يقول أحمد أمين في كتابه الذاتي (حياتي) بأن هنالك أياماً أثرت في حياته المقبلة وكان لها التأثير الكبير على حياته وثقافته وعواطفه ...
فهو مثلاً يقول : (ففي يوم دخولي القضاء في مدرستها القضائية كنت قبلها أسير بغير هدى وليس لي هدف في الحياة, ففي هذه المدرسة تحدد هدفي في أن أكون قاضياً شرعياً واستفدت فوائد لا تحصى ... وكان (عاطف باشا) ناظر المدرسة رجلاً حازماً عادلاً صريحاً شجاعاً فحبب إليَّ أن أتعلم اللغة الانكليزية وكان يتكلم معي في أي مكان وزمان وفي كل مناحي الحياة , مما ألقى لي ضوءاً لم أعهده من قبل , إنه أستاذي وأبي الروحي .
ويتابع أحمد أمين الأيام التي أثرت في حياته فيقول : (إنه اليوم الذي عرفت فيه امرأة انكليزية عجوزاً وأخرى شابة كانتا تعلماني الانكليزية , وظللت مع الأولى أربع سنوات وكانت تقص عليَّ ما لقيت في انكلترا وفرنسا وألمانيا وكانت تقارن ما أقرؤه عن جمهورية أفلاطون وما تقرؤه هي بين نظرياته وما دخل عليها من تعديل في المدينة الحديثة أما الثانية فكانت شابة متزوجة غنية قوية في العواطف قوة الأولى في العقل ! ولما تعلمتُ الانكليزية تفتحت أمامي آفاق واسعة وصرت اعتمد عليها بجانب ما اعتمد على الكتب العربية مما كان له أثر بعيد في مقالاتي وكتبي وتحضير دروسي ولا أدري ماذا كنت أكون لو لم أتعلمها) .
ونقرأ لأحمد أمين في مكان آخر فيقول لنا نحن القراء :
(في هذا اليوم أتيحت لي الظروف لأول مرة لأن أسافر إلى أوروبا في مؤتمر المستشرقين فقد اطلعت على عالم جديد في نظمه الاجتماعية ومعاهده العلمية واستطعت أن أوازن بين الشرق والغرب وأن أضع يدي على مزايا كل طرف وعيوبه وكأنما رزقت عيناً ثانية بعد أن كان لي عين واحدة, واعترف بأنه ما عرضت عليَّ مسألة معقدة إلا نظرت لها بهاتين العينين) .
وفي هذا اليوم يتحدث إلينا بعد أن عاد إلى القاهرة فيقول :
(في هذا اليوم انتخبت فيه عميداً لكلية الآداب ولم أكن أتوقع ذلك مطلقاً, فأنا رجل تربيت في الأزهر وما يشبه الأزهر في مدرسة القضاء ولم أكن أعرف النظم الجامعية فاستعظمت هذا الأمر واضطربت كثيراً ولكن تذكرت قول الشيخ محمد عبده : "الرجل الصغير يرى أنه أصغر من الوظيفة والرجل الكبير يرى أنه أكبر من الوظيفة" فأوحيت إلى نفسي:
(بأنني أكبر من أن أكون عميداً وأصغر من أستاذ .... ) .
المفضلات