الكاتب : LiTtLe QuEeN
العنوان : صمت الجدران
" ستكونين على ما يرام يا عزيزتي صدقيني " قالتها أمي للمرة الألف مما جعلني أرد عليها بضجر : " أعلم هذا يا أمي " ثم رافقتها إلى الباب و وضعت يدي على الوكرة حتى أفتحه لتلحق بأبي في السيارة .. و ما كدت أفتحه حتى وجدت أمي تطير على الدرج ..
يا إلهي !!!!!
لابد أنها نست شيئا ما مجددا .. إنها تبدو متوترة كثيرا .. لأن حالة جدتي الصحية ليست على ما يرام .. فانطلقت مع أبي لتطمئن عليها في القرية المجاورة .. لمدة يوم واحد فقط .. و رغم أنه يوم واحد .. إلا أنني كنت أشعر بأنني سأشتاق لهما كثيرا !!
فجأة زعق الرعد في الخارج لأرى خطا من الضوء يشق السماء .. كانت الأمطار تهطل بغزارة .. و العواصف لا تهدأ أو تتوقف .. كأنما تظهر غضبها على شيء ما ..
كانت مشاعري مختطلة .. حيث أنني سعيدة لأن المنزل سيكون خاليا لي وحدي .. و خائفة أيضا .. ففيلم الرعب الذي شاهدته بالأمس لا يبرح مخيلتي .. لكنني أيضا حزينة .. فهما والداي على كل حال و لا شك في أنني سأشتاق لهما .. توسلت لهما أن يأخذاني مئات المرات .. لكن بلا جدوى!
رغم أن أبي كان موافقا إلا أن أمي عارضت الفكرة تماما بحجة أن علي أن أحل واجباتي المتراكمة ..
فجأة دقت ساعة الحائط معلنة الثامنة ليلا لتقطع حبل أفكاري .. ثم سمعت وقع أقدام أمي على الدرج .. كانت تتصبب عرقا رغم برودة الجو .. احتضنتني و قبلتني لتترك آثارا حمراء على جبهتي .. شعرت بدفء في أحضانها و لم أرغب في تركها .. بادلتها الحضن و شعرت بدموعها على رأسي .. إنها لن تغيب سوى يوم واحد .. إلا أن كلتانا تبكي .. بعد أن تركتني مسحت دموعها بسرعة و كذلك فعلت أنا .. ثم سمعتها تقول للمرة الألف و واحد : " ستكونين بخير" لم أعرف بم أرد .. فلزمت الصمت و فتحت الباب متوفعة أن أرى أمي تطير على الدرج مجددا لكن – و لدهشتي – وجدتها خارجا تلوح لي قائلة : " لا تقلقي يا عزيزتي " شعرت برغبة في اللحاق بها ، لكن قوة ما أمسكتني و عقدت لساني تماما فلم أنبس ببنت شفة بل راقبت أمي حتى اختفت من ناظري ..
أغلقت الباب لا شعوريا و صعدت الدرج إلى قمرتي الكبيرة .. استلقيت على سريري متسائلة عن حال جدتي الآن .. أمي و أبي لم يبلغاني بكل التفاصيل خوفا منهما أن ذلك قد يؤثر على دراستي .. كل ما أعرفه هو أن صحتها سيئة .. كم أشتاق إلى حكاياتها المشوقة ، إلى هداياها الساحرة .. شعرت بكفها الضعيف يربت على رأسي في حنان .. كيف لا و أنا حفيدتها الوحيدة ؟!
آه كم أحبها !! انسابت دمعة ساخنة على خدي فمسحتها بحركة آلية ..
ثم لاحظت حينها أن بطني كانت تئن .. حيث أنني لم آكل شيئا منذ الصباح سوى القليل .. كنت منشغلة بمساعدة أمي .. قمت بتثاقل و توجهت صوب المطبخ بحثا عن شيء يسد جوعي .. فتحت الثلاجة لأرى كعكة كبيرة بالشوكولاتة كُتب عليها بالكريمة البيضاء : " سنشتاق لكِ " و على الصحن أُرفقت ورقة صغيرة .. تناولتها و فتحتها بلهفة و قد رُسمت على وجهي ابتسامة باهتة ..
( عزيزتنا فرح ،
نأسف لعدم أخذنا معكِ .. و لكن لا تقلقي ، سنعود في أسرع وقت ممكن ..
والداكِ المحبان )
اتسعت ابتسامتي و أخرجت الكعكة بسرعة .. لقد أكلت الكثير بالفعل فقد كنت جائعة حقا ..
ثم اتجهت إلى التلفاز آملة أن يكون هناك ما يستحق المشاهدة ..
أمسكت بجهاز التحكم و فتحت التلفاز بشغف .. كان هناك برنامج مضحك نوعا ما .. لكن التلفاز بدا لي بلا ألوان .. و شعرت برغبة في البكاء بدل الضحك .. فأنا أفتح التلفاز لأنسى افتقادي لأهلي .. حتى أجد البرنامج الذي كنا دائما نشاهده معا ..
قد تقولون بأنني أبالغ في اشتياقي لهما .. لكنكم مخطئون تماما في نظري .. فوالداي بالنسبة لي هما حياتي بأكملها .. و هذه هي أول مرة في حياتي أقضي يوما كاملا بدونهما ..
أثناء غرقي في أفكاري .. رن جرس الهاتف ليخرجني منها .. رفعت سماعة الهاتف الذي كان بجانبي و أخفضت صوت التلفاز لأسمع صوت أبي الدافئ يقول في أسى : " مرحبا يا حبيبتي .. قد نتأخر عدة أيام .. لأن السيارة فد تعطلت .. يبدو بأن أحدهم ألقى بمسمار في الطريق .. كما أن العاصفة فوية جدا .. مما يعيق قيادة السيارة .. أنا آسف ! "
سقطت السماعة من يدي .. لم أكن لأستطيع تحمل يوم واحد بدونهما .. فيخبرني بأنهما سيتأخران أكثر ! محال !!!!!!!
سمعت أبي يهتف من الأرض : " فرح .. فرح أين أنتِ ؟ " أمسكت بالسماعة بسرعة و أنا أقول : " أجل أنا بخير .. لقد تفاجأت فحسب لأنكما ستتأخران " ثم أردفت بسرعة : " هل لي أن أتحدث إلى أمي للحظة ؟ "
أبي بدهشة : " بالتأكيد " و بعد لحظات .. سمعت أمي تقول بود : " مرحبا يا عزيزتي .. كيف حالكِ ؟ " أمسكت بالسماعة بقوة و قلت : " أنا بخير .. أمي ، إن الكعكة لذيذة جدا .. أكركما من أعماق قلبي " سكت قليلا لأسترد أنفاسي و أكملت : " أرجوكما عودا بسرعة .. المنزل مظلم و كئيب .. لم أعد أستطيع التحمل " قلتها باكية و أنا أجاهد لأتنفس بسبب سرعتي في الكلام .. لا أعلم ما الذي حل بي فجأة ..
ثم سمعت أمي تقاطعني قائلة : " فرح .. فرح هدئي من روعكِ أرجوكِ ، ستكونين بخير ، و سأطلب من خالتكِ المجيء إذا لم تستطيعي التحمل كما تقولين و ... " قاطعتها بسرعة ماسحة دموعي : " لا لا ! خالتي مها ؟ أوه لا أرجوكِ يا أمي " ثم استدركت بسرعة : " أنا أريد الأفضل لها .. فهي ترغب في أن تذاكر و أنا فتاة مزعجة كما تعلمين " ردت علي أمي بدهشة مزجت بالضجر : " حسنا حسنا لقد فهمت .. لكن لا تضيعي الوقت في التلفاز و ذلك الكمبيوتر .. أريدكِ أن تحلي واجباتكِ"
قلت مطمئنة إياها : " حاضر .. لا تقلقي يا أماه .. سأكون بخير كما تقولين "
أمي بشك : " أجل ، أنا أحاول أن أقنع نفسي بذلك أيضا ، و الآن إلى اللقاء "
رددت متبسمة : " رافقتكما السلامة " ثم أغلقت السماعة بتنهيدة كبيرة .. أحيانا أشعر بأنني غريبة الأطوار .. أكون حزينة و خائفة .. ثم تنقلب مشاعري فجأةا لأصبح غاية في السعادة و الراحة .. لكنني بدأت أشعر بالملل .. فالمنزل ضخم و ليس به ما تستطيع فتاة مثلي - اعتادت الأنس و الضجيج – أن تفعله وحدها .. بدا لي و كأنما الجدران قد صمتت .. كان منزلنا دائما أكثر منازل الحارَة إصدارا للإزعاج رغم أننا ثلاثة أشخاص فقط .. والدان ناضجان .. و ابنتهما التي تبلغ الثالثة عشرة .. لكن لعبنا دائما ما يكون مزعجا .. فأحيانا يرتفع صوت ضحكي عندما تداعبني أمي بدغدغتي .. و أحيانا يرتفع صراخي عندم يقوم أبي بوضع صرصار بلاستيكي في الطعام بقصد جعلي أضحك .. لكنني كثيرا ما أبكي .. و أحيانا يعلو هتافي عندما أفوز عليهما في إحدى ألعاب الفيديو ، قد تجدون الأمر غريبا .. لكن هذا ما يحدث .. على أية حال .. ماذا تريدون مني أن أفعل الآن ؟؟
أحل واجباتي ؟؟ ليست فكرة سيئة إطلاقا .. ذهبت إلى غرفتي فأنهيت بعضا من وظائفي و تركت الباقي لأقوم به لاحقا إذا ما داهمني الملل مجددا .. ثم أخرجت بعض الأدوات .. و تعبت أثناء بحثي عن الصمغ .. فالحقيقة أنا مازلت أبحث عنه .. كيف سألصق شعر الدمية التي سأصنعها إن لم
أجده ؟؟!!
هِي .. لم لا أتركها بدون شعر ؟؟
أوه لا يكفي سخافة فالدمى وجدت حتى نمسك شعرها الناعم ..
لكن شعر دميتي لن يكون ناعما .. إنه صوف ..
كفى غباء .. إنها فتاة و يجب أن تملك الفتاة شعرا ..
و لمَ لا أجعلها ولدا ؟؟
لأنني – ببساطة – صممت فستانا ..
يمكنني أن أصمم بنطالا و قميصا أيضا ..
آآآآآآآه هذا كثير ! إنها فتاة و هذا نهائي .. و ستمل شعرا .. و هذا نهائي أيضا .. و انتهى !!
و الآن .. أين ذهب الغراء ؟؟ ابنة خالتي تقول : " إذا أردتي أن تجدي شيئا .. ففكري كأنكِ هو "
لن أفكر مثل الصمغ .. إنه جنون .. حتى أنه لا يملك عقلا ليفكر به .. و يبدو أنني أنا أيضا على وشك أن أفقد عقلي .. فبعد ذلك الجدال مع نفسي بدأت أشك في أنني مجنونة .. و أنا على وشك التأكد ..
هِي .. وجدت الغراء !! لقد كان على الرف أمامي .. و لكن كل ما في الأمر أن عويناتي تزيد عيناي سوءً .. حسنا إذن .. لنبدأ ..
آآآآآه لقد تعبت .. كانت نتيجة عملي مضحكة
قهقهت بأعلى صوتي و أنا أضرب الأرض من شدة الضحك .. المعذرة فأنا لا أملك سوى هذا ..
عندما تكون أمي معي .. أقوم بما هو أفضل من هذا بمئات المرات ..
آآه على أية حال .. ماذا أسميها ؟؟
ما رأيكم بـ"غادة " ؟؟
لا لا .. أكره أنت أطلق اسم إنسان على دمية ..
سأسميها " لولو " إذن .. أليس اسما جميلا ؟؟
حدثت الدمية قائلة : " اسمكِ من الآن فصاعدا " لولو " .. لا تنسي ذلك "
ماذا أفعل الآن ؟؟ ما رأيكم بالمكتبة ؟؟ أبي يملك مكتبة كبيييرة .. الحقيقة أن نصفها ممتلئ قصص مملة تثقفك حتى ينفجر رأسك من المعلومات .. ثم ابتسمت بخبث و أنا أتذكر بأن نصفها الآخر كله قصص و روايات رائعة .. لا أعني قصص الأطفال .. أوه لا انا أكره هذا النوع من القصص .. أحب الروايات المثيرة .. التي بها إطلاق نار .. موت و حياة .. تعرفون ما أعنيه .. و أحب أيضا روايات الرعب و الأشباح .. رغم أنها أحيانا تجعلني أعتقد أن الكرسي هو الحمام فـ .... تعلمون عما أتحدث .. لكن أمي دائما ما تنظف ذلك بلا تذمر و لو أنها توبخني قليلا .. لكنها تعلم أني أخاف .. لذا فهي توبخني على قراءتها رغم شعوري بالخوف .. لكنني أيضا لا أعرف لم أفعل ذلك .. أنا فقط أشعر بلذة في الخوف أحيانا .. أوووه يكفينا ثرثرة .. هيا إلى المكتبة ..
انتقيت أول قصة عنف و جرائم وجدتها أمامي و قرأتها على أريكتي المريحة وسط المكتبة مع كوب من الشوكولاتة الساخنة .. كان ذلك رائعا .. لكني لم أعرف كيف و لا متى نمت ..
استيقظت صباحا لأرى القصة في مكانها على حجري .. ثم لاحظت رنين الهاتف فهرعت لأرد .. رفعت السماعة بهدوء فسمعت أمي تقول بحنان : " مرحبا فروحة .. كيف حالكِ اليوم ؟؟ "
أجبت بابتسامة : " بخير " ثم اختفت ابتسامتي و أنا أكمل : " لكنني اشتقت لكما .. المنزل هاادئ و كئيب .. لم أعتد عليه هكذا " ردت علي أمي بتعاطف : " أفهمكِ يا عزيزتي .. لا تقلقي .. السيارة بخير الآن .. و جدتك .. تتحسن .. لكن أعدكِ أن نعود بعد يومين بإذن الله "
شعرت بأن هذا كثييير جدا .. لكنني لم أرد أن أحطم أمي فقلت متظاهرة بالسعادة : " أهذا وعد حقا ؟؟ "
أمي مداعبة : " لا بل كذب .. بالتأكيد هو وعد "
ثم تنهدت و عادت إلى لهجتها الحازمة قائلة : " إذن هل حللتي واجباتكِ ؟؟ "
أوووبس !! لم أحلها بعد .. لكنني لن أخبر أمي .. قد تغضب .. و إن كذبت فإنها ستكتشف ذلك بطريقة أو بأخرى .. فحاولت تغيير الموضوع برَدِّي : " أممممـ .. أمي ، سيكون هناك برنامج رائع اليوم .. هل تسمحين لي بمشاهدته ؟؟ "
أمي بغضب نوعا ما : " إذن فأنتِ لم تقومي بوظائفكِ بعد ؟؟ و تريدين مشاهدة التلفاز أيضا !! حليها حاالا .. لا أريد أن أتصل مجددا لتخبريني بأنكِ لم تفعلي "
أنا باستسلام : " حاضر "
أمي : " إلى اللقاء "
أغلقت السماعة و أطلقت تنهيدة كبيرة ثم توجهت إلى قمرتي بصدد إنهاء فروضي ..
و انتهيت بسرعة لأنه لم يكون علي سوى كتابة قطعة مكونة من خمس أسطر .. و هذا ليس أمرا صعبا إطلاقا بالنسبة لفتاة تكتب بسرعة مثلي ..
بعدها مباشرة توجهت إلى التلفاز .. لم يكن به ما يسر .. كلها أخبار ممللللة !!
فجلست على الأريكة ..
لا اظن الجلوس أمرا مسليا .. و هو أيضا ليس الطريقة المثلى لجعل الوقت يمضي بسرعة مما جعلني ألجأ إلى الحاسوب .. فشغلت لعبة تحتاج إلى تفكير ، تركيز .. حتى أنسى ما أنا فيه ..
و شعرت بأن بقية اليوم مر بااهتا .. و سرعان ما وجدت نفسي على السرير أغط في نوم عمييق ..
اليوم التالي لم يكون أفضل من السابق .. صنعت صديقة لـ"لولو" و أسميتها " توتو " و لم تكن " توتو " أجمل من صديقتها .. بل أسوأ قليلا .. لأن القماش قد انتهى فاضطررت لتركها بالكرتون .. لكنني رسمت عليه حتى أكسوها .. عيب أن تبقى الفتاة بلا كساء .. ألا تظنون ذلك معي ؟؟
يا إلهي !! لا أريد أن أفكر بأنني غدا سأكون في نفس الملل الذي أنا فيه الآن و .... لحظـــــــــة !! أنا أشعر بالجوع .. و هذا لا يجب أن يحصل .. لذا فعلي أن أتجه إلى المطبخ .. و أكمل بقية كعكتي قم أقضي بقية اليوم في المكتبة ..
و أخيـــــــــــــــرا .. هذا هو اليوم الأخير .. غدا سأكون حرة بإذن الله .. و أخيـــرا .. آه يا إلهي لا أصدق هذا .. أخذت حبل النط و أخذت أقفز حتى أعبر عن مدى سروري .. فقزت به حتى هدأت .. و قد حققت رقما جيدا .. فـ 250 ليس بالرقم الهين أو سهل التحطيم كما تعلمون ..
ثم أخذت أطالع التلفزيون .. و قد كان به ما هو ممتع و الحمد لله .. لا أعلم لم أرى الدنيا مشرقة اليوم .. ربما لأنني فتحت الستائر J ..
ثم أكلت توجهت صوب المطبخ فصنعت لنفسي شطيرة بالجبنة .. لكن لا أظنكم تريدون تذوقها لأنني وضعتها في الفرن أكثر من اللازم فـ ...... لكنها ليست غلطتي .. خلت أن الفرن سيصفر عندما يحين الوقت المناسب لإخراجها لكنه لم يفعل .. لا تنظروا إلي هكذا .. قلت لكن أنه ليس خطئي .. إنها الحقيقة .. آآه لا يهم .. لعبت قليلا بـ"لولو" و "توتو " .. كانت لعبة بلهاء .. لكنها ممتعة .. ثم أنهيت القليل الذي لم أكتشفه سوى الآن من وظائفي .. ثم تناولت عشائي و كان عبارة عن المزيد من شظائري اللذيذة .. كل هذا و أنا سعيدة لأن هذا هو آخر يوم .. و نمت حالمة بأمي و أبي ..
أخيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــرا .. لا تتحدثوا معي فأنا مشغولة و علي أن أرتب الكمان .. لقد رتبت الكثير بالفعل .. و قد أبرزت مهارتي في الطبخ عندما خبزت فطيرة تفاح لوالداي .. تبدو شهية و لا أخفي عليكما أنني أريد أن آكلها .. لكنني – ببساطة – لا أستطيع ..
و فجأة رن جرس الهاتف فقفزت من مكاني و رفعت السماعة بسرعة قائلة : " مرحبا "
رد علي صوت أبي قائلا في حزن : " حبيبتي .. قد نتأخر أكثر لأن ... "
لم أتركه ليكمل .. بل رددت و قد تملكني خوف و غضب و حزن أشداء : " لا .. لا يمكن أن أسمح بهذا .. يجب أن تعودا اليوم و حااااالا " كنت أحترق غضبا بالفعل .. بعد كل انتظاري .. و ما فعلته .. يتأخران أكثر !! أبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا !!!!!
و فجأة حلت الدهشة مكان كل مشاعري و أنا أسمع أبي يقهقه بصوت عال و هو يقول: " حسنا إهدئي .. إنها مجرد دعابة .. نحن في الطريق "
انفجرت ضاحكة أنا الأخرى بعد أن استوعبت الأمر و أردفت قائلة : " أنت لا تتغير أبدا "
ثم سمعته يرد دون أن يتوقف عن الضحك : " أجل .. ربما في المزاح "
و أكمل ضحته المجلجلة فانتزعت أمي السماعة منه و هي تقول لي : " أوه عزيزتي .. إنها دعابات والدكِ كما تعلمين .. لقد اقتربنا .. فكوني مستعدة .. و الآن إلى اللقاء "
رددت على أمي بسرور : " إلى اللقاء " ثم أسرعت لأتأكد من أن كل شيء في مكانه ..
المطبخ .. نظيف و كل الزينات معلقة ..
الصالة .. كذلك أيضا ..
البهو .. في أحسن حال ..
غرفتي .. رائعة ..
غرفة أمي و أبي .. جميـ.. أوه لا .. نسيت الزينات .. ركضت خارج الغرفة فأخرجتها من المخزن و صعدت الدرج مجددا لأبدأ في تعليقها بسرعة .. أووه هذا ليس وقته .. هذه القطعة البلهاء لا تريد أن تتعلق .. و أخيرا .. هيـــا .. علي أن أسرع .. و فجأة ..
{ تررررررررن } أنه جرس الباب .. أوه لا .. أوه لا .. لم أستعد بعد .. تناولت عطرا من تسريحة أمي فوضعته بسرعة و أخذت ملمع الشفاة و بعض الـ ..... { تررررررن } يا إلهي .. تركت ما بيدي و أهرعت إلى الأسفل ففتحت الباب .. بابتسامة عريـــــــــــــــــــــــــــــضة ..
ماذا ؟؟ إنه رجل البيتزا .. تبا !! لقد نسيت أنني طلبتها .. أحضرت النقود على وجه السرعة و حاسبت الرجل ثم توجهت إلى غرفة الطعام فرتبت الصحون و كل شيء بسرعة حيث أنه لا يوجد أي وقت .. تبا .. إنهما والداي الآن .. أستطيع سماع صوت المفتاح يخشخش في فتحة الباب .. فهرعت إلى الأعلى و اختبأت في المخزن المجاور للدرج تماما .. و سمعت صوت الباب يفتح .. ثم صوت أمي يهتف بفرح : " فروحة .. فروحة حبيبتي .. لقد وصلنا .. أين أنتِ ؟؟ " ثم أبي : " خلتكِ ستقفزين علينا بمجرد دخولنا " أستطيع الآن تخيلهم ينظران إلى بعضهما في قلق ثم يصعدان الدرج و ..... هووب .. قفزت من مخبئي على أبي – لأنه الأقرب فلا تسيؤوا فهمي – و طوقت عنقه بذراعاي في حب بينما حملني و هو يقول : " آآه منكِ .. يا لكِ من عفريتة صغيرة .. لقد أخفتنا " ثم وضعني أرضا برفق لأنطلق إلى أمي فتحملني هي الأخرى لتغمرني بعطفها و حنانها الذي افتقدته كثيرا في الأيام الماضية ..
ثم احتفلنا فقدمت لهما الفطيرة و علمت منهما أن جدتي بأفضل حال و مر الوقت سريعا .. و ها أنا الآن على سريري .. يا إلهي .. لقد كان اليومان الماضيان وقتا عصيبا جدا علي .. أحمد الله أنها قد مرت .. و آمل من كل قلبي أن لا أمر بهذه التجربة مجددا في حياتي كلها ..
الآن فقط فهمت كيف تكون الوحدة .. و كيف تكون الجدران .. عندما تصمت !!
المفضلات