هاكم الفصل العشرين ..
بعد طول انتظار
~~~
الفصل العشرون
[جوليان] يقطع وعدا صارما
لم يكن [جوليان] موجودا في أي مكان. أين يمكن أن يذهب؟ نادت [إليزابيث] [هاري] قائلة : "[هاري]! هل رأيت [جوليان]؟"
رد عليها [هاري] : "أجل. رأيته يهرع خارج البوابة. ما خطبه؟"
لم ترد عليه [إليزابيث]. بل أسرعت إلى البوابة الكبيرة أيضا. و تساءلت عما إذا كان [جوليان] يفكر بأن يأخذ قطارا ليذهب إلى أمه. و مجرد التفكير في هذا جعلها تسرع أكثر. عند عبورها البوابة هدأت قليلا و بدأت تنظر حولها.
في مكان بعيد، كان هناك ولد يركض بسرعة. لا شك في أنه [جوليان]. ركضت [إليزابيث] خلفه و هي تلهث. لكن كان عليها أن تمسكه بطريقة ما. لقد كان في مشكلة، و قد تستطيع المساعدة.
ركضت إلى نهاية الشارع و استدارت عند زاوية ما. لم يكن هناك أي أحد على الإطلاق. هل يعقل أن [جوليان] ذهب بهذه السرعة في هذا الوقت القصير! مستحيل أن يكون قد استدار عند اللفة الأخرى في عدة ثوانٍ! بدأت [إليزابيث] بالبحث عنه بقلق.
و عندما وصلت للفة الأخرى لم يكن هناك أحد أيضا. أين يمكن أن يكون قد ذهب؟ عادت إلى الخلف قليلا، مفكرة بأن [جوليان] قد يكون خرج من البوابة الأخرى. عبرت من جانب كشك هاتف صغير دون أن تفكر حتى بالنظر إليه. و دهشت كثيراعندما سمعت صوت باب الكشك يُفتح ثم صوت [جوليان] الذي ناداها بلهجة طارئة : "[إليزابيث]! أوه، [إليزابيث]! هل معكِ أي فكة؟"
التفتت [إليزابيث] لترى [جوليان] في كشك الهاتف. ركضت إليه بحماس و هي تبحث في جيبها عن أي نقود.
ثم قالت و هي تعطيه شيئا : "أجل. هاهي خمسون بنسا، و عدة عشرات. مالذي تفعله؟"
رد [جوليان] : "أتصل على والدي. فقد قال السيد [جونز] بأنني لا أستطيع ذلك لأن والدي لن يريد أن يزعج نفسه بالمكالمات الهاتفية، و أعترف بأنه على حق إلا أنني يجب أن أسأله عدة أسئلة مهمة. و لم يكن معي نقود تكفي للاتصال."
أخذ النقود التي عرضتها [إليزابيث]، و أغلق الكشك على نفسه انتظرت [إليزابيث] بالخارج. و كان عليها أن تنتظر لوقت طويل.
مرت ربع ساعة حتى استطاع [جوليان] الاتصال بوالده. و أخذ يمشط شعره بيده إلى الخلف طوال الوقت شاعرا باليأس لهذا التأخير. بدا وجهه أبيضا و حزينا جدا حتى أن كل ما استطاعت [إليزابيث] فعله لمساعدته في تلك اللحظة كان أن تبقى في الخارج و لا تفتح الباب لتبقى بجانبه.
و لكنه أخيرا استطاع أن يتمم الاتصال، و استطاعت [إليزابيث] أن ترى شفتاه تتحركان بسرعة بينما هو يسأل والده. تحدث إليه لمدة خمس دقائق، و عندما وضع سماعة الهاتف خرج و وجهه أكثر بياضا من ذي قبل. ثم قال و لون وجهه يتحول إلى الأخضر : "أظنني سأتيقأ". أخذ يد [إليزابيث] و مضى معها نحو الحقل القريب. جلس هناك و وجهه ما يزال أخضرا. إلا أنه لم يتقيأ. و ببطء، بدأ يفقد اللون الأخضر و تسلل بعض الاحمرار إلى خديه مجددا.
ثم قال لـ[إليزابيث] دون النظر إليها : "أنا غبي، لكن هذا ليس بيدي. لا أحد يعلم كم أحب أمي. أو كم هي لطيفة و ودودة."
لاحظت [إليزابيث] بأنه كان يبذل جهدا كبيرا حتى لا يبكي، مما جعلها هي تريد أن تفعل ذلك بدلا عنه. و لم تعلم ما عليها فعله أو قوله. بدا أنه لا يوجد كلمات لتستعملها على الإطلاق. لذا، فقد اكتفت بالجلوس بجانب [جوليان] و اعتصار كفه بقوة.
و أخيرا، قالت بصوت خافت : "ما الذي قاله أبوك؟"
رد [جوليان] : "قال... قال بأن أمي ليس أمامها سوى فرصة ضئيلة جدا في النجاة." ثم عض شفتيه بقوة مكملا : "فرصة ضئيلة جدا فقط. لا أستطيع تحمل مجرد التفكير بالأمر يا [إليزابيث]"
قالت [إليزابيث] مواسية : "[جوليان]، الأطباء أذكياء هذه الأيام. ستتحسن. سيفعلون شيئا لإنقاذها. سترى!"
قال [جوليان] بتعب و هو يقطع العشب الذي بجانبه لا شعوريا : "قال أبي بأنهم يجربون عليها دواء جديدا. و قال بأنه هو و طبيبان آخران كانا يعملان على هذا الدواء لسنوات، و هو مُعَدٌّ تقريبا. قال بأنه سيحضر بعضا منه اليوم ليجربه على أمي. و أخيرا قال بأنه أملنا الأول و الأخير."
ردت [إليزابيث] : "لا شك في أن والدك ذكي جدا يا [جوليان]. سيكون رائعا أن تكون بهذا القدر من الذكاء فتخترع أشياء يمكن أن تنقذ حياة الآخرين بها. تخيل – تخيل وحسب- لو أن دواء والدك الجديد أنقذ حياة أمك. يجب أن تحذو حذوه و تستعمل عقلك مثله على ما أعتقد يا [جوليان]. فأنت ذكي جدا أيضا. أوه، [جوليان] يوما ما قد تكون أنت قادرا على إنقاذ حياة شخص تحبه باستعمال اختراع عظيم اخترعته بنفسك."
كانت [إليزابيث] تقول هذه الكلمات لـ[جوليان] حتى تريحه و تهدئ من روعه قليلا، لكن ردة فعل [جوليان] جعلتها تبتئس أكثر حيث أنه وضع رأسه بين ركبتيه و بدأ يجهش بالبكاء.
فتوسلت إليه [إليزابيث] قائلة : "ما المشكلة؟ لا تفعل هذا." لكن [جوليان] تجاهلها. و بعد فترة، اعتدل في جلسته مجددا، و بحث عن منديل لم يكن عنده، فعرضت [إليزابيث] منديلها. أخذه و مسح وجهه به جيدا.
قال [جوليان] محدثا نفسها و [إليزابيث] في نفس الوقت : "إذا نجح دواء أبي في إنقاذ حياة أمي، فسيكون ذلك بسبب جهده الكبير لسنوات طوال. و بسبب استعماله لعقله استعمالا صحيحا. كنت أظنه سخيفا لكونه يعمل طوال الوقت، و بالكاد يستمتع بوقته أو يأخذ إجازة ما."
ثم مسح عينا مجددا. بينما استمعت [إليزابيث] دون أن تجرؤ على مقاطعته. فقد كان [جوليان] مخلصا و آسفا جدا في حديثه. ربما كانت هذه أعظم لحظة في حياته. اللحظة التي يحدد فيها أي طريق سيسلك، الطريق السهل السعيد، أو الطريق الصعب المتعب الذي سلكه والده. طريق العمل الجاد، الطريق الذي يتعلم فيه أن لا يكون أنانيا، فيشارك الجميع بمعلوماته.
أكمل [جوليان] حديثه : " لقد وُهبت عقلا جيدا أيضا، إلا أنني ضيعته. و أستحق أن يحدث لي هذا. ها هو أبي الذي استعمل عقله لسنوات، و الآن قد يستطيع إنقاذ أمي بسبب ذلك. و هذه أفضل جائزة يمكن أن يحصل عليها. أوه، لو أستطيع أن أكمل بقية حياتي مع أمي، فسأعمل طيلة الوقت، و لن أضيع ثانية واحدة من حياتي! إن هذا عقاب لي. قال [ويليام] بأن شيئا ما سيعلمني عاجلا أو آجلا. و أنه قد يكون شيء يجرحني و يؤلمني كثيرا."
قام [جوليان] بعدها بإعادة شعره إلى الخلف مجددا قبل أن يعض شفته المرتجفة بقوة حتى كادت تدمي.
ثم قالت [إليزابيث] بصوت خافت : "أنت تملك أفضل عقل في الوجود يا [جو] (اختصار جوليان). لقد سمعت المعلمين يتحدثون عنك. يقولون بأنك تستطيع فعل أي شيء تريده إن استعملت عقلك. و تستطيع أن تسعد أناسا تجبهم بفعل ذلك أيضا. هذا ليس كلام طلاب مثاليين كما تقول يا [جوليان]. إنه ليس كذلك أبدا."
رد [جوليان] : "أعلم. إنه كلام منطقي و عقلاني. أوه، لمَ لمْ أظهر لأمي ما أستطيع فعله عندما سنحت لي الفرصة؟ كان يمكن أن تكون فخورة جدا بي. أما الآن فقد فات الأوان."
قالت [إليزابيث] ضاغطة على الحروف : "لم يفت الأوان بعد، لم يفت. أنت تعلم بأن هناك أمل. لقد قال والدك ذلك بنفسه. لا تزال تستطيع أن تعمل بجدية و من ثم تقوم بفعل شيء للعالم. تستطيع أن تصبح ما تريده!"
قال [جوليان] و عيناه تلمعان : "سأصبح جراحا. و سأبحث عن طرق جديدة لعلاج الآخرين. سأقوم بتجارب، و أكتشف أشياء يمكنها أن تعيد للأشخاص المريضين صحتهم مجددا."
قالت [إليزابيث] بسعادة : "ستفعل يا [جوليان]، ستفعل! أعلم أنك ستفعل."
وقف [جوليان] فجأة و اتجه للبوابة قائلا : "لكن أمي لن تكون هناك لتراني. أوه، يا [إليزابيث]! أستطيع الآن أن أرى لم حدث لي هذا. لقد كان الشيء الوحيد تقريبا الذي يمكن أن يجعلني أعود لمنطقي و أرى أخطائي، فأشعر بالخجل من نفسي. أوه، كم أتمنى أن..."
ثم توقف. و عرفت [إليزابيث] ما كان يتمناه. كان يتمنى لو أن درسا قاسيا و فظيعا كهذا لم يكن قد وصله. لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. ثم وقفت الطفلة الصغيرة و رافقته إلى البوابة.
عادا معا إلى المدرسة، و في طريقهما عبرا من عند كنيسة صغيرة. و كان الباب مفتوحا.
قال [جوليان] : "سأدخل للحظة. إن عندي عهدا صارما جدا يجب أن أقطعه على نفسي، و الأفضل أن أقطعه هنا. إنه عهد سيبقى محفورا في قلبي طيلة حياتي. ابقي في الخارج يا [إليزابيث]."
ثم دخل الكنيسة المظلمة الصغيرة. بينما جلست [إليزابيث] على كرسي خشبي صغير في الخارج، و هي تنظر إلى زهور النرجس الصفراء تتمايل مع الرياح.
ثم فكرت : "الأفضل أن أدعو أيضا. أتمنى أن تتحسن أم [جوليان]. لكن لسبب ما لدي شعور بأنها لن تفعل! أظن بأن [جوليان] المسكين سيضطر للعمل و بذل جهده دون أن تكون أمه معه لتفخر به، و تحبه لوعده العظيم."
خرج [جوليان] مجددا بعد برهة قصيرة، و بدا أهدأ و أفضل من ذي قبل. و وجهه يحمل نظرات حازمة و صارمة. و عرفت [إليزابيث] بأنه مهما حصل، فالعهد الذي قطعه قبل قليل لن يتحطم أو يُهمل أبدا. لن يعمل عقل [جوليان] على إضحاكه بعد الآن. بل من الآن فصاعدا سيحذو [جوليان] حذو والده، فيستعمل عقله للآخرين. و ربما، كما قال، يصبح جراحا عظيما، و طبيبا رائعا.
عاد كل من [جوليان] و [إليزابيث] معا إلى المدرسة بصمت. لم يكن هناك أي طلاب في أي مكان. حيث أن الجميع كان مع أهله. أعاد [جوليان] لـ[إليزابيث] منديلها قائلا بابتسامة صغيرة : "آسف لأنكِ لم تستطيعي الخروج. لكنني لم أكن لأتحمل لولاكِ" (طبعا في الإسلام يجب أن نقول : لولا الله ثم لولاك).
قالت [إليزابيث] محاولة تغيير الموضوع : "لنأخذ بعض لطعام و نذهب في نزهة."
لكن [جوليان] هز رأسه قائلا : "لا. أريد أن أبقى في المدرسة لكي أتلقى الأخبار أولا بأول. قد لا تكون هناك أي أخبار اليوم كما قال والدي، و لا حتى لمدة يومين. لكن ربما. فمن يعلم."
ردت [إليزابيث] : "أجل، حسنا. سنبقى هنا. لنذهب و نزرع قليلا. لن يكون [جون] موجودا، لكنني أعلم ما علينا فعله. سيكون علينا أن نزرع بعض الخس، و لا يزال هناك بعض الحفر الذي لم ينتهي و علينا إنهاؤه. أتظن أنك تستطيع فعل ذلك؟"
أومأ [جوليان] رأسه موافقا. ثم خرجا معا إلى حديقة المدرسة، و سرعان ما كانا يزرعان و يحفران تحت الشمس و الرياح الباردة! ما أجمل أن يكون لك أصدقاء، يبقون معك و يشرحون لك صدرك عندما تكون في مشكلة!
( ملاحظة : قد يكون هناك معتقدات بسيطة تخالف ديننا لكن هذا لا يعني أن نتأثر بها ^^ )



المفضلات