شكرا جزيلا لك يا عزيزتي ..
مع التكملة ..
2ـ امرأة ساحرة :
هناك .. قرب النهر الصاف , جلس (ويلي) حزيناً , شارداً , على بساط عشبي طري , غير مصغ لأنشودة النهر الأبدية , ومياهه الشفافة , وبين أصابعه شريط برسيم ذابل , سحقه فستحال لونه النضر , إلى الخضرة الداكنة , وهو جالساً أرضاً , وقد ثنى ركبتيه وطوقهما بذراعيه , مرسلاً بريق عينيه للبعيد ..
سماء أيار تشهد مولد الياسمين , وتغريد العصافير يحتفل بالربيع في حفلة وداع رقيقة , وتباشير الخريف طبعت بصماتها على صفرة أشجار الصنوبر الشامخة , شموخ (وليم) وصموده , في مهب أقداره ..
أربعة أيام مرت وكأنها دهراً بالنسبة لــ(ويلي) ..
(كريستين) , المرأة الغامضة .. استحوذت على تفكيره كلياً , ودفعت بعقله نحو أكثر من جبهة ..
إنها قادمة بلا ريب , وستكون لها مكانتها في القصر ..
وأين سيصل به الأمر مع وجودها ...
إنه واثق من قدرته على تجاهلها ..
لكن ماذا عن عمه البائس , وستأتي امرأة ما , تقتحم حياته , وقد تتربع على عرش قلبه ؟
عرش قلبه ؟!
انتفض (ويلي) بحق مع هذه العبارة ..
وأفلت حصار ذراعيه عن ركبتيه ..
عرش قلبه ؟
قلب عمه الحبيب ..؟
هل سينتزع أحدهم قلب عمه , ويفقد هو مكانته ..؟
مستحيل ؟
إنه لا يتصور عمه أبداً يولي اهتمامه لشخص غيره ..
فماذا لو كان الأمر يقصد امرأة فاتنة بشهادته ؟
هل سيصمد عمه (وليم) , أمام تلك المرأة ؟
لا سيما ولم يره قط ينظر لأي امرأة منذ قدومه إلى هنا .
تلك المرأة تخفي شيئاً ولا ريب ..
وعمه شديد الأناقة , شديد الوسامة , فاحش الثراء ..
فهل يعقل أن يمر شخصاً بسمات (وليم ) , في حياة تلك المرأة الغامضة مرور الكرام ؟!
ولكن .. أي نوع من الرجال هو عمه ؟
إن كان رقيقاً معه هكذا , فكيف سيتصرف أمام كتلة من الأنوثة والنعومة والجمال ؟
الرقيق لا ينس رقته , ويوزعها بسخاء على الجميع ..
حتى وإن أظهر عمه النذر اليسير من توتره لقدومها , فأدبه الفطري سيمنعه من البوح بخبايا صدره ..
لكنه مضطرب..
لا يتوقف عن الرسم المبهم , والصمت ..
ليس صمتاً يا عمي , إنما هو الجحيم بعينه ..
أن تعيش مع شخص يهوى عزل نفسه بمنأى عن الجميع ..
إلا عني !
وتلك المرأة قادمة , تظهر البؤس وتخفي شيئاً خلف الستار ..
يكاد يقسم أنه محق , ويجزم خبث تلك المجهولة ..
مازال أمامك الوقت يا (ويلي) , لا تستبق الأحداث ..
خيل إليه أن العبارة الأخيرة انطلقت من فؤاد أرهقه التفكير المضني , فنهض ببطء وعيناه على حزنهما , والكآبة تعصف بشرايين أعماقه ..
عاد أدراجه في يأس , وكأن أحزان الدنيا تثقله ..
أرسلت الشمس آنذاك شعاعاً لطيفاً , تسلل من وراء غيمة كبيرة مشبعة بالمطر , سقط أمام طريق (ويلي) وكأنه ينيره في ظلماته , ولكن عبثاً ..
(ويلي) مقتنع الآن بحقيقة جلية كضوء الفجر الصامت ..
إنه يحب عمه (وليم) , ويرفض أن يقاسمه أحد هذا الحب ..
عم (وليم) خلق له فقط .
له فقط ..
أخذ يردد هذه الجملة في نفسه بعزم وثبات , إلى أن وصل للقصر وتوقف يرمق السيارة السوداء أمام المدخل , عاقداً حاجبيه في تساؤل مريب ..
فأمام القصر توقفت سيارة سوداء حديثة , تزامن وقوفها مع وصوله , فضم ساعديه أمام صدره وتوقف إلى يسارها بصرامة محاولاً استراق النظر لراكبيها عبثاً , حينما هبط سائقها في عجل ودار حول مقدمتها ليفتح الباب الخلفي , وينحني في مبالغة وهو يقول في لهجة شديدة الاحترام :
ـ وصلنا يا سيدتي !
برزت ساق ممشوقة تنضح نعومة ورشاقة ونضارة , انحشرت في حذاء أسود صغير ذي كعب عال , تليها الأخرى .. ثم أعتدل جسد صاحبتها , وقفز حاجبا (ويلي) للقمة , وأعتدل في بطء مع تدلي فكه السفلى , وذراعيه ينحلان من حول صدره , ودون أن يشعر بهما تقريباً ..
وترددت أنفاس الانبهار في صدره مرات ومرات ..
ورغماً عنه أصدر فؤاده آهة ذهول .. ولا يلام أبداً .
وجهاً لوجه .. وجد نفسه واقفاً أمام أجمل امرأة وقعت عليها عيناه ..
كانت الفتنة مجسمة , نجمة صباح أضلت طريقها ووصلت خطأ للأرض ..
امرأة شابة رائعة ..
من الإجحاف وصف جمالها ..أو الإشارة إليه بالكلمات ..
عيناها قطعتا ألماس متوهجة , في لون العسل الذهبي الصاف ..
رموشها تلق ظلال تحت عينيها ..
أنفها تحفة منمنمة ملساء ..
شفتاها ثمرة ناضجة , ممتلئتان في إغراء ودعة ..
وجهها دائري عذب , ناصع البياض كأنامل الياسمين في أول إشراقه ..
غطت شعرها الذهبي بقبعة بيضاء قصيرة الأطراف , وعلى جسدها الرشيق , فستاناً أبيض حفت أطرافه بشرائط سوداء أنيقة , طويل الأكمام , محتشم العنق , وقد دست كفيها الرقيقين داخل قفاز حريري أسود , بالكاد يلامس طرف الثوب ركبتيها ..
أرسلت المرأة نظرات طويلة صامتة لـ(ويلي) الغارق في التطلع إلى حسنها , وتركته يتأملها مستمتعة بنظراته , مدركة بخبث أنثوي قدرتها على اجتذاب الرجال , وابتسمت في عذوبة , وقالت في صوت رقيق يفيض دلالاً ودعة :
ـ صباح الخير .
انتفض (ويلي) في عنف , كالذي يفيق من حلم جميل , وقال رغماً عنه :
ـ هه ؟
اتسعت ابتسامة المرأة وازدادت ثقتها واعتدادها بنفسها , واستدارت تنظر لشقيقتها الصغرى وهي تغادر السيارة بدورها , وتقف بجوارها , فأعادت الفاتنة بصرها لـ(ويلي) وأردفت في خبث وهي ترخي جفونها في حركة مدروسة :
ـ هل سترسم لي صورة أيها الفتى ؟
فطن (ويلي) لسلوكه الخالي من اللباقة , وأسرع يرحب بها قائلاً في تلعثم , والكلمات تفر منه :
ـ عذراً يا سيدتي .
وانحنى في مبالغة , وضربات قلبه تصل لألف نبضة , وصكت مسامعه ضحكات ناعمة , غادرت شفتي الصغيرة وهي تقول في سخرية :
ـ يالسوء حظك يا (كريستين) , هاقد وضعت في موضع السلعة مرة أخرى .
اتسعت عينا (ويلي) لعبارة الفتاة , واعتدل بسرعة وقد فهم مقصدها على نحو خاطئ , وتضرج وجهه بحمرة خجل قانية , وهو يلوح بكفيه قائلاً بارتباك مضاعف :
ـ أكرر أسفي يا سيدتي , ولكن جمالك .. أ ..
أطبق شفتيه مع ابتسامة المرأة الواثقة , وضحكات الصغيرة تشق أذنيه للمرة الثانية على التوالي ..
وغرق هو تماماً في بحيرة صغيرة , هي مزيج من العرق والخجل والارتباك ..
ترى .. كيف ستكون ردة فعل (وليم) أمام كل هذه الأنوثة الطاغية ؟
هل سيصمد أم يتهاوى كما فعل ابن أخيه ؟

رد مع اقتباس

المفضلات