الكاتب : Diouani
العنوان : وتتوالى الأخطاء
هو الآن في الأربعينات منعمره... منهوك القوى... مهترئ الجسد...
يبدو عليه العياء... تساقط شعره وابيضتلحيته... يبدو أكبر من سنه بكثير... فهيهات بين شبابه ورجولته...
أعرفه جيدا فيهذا الزقاق المطل على أركان المدينة، عرفته زمنا شابا نشيطا... سمح النفس...
عذب الحديث... ميالا للوحدة... قليل المعاشرة... اللهم أصدقاؤه المعروفون على أصابع اليد الذين من طينته المولعون بالقراءة والدراسة والتحصيل... لا تفتهم مناسبة ثقافية إلا وكانوا في قلب الحدث... أراهم في المحاضرات والتجمعات الأدبية التي كانت تعج بها الساحة الثقافية بالمدينة... لكن اليوم فقد شمله العزوف... كثيرا ما أراهب مقهى الشلال المطلة على الشارع الرئيسي على حافة الطريق وحيدا... جسد بشري بدون روح، هكذا أتخيله، يحملق في الفضاء... ينفث ذخانا من سيجارته السوداء، شارد الذهن - ترى هل يعيد شريط ذكريات زمن ولى•••؟
هرع إلى بيته ظهرا بعد تعب أربع ساعات منا لعمل في فضاء مدرسي يلقن فيه أبناء الفقراء أبجدية اللغة الفرنسية... أربع ساعاتمن الصراخ في فضاء ملوث بغبار الطباشير وروائح التلاميذ... أكل ما شاء الله واستلقى على السرير للاستراحة والهدوء... استراحة الجسم والفكر... لتدوم النومة في بعض الأحايين ثلاث ساعات بالتمام والكمال، عندما يستفيق يخرج صوب المقهى كالمعتاد باحثا عن الدموع والذكريات عبر متاهات تخيلي لكن اليوم أجفل النوم من عينيه من جراء سماع صياح تلك المرأة صاحبة الكلة البيضاء التي تدعي قراءة الفنجان "من يريد معرفةَ مستقبله... من يريد..." لا تهمه قراءة فنجانه... ففنجانه مقروء و مقلوب، غاب هذاالصوت وتلاه آخر، لعن الصوت وصاحبه وقال في سره "الكل يبتدع الخدع لكي يعيش في هذا الزمن..." وهو على سريره في هلوسات ومتمنيات وبعض الحلول الغير كافية لمشاكله المادية بدءا من يوم أن اكتوى بنار القروض، خاصة شركات القروض الاستهلاكية التي نخرت كيانه وثقبت جيبه... لا ليس هو وحده بل العديد من أمثاله... هذه الشركات التي كثرت ونست بفوائدها ونسبها المئوية العالية ولا حسيب ولا رقيب، ارحموا العباد... فإن كانوا هم بلهاء فأنتم العقلاء... أقسم صاحبنا أن ينقطع عن هذه العادة ويخاصم الشركات خصاما لا رجعة فيه، وأن يصبر صبر أيوب حتى يفرج عن مرتبه...
وهو على هذاالحال بين الغم والهم... يشعل سيجارة، يمص وينفث منها دخانا كثيفا يتشتت في فضاءالغرفة ويزول ويليه آخر كأفكاره التي يفكر الآن بها... لقد تذكر معاناته مع آخر كل شهر من جراء السكن الذي يقطن به، إذ صاحبه لا يقوى الصبر ولو يوما واحدا مطالبا بمبلغ الإيجار...
زاده هذا التذكر حزنا في حزن، ورمى ببقايا سيجارته في الفناء،واستلقى ثانية على السرير... أغمض عينيه لكن دون جدوى، أصابه مضض... فكر في شيء يهدئ به أعصابه... ولكن أين ثمنه؟ وجد الحل بسرعة، سحب مُسبق من وكالته البنكيةكالعادة، فاغتسل ولبس ملابسه بسرعة وانصرف، تسلم النقود وشد الرحال مباشرة إلى حانة لكي يضمد هذا الجرح الغائر، ويكفر عن هذا الغم المدفون بين أحشائه... وجدالزبناء... يدردشون... يتضاحكون... آخرون معربدون أمامهم كؤوسا وقارورات من مختلف الأحجام والأنواع... ملأ صاحبنا كأسه وجرعه وأشعل سيجارة، يشرب وينفث كالمدخنة...
دخل رجل؛ يبدو على محياه التعاسة والحرمان... مطأطأ الرأس... يطلب إعانة لشراء أُضحية العيد... له من الأولاد سبعة... تأثر الجمع لوضعه... والسكارى سريعو التأثر، وكرماء الخصال... ناولوه بشراهة... فابتسم الرجل... وخرج من حيث دخل يدعو لهم بالعفو والمغفرة.
فأجابه أحد المعربدين الظرفاء••• "إذا عفا علينا الله من الميسر•••" -بعد أن أكمل كأسه- "من سيُعاملك مثل هذه المعاملةحينها•••"
فقهقه الجمع ملء أفواههم...
انتهى النهار... وجزء من الليل لايستهان به... وأسدل ستار الحانة... جمع نفسه وغادر المكان... أصبح الصباح وفتش جيوبه... فلم يعثر إلا عن بعض الدريهمات... فتذكر الايجار... فلعن صاحبه ولعن نفسه وصاحب الحانة وقال محدثا نفسه: "والله لن أُفرط فيكي يا قروض الشركات...

رد مع اقتباس

المفضلات