك والأدب والتهذيب، ربما يفعلون ذلك لأنهم يريدون خداعهم بصورة مثالية وهمية عن عالم الكبار، فقد أدرك هؤلاء أن الكبار قد يتقاتلون مثل الأطفال ولأسباب أكثر سخافة، بل إن الأخطر من ذلك أن يدركوا أن المدرسة المفترض أنها المكان الذي يُزوِّدهم بالمعلومات، ليس مكانًا آمنًا، وليست مساحة للاتزان، هؤلاء التلاميذ الذين بدأوا يسألون من الأجمل لم يكونوا يمارسون سلوكًا طفوليًّا فقط، بل كانوا يعيدون إنتاج ما رأوه من معلماتهم؛ لأن الطفل يتعلم من النموذج أكثر مما يتعلم من الكلام، وحين يصبح الجمال معيارًا للتفوق، والمقارنة معيارًا للتفاعل، والصراع معيارًا للحضور، فهذا يعني أن المؤسسة التربوية فشلت في مرحلة ما فشلًا ذريعًا.
    أما عدم معاقبة ناريمان فهو يعمِّق الاعتقاد عند التلاميذ بأن السلوك العدواني مسموح، والتهكم بالآخرين غير ممنوع، هذا النوع من الرسائل الضمنية يؤكد وجود المناخ المدرسي الفاسد الذي يتخطى وعي الأساتذة وغضبهم، إلى تلاميذهم! فناريمان أساءت في وضوح إلى زميلة لها، أستاذة مثلها، وفي اليوم التالي كررت الإساءة، وفي الثالث والرابع... وهم تكلموا وقارنوا من الأحلى بين أنثى وأنثى، لن نقول بين أستاذتين لهما، إذ انهارت صورة الأستاذة التربوية في أذهانهم، لكنهم تكلموا وقارنوا، وأخبروا الأستاذة وأخبروا الناظر والناظرة بأن الكلام من ناريمان على جوليانا يتكرر، وظل الكلام من ناريمان على جوليانا يتكرر! إذًا يبدو أن ناريمان محقة! فالجمال هو اللون الخارجي لا شخصية الإنسان، ومبدأ البقاء للأقوى يجب اتباعه، فهذه جوليانا نفسها ساكتة، وحين يقولون لها ناريمان قالت عنكِ إنَّكِ... ترد جوليانا إن الدرس اليوم عن... فإذًا الصراع وفرض النفس بالقوة، هذا أفضل أمر ممكن!


  4. #4


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,365
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ظلال النرجس (حكاية شبه واقعية)

    حين ننظر إلى شخصية ناريمان في امتدادها الزمني، لا في لحظة الحادثة فقط، نرى أننا أمام شخصية لا تعيش حاضرها بقدر ما تعيش نقصًا قديمًا، نقصًا يتنقل معها من مرحلة إلى أخرى، ويعيد تشكيل سلوكها كلما واجهت بيئة جديدة، والشخصية التي تبني قيمتها على المظهر لا تفعل ذلك لأنها سطحية فحسب، بل لأنها لا تملك بنية داخلية تستند إليها، وهذا النوع من الشخصيات يعيش ما يمكن تسميته هشاشة الهوية، وهي حالة تجعل الشخص غير قادر على رؤية نفسه من الداخل، فيبحث عن أي عنصر خارجي ليشعر بأنه موجود؛ لذلك فإن ناريمان، مستقبلًا، ستظل تبحث عن المقارنات لأن المقارنة بالنسبة إليها ليست سلوكًا، بل وسيلة للبقاء، ستظل بحاجة إلى جمهور، إلى من يسمعها، إلى من يراها، إلى من يُصدِّق روايتها عن نفسها؛ لأن غياب الجمهور يعني غياب القيمة، وغياب القيمة يعني انهيارًا داخليًّا لا تستطيع مواجهته.
    حين تتقدم ناريمان في العمر، لا تهدأ، بل تزداد توترًا؛ لأن المظاهر التي كانت تعتمدها تبدأ في التراجع، ولأن قدرتها على إثارة الانتباه تقلُّ، ولأن المؤسسة نفسها تصبح أقل تسامحًا مع السلوك الطفولي؛ لذلك قد تتحول ناريمان مستقبلًا إلى شخصية أكثر عدوانية، أو أكثر شكوى، أو أكثر ميلًا إلى خلق صراعات صغيرة كي تبقى في مركز الحديث، وقد تلجأ إلى التلاميذ أكثر من الزملاء؛ لأن التلاميذ جمهور أسهل، وأكثر قابلية للتأثر، ولأنهم يمنحونها ما تحتاجه من اعتراف من دون مقاومة، ستكون خطرة على البيئة المدرسية ما لم تُواجه بإدارة حازمة واعية تضعها تحت مجهر القانون والمحاسبة، بالحق طبعًا، وإلا ستُحوِّل علاقات زميلاتها ببعضهن إلى سموم قاتلة.
    أما جوليانا فمسارها مختلف تمامًا وفق توقعاتنا، جوليانا هذه الشخصية الهادئة التي انفجرت مرة واحدة لا تتحول إلى شخصية عدوانية إلى الأبد، بل تعود إلى هدوئها، لكنه هدوء مختلف، هدوء أكثر وعيًا واتزانًا، في إمكانها رسم حدود واضحة حازمة؛ فقد اختبرت من قبل ما يحدث حين تُترك الحدود مفتوحة لكل من أراد اقتحام مساحتها الشخصية، هي هادئة لكنها ليست هدفًا سهلًا، هي مربِّية تربِّي تلاميذها باحترام ورقي، وبالتالي لن تقبل بالإهانة ولن تتجاهلها، لكنها لن تندفع في صراعات صوتية، أو يدوية، بل ستلجأ إلى قوة القانون المكتوبة المفترض في الإدارة تطبيقها، فإن تجاهلت الإدارة التطبيق، وعمدت إلى التبرير والتسويغ، فقد تقبل جوليانا بذلك مرة على مضض، فإذا تكرر الأمر ستعمد إلى القانون ولو تجاوزت الإدارة.
    ما سبق، نتوقع حدوثه في حال اقتحام المساحة الخاصة، لكن مما يكاد يكون مؤكدًا، أن ما فعلته ناريمان بجوليانا سيترك أثرًا قاسيًا للغاية، يدفع بها حكمًا إلى الميل إلى الانسحاب الفوري من أية علاقة يتبيَّن لها فيها أن الطرف الآخر يعاني عدم الاستقرار، أو يفتقر إلى الوعي بلجوئه إلى محاولة (استغباء) الآخرين بالمبالغة في الكلام على نفسه، والمديح والثناء على ذاته، كأنما هو محور الكون، فمثل هذا نسخة أخرى من ناريمان، فيهما نوع من التشابه، وكلاهما صداقته خطرة، أما عدم معاقبة ناريمان، فهذا أمر غير مقبول، مشكلة تضيف طبقة قاتلة من الفساد التربوي - الإداري، ولا نقصد حق جوليانا وحدها هنا، لكن كلامنا على التلاميذ، ناريمان قارنت نفسها بجوليانا بكذب وافتراء، من دون أدنى تردد، والتي فعلت ذلك لا يُستبعد أن تدعي أمام تلاميذها بأنها ضربت جوليانا لتعلمها الأدب! حتى لو لم تفعل ذلك، فالتلاميذ أخذوا درسًا أن السلوك العدواني لا يُعاقب، بل هو سلوك عادي متكرر، في رسالة ضمنية تزعزع أركان البيئة المدرسية وتُلقي بها في أمواج عاتية من الاضطراب، فالصراع في وعي التلاميذ بات وسيلة أساسية في إثبات الذات وتحقيق الهوية وتأكيد التميز!
    وعلى مستوى الأساتذة والمعلمات، هذه الحادثة تخلق انقسامًا داخليًّا حادًّا، فريق من رأي المدير، وهذا يكاد يكون موجودًا في أية بيئة فيها إدارة، ترى فريقًا من رأي المدير (الحصيف) حتمًا، حتى لو اتخذ القرار ونقيضه في ثوانٍ معدودة، فهم معجبون بحكمته في اتخاذ القرار، ومبهورون بحكمته في نقض القرار، في آن واحد! وفريق يفضل أن يصمت كيلا يكون الهدف التالي لسهام ناريمان ولسانها الناري، والفريق الحازم الواعي الداعي إلى محاسبة ناريمان، بالأخص أنها كررت فعلتها برغم تعهداتها، بينما جوليانا المسكينة المظلومة لم تفكر الإدارة في إعطائها ولو جزءًا من حقها، وبالتالي العلاقات بين الزملاء في المكان الواحد لم تَعُد بذلك الصفاء، بل باتت الآن ترتكز على الحذر، على نوع من العداوة الضمنية غير المعلنة، بين جوليانا نفسها ومن يهللون فرحين بسكوت الإدارة عن الإهانات التي تعرضت لها، ما سمح لهذه الإهانات بالتمدد بأسلوب سخيف للغاية.
    ولكن ما قد يُثير نوعًا من الفضول العلمي هنا، أن ناريمان بدأت بكلامها المهين أمام التلاميذ، ثم في وجه جوليانا، وخرجت منتصرة، كررت ذلك اليوم التالي وخرجت منتصرة، إذًا هي تمكنت من استفزاز جوليانا وإخراجها عن وعيها، إلى حدِّ التضارب المتبادل، ولو أن في ذلك ألمًا جسديًّا لناريمان كذلك، لكن السعادة النفسية أكبر بكثير من ألم جسدي مفتوح، أما حين كررت ناريمان فعلتها المرة الثالثة فلم تتحرك جوليانا، انتهى وقت الاستفزاز، لكن ناريمان تكرر فعلتها المرة الرابعة والخامسة، ثم تتابع بها من دون انقطاع، هنا ناريمان لم تَعُد تبالي فعلًا بجوليانا وردود أفعالها، كانت تحتاج إلى تلك الردود العنيفة فعلًا أول مرة وثاني مرة، لكنها انتصرت! وفي ذهنها تعمَّق الشعور بالانتصار، لكنها وقعت في إدمان سلوكي لا تستطيع الخروج منه، فهي ليست محض أنثى تشعر بالغيرة من زميلة لها، بل هي أنثى تعاني هشاشة داخلية فادحة، وتحتاج إلى جرعة يومية من الاعتراف، صارت كأي مدمن! ولا بد لها من هذه الجرعة اليومية لتشعر بأنها لا تزال موجودة، وأنها من محاور الرؤية والاهتمام، بل هي محور الرؤية والاهتمام الأول، الأكثر تميزًا، وفي وجودها غيرها ليسوا سوى ظلال باهتة! إذًا، ناريمان تكرر سلوكها، ولا تريد من التلاميذ أن يصدقوها، وتعلم يقينًا أنهم لن يصدقوها، لكن يكفي أنهم مهتمون بكلامها، مستمعون لمقارناتها، ولكنها لحظات من السعادة الإدمانية تتلاشى بسرعة، والصورة الوهمية لها Hallo Effect تنهار سريعًا، والفراغ الداخلي في قلبها يرجع إليها مؤلمًا للغاية؛ لذلك لا بد من استرجاع جرعة الاهتمام الزائف في أعين التلاميذ، برغم ضجرهم المحتم من سماع الكلام نفسه عشرات المرات، لكن المهم أنهم مهتمون برغم أنوفهم، والمهم لناريمان أنها تتكلم وتسمع نفسها، تمرُّ بها لحظات تصدق بها كلماتها، وتتخيل فعلًا زميلتها تُقبِّل يدها وتتوسل إليها أن تمنحها مكانًا ضيقًا للحضور.
    وجوليانا ليست ضعيفة، جوليانا واعية حكيمة، لقد صرخت مرة وثانية، واستنكرت مرة وثانية، لكن هل توقف الفعل السخيف المؤذي من ناريمان؟ لا! إذًا ردود جوليانا لن تُغيِّر الواقع المرير، ولن تُنقص منه شيئًا، والصراع مع شخصية مضطربة الوعي مثل ناريمان، هو صراع لن ينتهي أبدًا، إنما هو استنزاف طاقة داخلي، ولا طائل يُرجى من ذلك؛ لذلك استرجعت جوليانا شخصيتها الهادئة المتزنة، ربما كانت أعماقها تغلي غضبًا مع كل إهانة تصل إلى مسامعها، وربما شعرت بالشفقة على ناريمان وعقلها المضطرب وتصرفاتها التي لا تشبه تصرفات فتاة عاقلة في هذه الدنيا؛ لكنها ظلت صامتة من دون أدنى رد يُسعد ناريمان لنجاحها في مرامي كلماتها الجارحة.
    وإذ بالسؤال المتألق مثل نجمة حائرة في سماء حالكة السواد، يثير نوعًا من الدهشة التي تكاد تعتقد أن الإجابة مستحيلة: ما السبب الحقيقي الذي دفع بالإدارة إلى السكوت عن تكرار ناريمان إهاناتها؟

  5. #5


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,365
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ظلال النرجس (حكاية شبه واقعية)

    ظلال النرجس، رواية وتحليل...
    في كتابنا: (تأثير الفراشة)
    النشر قريب إن شاء الله، حين يكتمل الجزء الثاني والجزء الثالث...

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...