الرُّقعة البيْضاء في ناظِر الهيْكل الأسود - قِـصّـة

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 21 إلى 21 من 21

مشاهدة المواضيع

  1. #1

    الصورة الرمزية C&S evitceteD

    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المـشـــاركــات
    1,290
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:

    افتراضي الرُّقعة البيْضاء في ناظِر الهيْكل الأسود - قِـصّـة




    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


    ما بين ضواحي مسومس

    في وقت الظهيرة حيث الظّل قصير .. و الحر شديد

    و اليدُ تُجفف

    و القدم تجري

    و الحِجاجُ قاطب

    أستطيع رؤية أحد الضواحي هُناااك ..


    بالكاد أرى حروفها الغريقة بين كومة من الأفلام

    أراها عن طريق طبيعتها العاكسة لأشعة الشمس الصفراء

    نعم نعم ..

    هي تلك مدينة قلم الأعضاء

    كما وُصِف لي تماماً حيث كثرة الأقلام المنتجة لأعداد قيّمة من الأحرف المتناثرة في أرجاء المدينة

    -

    حسناً .. و بما أنني قد وصلتُ إليها الآن .. سأبدأ بما أتيتُ به

    منذ عدة أشهر

    تبع مُسابقة

    وفق شروط معيّنة

    قصة قصيرة

    طُلِب مني المشاركة

    شاركت

    ألفت

    رآها بعضُ أُناسٍ فأبدوا الرأي و النقد

    ثم أتيتُ هُنا مُرحباً بالنصيحة و الرأي و النقد منكُم أعزائي

    لي شرفُ الاستماع لذلك





    طبعاً هناك شروط معيّنة أوجبوا عليّ سلوكها

    كأن تكون القصة قصيرة

    و أن تكون عن الوطن في شيء

    و ذلك لم يُعجبني طبعاً *__*

    لأنني وددت الكتابة عن قضايا و جرائم و ألغاز .. قصة بوليسية بحتة بالمُجمل ^__^

    و لـكن لم يتسنى لي ذلك


    -

    عموماً


    ستكون القصة بشكل عام بضمير المتكلم

    طالبٌ يُدعى غالب يحكي قصته

    -

    طريقة توزيع ألوان الكتابة :-

    هذا اللون ( الأزرق المُخضرّ ) سيكون عندما يُعبّر حاكي القصة و يصف بضمير المتكلم

    هذا اللون ( الرصاصي ) سيكون أثناء المخاطبة بين الأشخاص في القصة و غالباً ما يكون بضمير المُخاطَب

    -

    حسناً .. قبل قراءة القصة

    إسحب الشريط الأيمن للمتصفح للأسفل و اذهب حتى نهاية الموضوع ثم ارجع إلى هُنا من جديد

    هيا إفعل..

    هل فعلت
    ؟

    - نعم فعلت
    e067" class="inlineimg" />

    جيد


    الآن قدّر عدد الأسطر و الزمن المطلوب لإنهاء القراءة

    ثم انظر لوقتك المتوفر حالياً .. هل يكفي ؟

    إن لم يكن فأجل القراءة لوقت آخـر

    و إن يكن فهل أنت مهيأ و مُستعد نفسياً
    ؟

    إن كُنتَ كذلك فابدأ على بركة الله

    المهم أن تكون على تهيئة نفسية و زمنية جيّدة قبل القراءة كي يكون لك رأيك النقيّ




    " الرُّقعة البيْضاء في ناظِر الهيْكل الأسود "



    البداية

    و أنا في سن الـ 17 من عمري و في غُـرّة أيام الدراسة إذْ الهدوء و الحياء بين الطلاب .. و النشاط و الحيوية بين المدرسين كونهم قد بدأوا المسؤولية من جديد بعد فترة طويلة من الراحـةِ قد انقضت

    بعد تقديمي التحية لجميع أصدقائي و أحبائي من المدرسين و الطلاب جلستُ في إحدى المقاعد الخلفية للفصل

    أثناء جلوسي و بعد مرور بعض الوقت ..

    طُرق الباب فتلى ذلك دخول أحد الطلاب , طالبٌ لم أره من قبل!

    لم يكن من طلابنا السنة الماضية , طالبٌ جديد على ما يبدو .. ليس من هيئته بدا مساوياً لأعمارنا

    فهو شابٌ قوي البنية بعيد المنكبين أملس البشرة ترتسم على ملامحة الشدة بينما تكسو الكآبة وجهه بفكه المتدلي و جفونه القاتمة , و مع ذلك فهو لا يزال يحتفظ ببعض الأناقة التي برأيي كانت الأصل فيه لولا أن غيّرت العوامل المختلفة مظهره .

    طرق البابَ بأدب .. ألقى التحية بهدوء .. التفت يمنة و يسره .. سار ببطئ نحوي .. جلس في المقعد الأيمن بجانبي !

    ظلّ صامتاً طيل الفترة الدراسية في يومها الأول , بعد التحية التي ألقاها لم ينبس ببنت شفة !

    كان برأيي ذو تصرف اعتيادي , فهو طالب جديد.. فربما غلبه الحياء

    هكذا كُـوّنـت نظرتي الأولى عنه لولا أن..

    لولا أن كان يحدق بحدقتيه تجاهي غالبية الفترة الدراسية , هذا لا غيره هو ما أثار استغرابي تجاهه , و لكن بشكل عام .. لم ألقي لذلك بالاً فيما بعد .

    مضى باقي اليوم كما لو كان توأم أسباقه , حتى آن إتيان يوم بعيد النسب لِــسائـر أيـّـامـي ..

    فبعد ثمانية أيام من اليوم الدراسي الأول .. و في يوم الأحـد

    و بينما أسير في طريقي مشياً على الأقدام قاصداً المدرسة , بسيري البطيء و خطواتي الثابتة .. لا زلت في منتصف دربي إليها , و إذْ بشاحنة زرقاء قاتمة توقفت على الجانب الآخر من الطريق بمحاذاتي تماماً ! انتابتني شعور سيء حيالها .. فلم يكن منظرها يبعث الارتياح , بسبب نوافذها المظللة بالنّـيْـكل لم أتمكن من رؤية من بالداخل حتى انزلقت النافذة قليلاً فلم ألتفت برأسي حذِراً بطبعي , بل التفتّ بعينيّ فقط باتجاه الشاحنة لألمح خلال فتحة النافذة شخصٌ بنظراتٍ جادة مثبتة نحوي باهتمام ! ثم بعدها بلحظات أخرج ذلك الشخص هاتفه الخلوي و بدأ بالتحدث و هو ينظر إلي ! بينما تظاهرت بعدم الاهتمام فأكملت طريقي

    أظهرت أن الأمر اعتيادي بينما كان قلبي يطرق أبواب صدري الموصدة بعنف شديد ! .. كان يخفق بشدة !!

    أسرعت بخطواتي قليلاً و حاولت قدر الإمكان أن لا أُلفت النظر

    ابتعدت بضع أمتـار عن الشاحنة و مع كل خطوة أتقدمها أبدو أكثر إرتياحاً

    حتى بعد هدوء الوضع قليلاً.. و إذْ بصوت المحرك يعود من جديد .. يا إلهي ! هل ستعود إلي تلك الشاحنة المشؤومة من جديد !!

    ماذا سأفعل ؟!

    هل أُظهر الهدوء ؟

    أم أُسرعُ هارباً ؟

    اعتقدت لوهلة بأنّي قد أعطيت الموقف أكثر مما استحقّه فرجحت الكفة للخيار الأول "سأمضي بهدوء"

    حاذتني الشاحنة من جديد و ليس على الجانب الآخر من الطريق كما هي الحال في المناسبة الأولى.. بل بجانبي تماماً !

    أصبح الخوف الآن حقيقياً و ليس في جُعبته مجالاً للشك , فقلت بخوف و نفس متقطع و هلع شديد : ماذا الآن ؟!

    في بضع ثواني.. فُتح باب الشاحنة فهب منها شخصان سريعاً باتجاهي ! حاولت الهرب لوهلة فلم تكن لي الفرصة لفعل ذلك , فقد انقضوا عليّ بعنف ! ثم قذفاني في المقعد الخلفي للشاحنة !

    لم استوعب بعدُ الأمر .. لقد كنت للتوّ أسير مطمئناً للمدرسة , فمالِ الأمر انقلب رأساً على عَقِب ؟!

    لقد كانوا سريعين جداً لدرجة أن الأمر في مخيّلتي أتذكره حصل في لحظة !

    يتضح أنهم قد اعتادوا على فعل ذلك و إلا لما أتقنوا عملهم هكذا

    قُيـّـدتْ يدايّ و عُصِبَت عينايّ .. فجهلتُ الأمر تماماً , فلم أدرك بعدُ من حولي .. و لا الدرب أين يمضي

    مضى بعض الوقت و أنا بداخل تلك الشاحنة بعدم سماعي أيّ كلمات تُبادل بين أفواه أصحابها سوى همسات لم يكن لي القدرة لانتقاء و ترتيب حروفِـها لأعرف كلماتِـها

    حسناً لربما هذه المرة الأولى في سلسلة سنواتي "السبع عشرة" أذهب في رحلة مدتها أربع ساعات بصحبة أناس لم ألمح أيّـاً من ملامحهم سوى السائق عندما لمحته من فتحة النافذة في بادئ الحدث

    بعد انقضاء تلك الساعات الأربع .. انقضت تلك الرحلة الغامضة بتوقف الشاحنة

    و عند انتهائها و توقف الشاحنة .. أنزلوني بلطف و هدوء !!

    بلطف و هدوء ؟ أليس عجيباً ذلك ؟!

    كانت بعكس الطريقة التي اختُطِفتُ بها

    بعد ذلك أُخذتُ إلى بيت .. مقر .. غرفة .. كوخ ! .. لا أعلم ؟ فأنا معصب العينين لا أرى شيئاً .. فقط أسمع و أحسّ بما حولي

    أثناء سيري مجهول الرؤية .. مليء الإحساس .. و بينما دخولنا المكان .. سِرنا في ممر طويل ثم إلى عدة مُنعرجات إلى أن دخلنا في على ما يبدو بالغرفة

    أُجلست على كرسي , ثم ابتلـع النور أخيراً ذلك الظلام الذي استمر طيلة الساعات الأربع الماضية , فقد أُزيل ما عُصِب و فُكّ ما قُـيِّـد ليظهر موقفي جلياً أمام عيني , لأرى مكاني بوضوح .. مكاني الذي هو أشبه بالمصانع التراثية ذي الأرضية الخشبية و السقف الهرمي , أرى في أعلاه مصباحاً مُتدلياً أصفر الإضاءة ضعيف التوهج يتأرجح يمنة و يسره , بينما الآلات القديمة في المؤخرة من الأمام , و من الجهة الجانبية حيثُ المنتجات – على ما يبدو – المخزنة في صناديق مصنوعة من الخشب الغير متـقـن التشكيل

    أما عن السبب في مجيئي إلى هذه الغرفة فيبدو أن ذلك بسبب الشخص المتمثل أمامي

    رجل مسن ببشرة قد اكتسحها البرص إلا قليلا , أبيض اللحية , كثيف الشعر , ذو حواجب غليظة قصيرة تكاد تغطي عينيه الشبه مغمضتين , بدا غريباً من قامته المستقيمة بالرغم من كبر سنه , يبدو حكيماً من مظهره و هدوء تصرفه

    كنتُ في ذلك الوقت منفعل .. منفعل جداً , و هذا ردّ فعلي الشخصي جرّاء ما حصل , و هذه إحدى صفاتي الشخصية , في الحقيقة أعتبرها سلبيّـة و أتمنى الإقلاع عنها و حاولت فعل ذلك عدة مرات و ذهبت مرة للطبيب من أجل هـ .. .. هه.. آ .. أنا آسف جداً , أنا لم آتي هنا لأحكي لكم قصة حياتي الشخصية , لقد خرجت عن إطار القصة الأصلية

    لا بأس لا بأس , عموماً و بعد أن اُجلست على الكرسي في تلك الغرفة أمام ذلك الرجل المسنّ

    قال لي بنبرته الرخيمة الـمُفخّمة :
    أقدم اعتذاري لك من الطريقة السيئة التي أوتيتَ بها إلى هنا .

    رددت بانفعال:
    قبل هذا لماذا أنا هنا ؟ و من أنتم و أين أنا ؟

    - اهدأ اهدأ .. اهدأ يا بني لِـمَ الانفعال ؟ أنت في أمن و أمان و في مكانك حيث يفترض بك أن تكون

    لقد اُختِـرتَ لتكون أحد عملائنا , نعم ستعمل لدينا يا بنيّ و سنعتني بك جيّداً خلال فترة عملك معنا

    - ماذا ؟!

    - ستعمل لدينا و سنعطيك بالمقابل , ها قد اختصرنا لك فترة تلك الدراسات المملة !

    - لم أفهم بعد , و لماذا أنا ؟

    - لأنك غالب بعينه .. أليس كذلك ؟

    - أتعرفني إذاً ؟!

    - بالطبع و إلا لما اُستُـثـنِــيتَ ضمن مجموعة كبيرة من الأناس .

    - و كيف ذلك ؟

    - بنيّ .. نحن لدينا موكلين مختصين لهذا النوع من المهام , أما أنت فـتحتاج إلى الراحة الآن, ستعرف كل شيء في وقت لاحق.. هيّـا لا تكن عجولاً .


    في الحقيقة لم أستوعب بعدُ الموقف , لقد كان غريباً بالفعل , لقد طلب مني الهدوء و لم أعرف كيف سيحتويـني الهدوء ! فسأكون شخصاً متناقضاً إن هدأت ظل غرابة هذه الأحداث

    نقلوني إلى خارج الغرفة ثم إلى خارج المبنى لأرى عدة مباني أخرى .. و لـكن سَكَـِنـيّـة !!

    نعم أنا الآن في ما أشبه بالمدينة الصغيرة جداً يسكنها عدة من العملاء يرأسهم شخصٌ واحد , و ربما يكون رئيسهم هو ذلك المسنّ الذي قابلته للتوّ

    اُدخلتُ إحدى المباني ثم اُدخلت إحدى أجنحتها و قد قيل لي بأن هذا هو مسكني من الآن فصاعداً
    كان الوقت آنذاك في غُـرّة الظهيرة , و قد تلقيتُ وعداً من ذلك المسنّ بمعرفة ما حدث بخصوصي صبيحة هذا اليوم في هذه الليلة , لذلك سلمت الأمر و حاولت النوم و بالطبع لم أستطع , استلقيت فقط و كلي أملاً علّ ظلمة الليل تحمل بصحبة سوادها إجابةً لهذه الأحداث المتتالية صبيحة هذا اليوم .


    * * *

    بعد حلول المساء أتاني رجلٌ مُرسَل يحكي لسانهُ : "
    رئيسي المكرّم يريدك حالاً ".

    ذهبتُ و إذْ برئيسه ذلك المسنّ كما توقعت , كان في مكانه حيث رأيته وقت الظهيرة , أمر بجلوسي في الكرسي المقابل له

    ثم ابتدأ الحديث و هو يقلب بعض الأوراق المبعثرة على الطاولة الخشبية بيديه المجعدة " :
    غالب.. سأعطيك جدول أعمالك اليومية التي ستبدأ بها من اليوممن الظهيرة حتى غروب الشمس , هذا وقت عملك .. ستأخذ بعض الدروس العلمية من أحد المختصين لتطوير مجالك الذي بسببه أتيت إلى هنا , هذا في الظهيرة

    و من بداية العصر ستبدأ ببعض الأعمال التطبيقية و حين غروب الشمس تستطيع الذهاب إلى غرفتك , و أحب أن أنوه بأنك لن تخرج من هذه المنطقة على الأقل في هذا الشهر , فكما تعلم لدينا مخططات و أعمال مكثفة .. لذلك لا نريد لعملائنا أن يكون لهم أي ارتباطات خارجيّـة أيّـاً كانت , أكرر .. في هذا الشهر على الأقل لذلك لا تقلق سيكون لك الكثير بالمقابل .
    - شهر !! هذا مستحيل ! كيف أقضي شهراً كاملاً بلا رؤيتي أقاربي و زملائي , ليس من السهل ذلك و أنت تعرف ذلك جيّداً , لماذا .. لماذا هذا الصرامة لديكم حتى في طريقة مجيئي إلى هنا لم تكن طبيعية ! من أنتم بالضبط ؟ أخبرني !

    قال بحدّه و قد شدّ بفكيه كمن أراد إخفاء غضبه: لا تقلق !! ألم أقل لك ذلك .. سأخبركَ فلا تكن عجولاً يا بنيّ !

    قلتُ بنفاد صبر : حسناً حسناً .. و لمَ أنا ؟

    أخذ نفساً عميقاً ثم أجاب و قد عاد لطبيعته حيث حديثه البارد المطمئن: لأن أغلب أعمالنا و منتجاتنا لها ارتباط وثيق بعلم الكيمياء , أي أننا نريد أن نعطيك دروس و تطبيقات كيميائية , و بالطبع أكثر ما يعرف عنكَ يا غالب إبداعك في هذا المجال , فجئنا بك لتساعدنا في تأمين مستقبل شركتنا .

    - شركة !

    - آه صحيح لم أخبرك بذلك مسبقاً لقـ...


    قاطعته بانفعال:
    توقف توقف !! قبل ذلك لديّ السؤال الأهم , لماذا اختطفت بذلك العنف !! و بتلك الطريقة .. أخبرني لماذا ؟!

    - آه قاطعتني قبل أن أبدأ بإخبارك , ألم أقل لك .. سأشرح لك بالتفصيل ما حدث صبيحة هذا اليوم , لا تقلق و لا تقاطعني عندما أتكلم .

    - اشرح لي أولاً لماذا جئتوا بي هكذا , ثم بعد ذلك قل لي ما قصة هذه الشركة التي تفوهتَ بها للتو , حسناً أنا استمع الآن .

    - كُن مؤدباً في أسلوبك يا بنـيّ حسناً ؟

    حسناً بنـيّ .. نحن لدينا طرقنا الخاصة في انتقاء من نريد انضمامه إلينا , لدينا عملاء مختصين بهذا النوع من المجالات , فهم لديهم قدرات رائعة في علم الخطوط أو ما يسمى بـ "علم الجرافولوجي" .

    هؤلاء يطلعون على جميع أوراق الطلاب سنوياً في المرحلة المتوسطة و الثانوية بطرقهم الخاصة , هم يبحثون عن صفات معيّنة في الشخص نفسه , فقد كنا نريد إنسان في مقتبل العمر , غير اجتماعي نسبياً و لديه تقبل جيّد للآراء و لديه القدرة السريعة في التكيّف على التغييرات فيه و ما حوله , و بعد تحديدنا عدة من الأشخاص نبدأ باستبعاد من لا يتميّز بثقافة أو بعلم معيّن

    في حقيقة الأمر كان لدينا بضعة من الأناس لديهم هذه الصفات و قد كنتَ من هؤلاء ..

    و عندما أردنا تقليص العدد بحثنا عن الأكثر كفاءة إن انضم إلينا , و قد تعرفنا على ذلك بواسطة المراقبة و جمع المعلومات , و علّـك لاحظت ذلك الطالب الجديد الذي أتى إلى مدرستك في الأسبوع الفائت , أقصد ذلك الطالب الذي يجلس في المقعد المجانب لمقعدك , ذاك يمتلك قدرة رائعة على جمع المعلومات و ماهرٌ جداً في استخلاص صفات الشخصية , هو أحد عملائنا الذين رأيتَهم ! لا أعلم إن تفاجأتَ بإخباري إياك أنه أتى إلينا بتقرير شامل عن شخصك بمجرد مراقبتك لأسبوع واحد فقط !! ثم بسؤال من حولك عنك ; كم أنا محظوظ لامتلاكي هذه النوعية من البشر

    هكذا انتهى بك الأمر وحيداً بين عامة الناس , فقد كنتَ من بينهم الأكثر جدية و علماً فأنت هنا الآن لذلك السبب
    هل تعلمُ يا بنـيّ .. لو كنتُ مكانك لكنتُ مرتاباً جداً , و أجزم بأنك تتساءل الآن .. لماذا هم يعملون بهذه السرية و خاصّة في طريقة مجيئك إلى هنا , أليس كذلك ؟


    اصطاد الفكرة التي لطالما ترددت في ذهني , فسؤالي الذي تكمن فيه نواة تساؤلاتي .. لماذا هذه السرية في العمل , فأجبت على سؤاله مؤكداً صحة اعتقاده و كلي تلهفٌ بماذا سيجيب ؟

    فابتسم ببرود ثم أجاب:
    لا تخف بـنيّ.. فلسنا منظمة سرية أو عصابة شريرة , فنحن أناسٌ طيبون

    نحن تماماً ( كما تفوهتُ ) كما قولك , نحن شركة لا زالت في بداية مسيرتها , و عملنا السري قد اضطررنا إليه لأننا لا نريد أن نري الغيْر شركتنا في بداياتها , بل نحن الآن نؤمّن أعمالنا و عملائنا و نحاول الارتقاء بهم إلى أعلى مستوى كي نخرج بشركة قوية و منافسة كالشركات الأخرى
    هذه الإستراتيجية التي اخترتها و التي برأيي تنصب في مصلحتنا بشكل كبير

    لذلك يجب أن تبدأ عملك من الآن يا غالب و أبعد عنك كل ما يثير الريبة فقد أجبت على جميع تساؤلاتك أليس كذلك ؟

    - هل هذا هو السبب في اختطافي بتلك الطريقة إذاً ؟


    ابتسم أخرى ثم أردف :

    - نعم .. و آسف على ذلك من جديد .

    - كنتم تستطيعون أن تعرضوا علي ذلك أولاً , ربما سأطيعكم , لا أرى لذلك داعياً أن تأتوا بي بهذه الطريقة .

    - عرض العمل ليس بالمضمون و قد يأتي بالمشاكل و طيلة الوقت .

    - حسناً .. لحد ما !


    أعتقد بأن حبّي الشديد لعلم الكيمياء و الذي عُرف عني ممن حولي قد أصبح ضدي الآن , صحيح أنني متعمق فيها مقارنة بسنّي , و لـكن أن آتي و أعمل بها هاهُنا مع أناس لا أعرفهم ! لا أعتقد أن ذلك بالأمـر الجيّد في كلى الأحوال

    في حقيقة الأمـر .. لا زلت مرتاباً نحوهم و لم آمنهم بعد , و لكن كلمات هذا المسنّ أدخلت الطمأنينة في قلبي بأسلوبه قبل مظهره

    و من الجهة الأخرى فإن ما يثيرني في هذا الوقت هو فضولي تجاه شركتهم هذه , أود معرفة كل ما يُرى و ما لا يُرى و ما يدور و ما يحيط بها , و لـكن..

    ليس الآن !

    ففي الوقت الفعلي يتوجب علي الحظْـيَ بثقتهم أولاً , ثم سأرى إلاما سيؤول الأمـر فيما بعد

    أردف المسن :
    في البداية يجب أن تتعلم الكثير , لذلك ستُعطى دروس خصوصية مكـثّـفة في بادئ الأمر , أغلب الدروس ستكون حول طرق التصنيع و الصناعة و التصميم

    لذلك ستحتاج الكيمياء و الرياضيات و الفـيزياء بشكل كبير , فاستعد لذلك .

    - حسناً سأهيئ نفسي من الآن , و لـكن إن لم يروق لي العمل هل لي أن أسأل عن إمكانية تركي العمل لديكم إن كنت كذلك ؟ على سبيل المثال فقط .

    قال بحزم: لا ! أنت الآن ورقة رابحة بين أيدينا و فكرة التخلي عنك باتت مستحيلة و عندما تجرؤ لفعل ذلك ستواجه العقوبة القاسية !

    صُدمت من التغيّر في نبرة صوته و الانقلاب في طريقة حديثه

    اتضح لي بعد ذلك أن في الأمر سوادٌ لم يرَ النور بعد ليكون بمقدار عيناي رؤيته, فقررت أن أظهر لهم الإخلاص التامّ بينما أحاول العمل خلف الأضواء قدر المستطاع من أجل كشف ماهية الشيء المخبأ عني و لو في اعتقادي على الأقل


    * * *

    استمريت معهم لعدة أيام و قد أديت دوري بنجاح حتى مع وجود عدد أكبر من التساؤلات

    فقد نُفِخت هذه التساؤلات كثيراً فاستحوذت من دماغي حيزاً أكبر مما كان عليه في السابق !

    و كيف لا حيث لم أرَ الديار بعد ذلك اليوم

    حسناً بغض النظر عن تلك التساؤلات , فمن الجهة الأخرى .. أنا أعيش الآن فيما أستطيع تسميته بالمدينة الصغيرة , لديهم عدد لا بأس به من العملاء و ليس الجميع يستطيع الخروج كيف ما شاء , بل هناك قوانين صارمة بالتزام المنطقة , قيل بأن ذلك من أجل التركيز على العمل و أن هذه القوانين ستزال فيما بعد ليكون للجميع الحرية في العمل

    أصبحت أيامي سواسِية .. أنهضُ باكراً كما ينهض جميع العملاء ثم الإفطار سوية ثم جميعنا إلى العمل حتى آخر النهار , بعدها تكون فترة للراحة , و إن اُستدعيتُ أحياناً لبعض الأعمال في غير وقت العمل , فقد كنت أعمل و أدرس في نفس الوقت .

    بعد مرور أسبوعين من العمل الشاقّ .. اعتقدت بأني قد اكتسبت أخيراً ثقتهم بي, فقررت إنهاء مسألة ألم الرأس في كل مرة أودّ فيها الخلود للنوم , كان الألم نتيجة لكثرة التساؤلات المتجولة في دماغي طيلة هذه الفترة الغامضة

    أكد لي ذلك المسنّ عدّة مرات بعدم ولوجي المبنى الرئيسي غير وقت عملي , و إن أردت فعليّ أخذ الإذن منه
    حسناً .. آسفٌ لقول ذلك سيّدي رئيسُ عملي .. و لـكني لن أكون فـتـاك المطيع لهذا اليوم


    لطالما اعتقدت بأن في الأمـر خفاءٌ لم أطلع إليه بعد , و ذلك الأمر الخفيّ هو الأصل في تلك الأحداث التي حصلت في اليوم الأول الذي تعرفت فيه على ذلك المسنّ الغامض

    كان ذلك في مساء أحد أيام منتصف الأسبوع , حين غروب الشمس و حين قصد كلّ عاملٍ مقر سكنه و أنا منهم بالطبع , حين وصولي الغرفة أخذت بعض الراحة و كلي شوق و ترقب لمنتصف ليلة أتمناها تكون هادئة

    هناك أمرٌ لم أتمكن من الصمود كاتفاً يديّ أراه , فقررت في تلك الليلة اكتشاف ما يكمن مستتراً خلف جدار الظلمة , لم أرَ ما استتر خلف ذلك الجدار بعد .. و لـكنني أتطلع لرؤيته , فربما يملك بحوزته حقيقة موقفي مع هؤلاء

    أثناء عملي وقت الظهيرة أكون وقتها في المبنى الرئيسي في قاعة التعليم , ثم في العصر أنتقل إلى المختبر لإجراء بعض التطبيقات , ثم عندما تغرب الشمس أعود إلى مسكني , بمعنى .. أنا لا أسلك سوى درب وحيد , مما يعني أن هنالك الكثير من القاعات و الغرف الأخرى التي لم أرها طيلة فترة العمل لديهم , فقصدت تلك الأماكن بغية اكتشافي السرّ فربما يكمن وراء ذلك , و بالطبع كنت حريصاً أشدّ الحرص بذهابي سراً و ليس ذلك بالأمر الصعب ! كون المكان فسيح جداً مقارنة بعدد الأشخاص .


    * * *

    عندما التقى عقرب الساعة بعقرب الدقائق أخيراً بالشكل العمودي .. أعلن عندها اليوم الجديد ظهوره بينما وُدّع اليوم الفائت بلا عودة

    غـيّرتُ وضعي الآن إلى مراقب لأتأكد من أن النشاط حولي و حول المبنى يساوي .. صفر

    نافذتي تطل مباشرة على الساحة المقابلة للمبنى , و استعدادي كان جيّداً لهذه الليلة , فمفاتيح المبنى بحوزتي قد اختطفتها بسلاسة عندما سقطت من أحد العملاء المسئولين في الساحة الخارجية و قد استغليت تلك الفرصة لألتقطه بلا إثارة أياً من الشبهات , كان ذلك يوم السبت الماضي

    تأكدتُ .. لا وجود لأحد ! تسللتُ ببطئ .. تسللتُ بحذر , استغرقت عشر دقائق لأصل المبنى , بينما في الوضع الطبيعي هو لا يحتاج سوى دقيقتين فقط

    وصلت الباب الخلفي للمبنى و ليس الأمامي فالأمامي لا يلجه سوى العملاء الأعلى رتبة , ذلك مراقَباً أكثر من أخيه الخلفي لذلك قصدت الخلفي , عند وصولي إياه ألصقت أذناي الباب لأرى هل وجود لأحد ؟

    لا وجود لأحد لحدّ حِسّ أُذُناي بالرغم من أن عيناي تخبرني بوجود الإضاءة .. و لو كانت خافتة

    فتحت الباب بهدوء ليصاحب معه صوته المعتاد عند فتحه .. و لـكنه خافت

    رأيتُ المكان يعمّه الهدوء و السكينة بخلاف وضعه وقت بزوغ الشمس فترة النهار

    المكان فسيح و فيه ممرات عدة , سلكتُ الممر الأيمن بينما مقر عملي في الجهة المعاكسة

    أي أنني ذهب إلى مكانٍ لم أشهده سابقاً و هذا هدفي , انعطف بي الممر عدة منعطفات , و بعد سيري قليلاً بدأت أُذُناي تخبراني بصوتٍ بعيد نسبياً .. صوتَ شخص منفعل في حديثه ! اقتربت أكثر علّي أرى مصدره , كان من أحد القاعات كما هو موضح بعلامة فوق باب المصدر

    بدأت استرق السمع و إذْ بشخص يصرخ بأسلوب الخطابة !! سمعت البعض و البعض الآخر لا , و لكنني عرفت عن ماذا يتحدث تماماً !!

    لقد وصل الأمر إلى تكفير الدولة و تكفير أوليائها و علمائها و من يسير على نهجهم !!

    جفلت لسماعي مثل تلك الكلمات , صحيحٌ أنني ظننت أن في الأمر مالم أطلع عليه , و لـكن لم أصل بتفكيري لهذا الحدّ ! إذاً أنا بين مجموعة من الإرهابيين و قد تورطت في ذلك !! لم أستوعب بعدُ الأمـر , حاولت أن أضبط نفسي و ألزمها بالهدوء كي أستطيع الخروج من هذا المأزق

    اكتفيت بفهمي قدر استماعي لحديثه , فلمّا هممتُ بمغادرة المكان و إذ بسير شخص سمعت خطواته آتية من أول ممر على اليسار من أمامي بينما باب القاعة على كتفي الأيسر , تذكرت وقتها ذلك المسن و تأكيده عليّ ألاّ آتي غير وقتي ! بناءً على ذلك يتوجب علي اتخاذ القرار بسرعة , إن أسرعت هارباً ستُسمع خطواتي بوضوح ! فلذلك خلعت نعليّ كي أستطيع السرعة بخطواتي دون إصدار أيّ صوت مسموع بأكبر قدر ممكن , كنت محظوظاً بعض الشيء فقد كان هناك منعطف قريب تمكنت منه قبل أن يراني

    و تفاجأت حين انعطافي بالتزامي مـمراً غير متفرع ! ليس هي الحال كما باقي الممرات , بمعنى إن أتى ذلك الشخص باتجاهي لن يكون لي مفر أو مُختبئـاً أختبأ به لـولا الله ثم لمحي لتلك البقعة السوداء البعيدة في آخـر الممر , سرت باتجاهها كي أحتاط فمن يعلم ؟! سأضع أسوء الإحتمالات , و الاحتمال الأسوء هو إتيان ذلك الشخص المجهول باتجاهي فقصدت آخر الممر علّي أجد المفرّ

    حين اقترابي من تلك البقعة و حينما اتضحت معالمها تبيّن لي بأنها قبو !! قبو يقود إلى الأسفل , ترددت ماذا سأفعل ؟ و حين رؤيتي ذلك الشخص قد سلك دربي فعلاً ! نزلت بلا تردد ..

    كان سلّماً يقود للأسفل بشكل لولبي و حين انتهائه مباشرة يقبع باباً خشبياً قديم الصُّنع ! رأيتُ الإضاءة بواسطة الفتحة بأسفل الباب و تساءلت بوجود أحد بالداخل ؟ إن لم يكن.. فسأعبر طبعاً ليكون مخبئي من ذلك الشخص مؤقتاً , و إن يكن.. عندها سيكون الموقف الأصعب

    في الحقيقة .. صُدِمتُ حينما تمكنت أذناي من التقاط بعض الذبذبات الصوتية الدالة على وجود أشخاصاً بالداخل ! ماذا الآن ؟!

    هناك من سيأتي من الأعلى و إن هربت منه فيتوجب علي الدخول و إن دخلت فسيكون الموقف أكبر من أن يجدني مِـمّن هو خلفي , حسناً اقتنعت بكوني سأقابل إحداهم لا محالة , و يستوجب علي حينها إيجاد عُذراً لتواجدي هنا في هذا المكان و في هذا الزمان بالتحديد , فقلت في نفسي لما لا أسمع حديث من بالداخل فربما أستخلص منه العُذر , بالرغم من بصيص الأمل إلاّ أنني سأتمسك به لعدم إيجادي الحل البديل

    كنت أسمع الأصوات متقطعة , فاقتربت أكثر علّي أنعمُ بصوت أوضح من سابقه , ألصقت أذناي الباب فبدأ الصوت يتضح فعلاً , فسمعت بالكاد بعض الأصوات , و قد حاولت التمييز بين الصوتين إلى أن عرفت أنهما شخصان يتناقشان مع بعضهما باهتمام شديد و قد استطعت أن أسمع:

    " - و لماذا العجلة في التنفيذ فلننتظر قليلاً , فنحن لم تكتمل قوانا بعد فلنصبر قليلاً أرجوك , بضعة أيام فقط
    - ليس في التأخير سوى اصطحاب المشاكل , فلننه الأمر سريعاً قبل حدوث ما .. ! "


    جف ريقي و شهق حلقي و خفق قلبي , حتى أنني لن أنسى أبداً ذلك القلم في جيب الثوب الأمامي حين رؤيتي له يرتجف نتيجة لقوة ضربات القلب حينما تمكـنَت من الوصول إليه ! فقد توقف حديث الشخصين فجأة و بدا المكان ساكناً صامتاً لبضع ثوان أحسستها كالدقائق لثقلها , فتلى ذلك خطوات سريعة شعرت بها باتجاه الباب و لما هممت بالهروب للأعلى و إذ بخطوات أخرى أسرع آتية من الأعلى , جفلت حينها و توقفت بي قدماي و بدأت رُكبي بالارتعاش فلم أستطع الحراك فأخذت ألتفت سريعاً كالمجنون إلى السلّم على يميني ثم إلى الباب على يساري

    ثم أحسست للحظة بأن الذيـن بداخل الغرفة قد اقتربوا أكثر فثبتُّ بنظري تجاه الباب و إذ بي أحسّ بالذين ورائي هم الأقرب و لما التفتّ للخلف و إذ بفوهة السلاح مثبتة بين عينيّ تماماً !!

    و قد كان الموقف الأصعب !! في اللحظة التي كنت أنتظر فيها خروج تلك القطعة المعدنية المدببة ..

    من فـُـوّهة ذلك القاذف المعدني المرعب !!

    فلم يكن لي بطبيعة الأمر إلاّ أن رفعت بيديّ للأعلى و كلي أملاً بأن لا يُضغط الزناد

    فُتح الباب الخشبي من خلفي .. فلم يسعني أن أرى مَن كان بالداخل فهم ورائي , و لم أستطع الإلتفات بطبيعة ما يحدث لحظتها , و لـكن استطعت أن أرى ظلّيهما و قد بدا لي في أجزاء من الثانية من رؤيتي لظل أحد الاثنين من الذين كانوا في القبو مسبقاً و هو يرفع بيده و كأنما سيشير بها إلى أمر معيّن للاثنين المسلحين , فارتعت مما سيقول .. ساور نفسي الشك , هل سيأمر بقتلي ! , كانت الأمور تحدث في أجزاء من الثانية , بينما أحسستها كالساعات التي هي كأنما تُعرض بالبطيء بواسطة جهاز فيديو .. بينما عقلي يعمل سريعاً

    أمر ذلك الشخص المسلحين بتقييدي ثم إدخالي ثم الرجوع حيثُما كانوا , فأخذت نفساً عميقا و قلت في نفسي بارتياح "يبدو بأنه لا زال لدي بعض الدقائق الإضافية لأعيشها "

    و عند دخولي و مغادرة الاثنين كنتُ جاثياً مقيّـد اليدين مطأطِئاً برأسي , فلمّا رفعت بنظري لأرى وجهـيّ الشخصين و إذْ بأحدهم ذلك المسنّ و قد كان بملامح مغايرة تماماً ! فقد كانت مرعبة !! "

    قال بغضب:
    ألم أأكد لك عدة مرات بأن لا تأتي غير وقتك !!

    قلت بخجل:
    بلا .- إذاً فلماذا أتيت ؟

    أخرجت تلك المفاتيح التي سرقتها و رفعتها بيدي فأردفت:
    آه كـ كنت سأرجع هذه المفاتيح إلى صاحبها فقط .

    لم أكد أكمل جملتي حتى تلقيت لكمة قاسية على خدّي الأيمن كانت كفيلة بإلقائي أرضاً

    فأردف بعدها:
    كنتَ تستطيع أن تأتي بها في الغد

    عموماً لا يهمني السبب أياً كان فقد رآك أحد أتباعي و أنت تسترق السمع من أحد القاعات التي ليس لك منها نصيب ! و قد رأى ردة فعلك بوضوح تامّ , و قد عرفت تماماً مالذي يستوجب عليّ إجرائه في الفترة القادمة .


    ألقاني في زاوية الغرفة ثم خرج و الشخص الذي معه تاركاني مقـيّـداً وحيداً في هذه الغرفة الكئيبة الضيقة الخالية من الأثاث باستثناء الكرسيين و المنضدة الدائرية في منتصف الغرفة

    بقيت ماكثاً هنا لساعات و لا أعلم إن استطعت تقدير الوقت بشكل صحيح فساعات الإنتظار هي كالأيام بالنسبة للأوقات الطبيعية

    الغرفة لا يتخللها ضوء الشمس , إذاً ليس لي بمعرفة الوقت بشيء !

    و بعد عدة من الساعات .. فُتح الباب الآن !

    فدخل ثلاثة أشخاص .. ربما هم عملاء من الدرجة الـوُسْطى

    فقلتُ:
    ماذا تريدون ؟

    فأجاب أحدهم:
    بأمـر من سيّـدنا ستأتي معنا الآن .

    فقلتُ:
    .. إلى أين ؟

    - لا تتظاهـر بالغباء !! إلى مسرح الحدث بالطبع !

    - ماذا ؟!

    - لا تزعجنا بحديثك هـيّـا ..


    أثناء قوله ذلك سحبني هو و من معه بالقوة لأصبح كالدمية بين أيديهم أينما أرادوا توجيهها فلا مشكلة لديها

    عندما أخرجوني من المبنى كانت الشمس لم تُشرق بعد .. لا زلنا في الليل .. في آخره ربما , فلما رأيت الساحة الخارجية فإذ بـي أراها بشكل مغاير تماماً ! مكتظة بغير عادتها بالسيارات و الأشخاص في كل مكان !!حدثت نفسي مالذي سيحصل يا ترى !! أهذا حقاً ما قال لي ذلك المسنّ بأنهم شركة سرية ! لا أعتقد ذلك .. بل هم ربما ليسوا سوى بمنظمة إرهابية خبيثة !! و هذا ما لم يخطر ببالي فيما يسبق هذا اليوم

    اُركِبتُ بـإحدى السيارات .. و في مقعدها الأمـامي , حيثُ ذهب إحداهم ليتبقى شخصان في المقعد الخلفي و السائق على ما يبدو هو من ذهب , بضعة دقائق ثم أتى و بصحبته بعض الحِزم غريبة التشكيل , اقترب مني فأراد حزمها فيّ فرفضت و قاومت بطبيعة ما يحصل , و لـكنهم أرغموني بذلك فحزموها بالقـوّة فلم يكن لي من الأمر شيء , فهم ثلاثة و أنا مُفردٌ مُقيّـد

    فقلت في نفسي: ما بداخل هذه الحزمة .. متفجّرات ! أليس كذلك ؟!

    أمُؤكدٌ ذلك ؟! سأتفرقُ أشلاءً إن هي كذلك ! فكيف بقلوبهم لا تأبـى بارتكاب فعلة شنيعة كهذه ؟!

    أقــرُبَ أوانُ مصيري بهذا الشكل؟!!

    تأملت كثيراً في أمـري أثناء سماعي محرك السيارة و قد بدأ في المُضيّ بهيكله , نعم .. أثناء سيرنا إلى مسرح الحدث كنتُ أتأمّـل بعمق في أمـري و كيف أن هذه الدقائق الأخيرة في عمري ها هي أنا أعيشها الآن , أنا مُـنقادٌ تماماً و ليس لي في قيادتي شيء , أحسست بفقد الأمل , بدت الدنيا في مخيّلتي صغيرة جداً لا تساوي شيئاً , لم أكن كذلك في السابق , فقد تغيّرت أكثر من أيّ وقتٍ سبق

    مرت ساعة كاملة و أنا بنفس وضعيتي و في الجانب الآخـر من الذين معي فهم على اتصال بباقي السيارات بواسطة أجهزة التواصل , عرفت من حديثهم أن لكل سيارة درب و مقصد , لكل سيارة مقصد سَيُنهى ! ستحصل كارثة إن استمر الأمـر على ما هو عليه , دائماً ما أسمع بالإرهاب و لـكن لم أتوقع يوماً بأن يصِلوا إلى هذا الحد من العنف , و المشكلة الأكبر بأن في اعتقادهم أن ذلك عملاً خيرياً , فقد كانوا يرددون بأصوات عالية أغلب فترة هذه الرحلة الحزينة و كأنما هم في طريقهم للمعركة من أجل فتح دولة كانت كافرة !

    تقديري هو خمسين سيارة .. مجرد تقدير , و لكل سيارة مقصد معيّن , بمعنى أنهم يعتقدون أنهم إن قاموا بمهمتهم على أكمل وجه فإن الدولة ستسقط بزعمهم لتكون تحت سيطرتهم من الآن , لذلك كان الجوّ مشحونٌ تماماً

    أثناء سيْـرنا بدأت أصحوا قليلاً من حالتي تلك فاقدة الأمل , ليس لدي شيء أخسره الآن لذلك ولّدت لنفسي الدافع , فكرت في عدة طرق كيف لي أن أوقفهم فأنا الوحيد من أبناء الدولة من يعلم بذلك , فكرتُ فكرتُ كثيراً لـكن لا جدوى فمن سيوقف هذا الكم المرعب من أشخاص جهلة !!

    حتى توقفنا عند أحد الإشارات و حين إيقاف السيارة و كما يحصل في العادة عند كل قائد سيارة .. سحب السائق المكابح بيده , تأملته أثناء سحبه إياها ثم قلت في نفسي: المكابح .. نعم المكابح !!

    دائماً ما تكون الصدف أمامنا سبباً لبناء الأفكار إن نحن تأملنا فيها قليلاً

    انتظرت حتى أسرعَت السيارة من جديد و نحن في أحد طرق العاصمة الفسيحة

    فلما هممت بفعلها .. ترددت , ثم أحاول أخرى فأتردد أخرى ثم أحاول أخرى و أقول في نفسي: ليس لي حلّ سِواك

    أثناء قولي ذلك وجهت ظهري للسائق لأن يداي مقيّدتان فلا أستطيع مدّهما فوضعت كـفّـيّ على المكابح و سحبتها بكل ما أوتيت من قوة , فعلت ذلك بأسرع ما أمكنت

    صحيحٌ أنني تلقيت بعض المقاومات و الركلات و لـكنّي لم آبه لهم حتى بدأت السيارة بالإنزلاق ثم الإصطدام ثم الإنقلاب !!

    لا أذكر جيّداً تلك اللحظات فقد كنت أتقلب كثيراً و لم أدر ماذا حصل و سيحصل , حتى توقفت السيارة عن الشقلبة لتسكن الأوضاع قليلاً , لا أرى لحظتها سوى الدخان و الغبار الكثيفين , كنت محظوظ بشكل لا يُصدق لعدم إصابتي إصابات بالغة جرّاء ما حدث .. مجرد كدمات بسيطة لم أحسّ بها وقتها نتيجة لتدفق الأدرينالين

    الدخان يدل على الحريق و حين رؤيتي له وضعت احتمال انفجار السيارة إن توصل الحريق إلى الوقود فأسرعت مُبتعداً , فررتُ عن السيارة قدر ما استطعت , حتى سمعت بعد ذلك صوتاً مدوياً يعلن انفجار تلك المركبة الكئيبة بصحبة انفجارها موجة هوائية حارة لفَحت وجهي

    بعدها ..

    كنتُ مغمِض العينين .. ففصلتُ جفنيّ عن بعضهما ليسمحا لعيناي برؤية منظر المركبة التي كنت بجوفها قبل قليل و هي تحترق .. تحترقُ بشدة !

    في هذه اللحظات انتهى بي الأمر مع هؤلاء و أصبحتُ أخيراً حُراً طليقاً !

    انتهى الأمـر ؟! لم أستوعب الأمـر بعد !

    فلما أردت إزالة الغبار المتراكم على ملابسي أحسست بأن في الملابس ما هو قاسي بعض الشيء لم أعتد أن يتواجد لدي ما يُشابهه , فلما نظرت إلى ردائي و إذْ بحزمة القنابل المتفجرة لا زالت مُحيطة بجسدي ! , كانت قنابل .. نعم كانت كذلك ! لقد نسيتها تماماً !! و حينها تذكرت بأن الآخريـن لا زالوا سيُنهون مهمتم فلم تنتهي بعد فجُنّ جنوني فقد نسيت الأمـر تماماً بطبيعة ما حدث

    أردت أن أخبر البعض بأن يبلّغ الجهات المسئولة فلم أكن أمتلك هاتفاً خلوياً , و حينما هممت بذلك .. أردت الحراك و إذ بالدُّنيا بدت تتموّج في ناظريّ حتى فقدت التحكم تماماً في جسدي فسقطت طريح الأرض .


    * * *

    حينما أفقت و بمجرد إدراكي الإفاقة بدأت بالصياح و الصراخ لمن حولي أخبرهم عن الكارثة " أسرعوا و إلا "

    و لـكني كنتُ منفعلاً جداً فلم أدرك حتى أين أنا , حتى هدأتُ قليلاً و استدركت الأمـر فإذ بالأناس من حولي يتبسّمون بينما أنا طريح الفراش بينهم في سرير المشفى و قد بُدلت ملابسي و أزيل ما حُزم عليّ !!

    في الحقيقة لم أبالي فيما أين وُجدت , فتفكيري منصبّ على أولئك

    فقلت :
    ما بالكم ؟ لـمَ لا تسمعون ما قلت ؟! ستحصل كارثة إن لم تتصرفوا بسرعة هيّـا

    فقال أحدهم و قد كان ضابطاً .. قال بصوت المهدّئ:
    لا تخف عزيزي غالب فالأمـر قد انتهى تماماً

    - ماذا تقصد بـ " انتهى الأمر " ؟!

    - اطمئن لقد انتهى الأمر فعلاً مع أولئك الأشخاص

    - و هل تعرف عمّن أتحدث ؟!

    - لا.. أنا فعلاً لا أعرف عمّن تتحدث فـهـل..


    قاطعته :
    إذاً لماذا تقـ..!

    فقاطعني بثقة :
    انتظر ! .. ليس قبل أن تتعرف على الشخص الذي سيدخل الآن ..

    بعد قوله ذلك أعطى الإشارة لأحد أصحابه .. فطُرق الباب فسُمِح للطارق بالدخول , فدخل ضابطان و بصحبتهما شخصٌ منقادٌ فد أحكما سيطرتهم عليه

    يتضح أنه شخصٌ مُتّهم حيث كان مُطأطِـئ الرأس مُقيّـد الكفّـين بالأصفاد , حليق الوجه حيث كانت بشرته الناعمة متناسقة مع تلك العينين الواسعتين و الشعيرات المنسدلة , حتى بوجود بعض التناقض مع بروز وجنته و طول ذقنه و أنفه المعقوف .. فهو مع ذلك يعطي انطباعـاً عن شخص داهية لا يكاد يتعدى بعمره الثلاثين عاماً

    فقال الضابط لي :
    أتعرفه ؟

    فأجبت بالنفي .

    فأردف و هو يسير ضاماً يده اليسرى في جيبه :
    حسناً لك الحق في ذلك.. و لـكن ( أخرج يدهُ من جيبه ) ماذا الآن ؟! ( رفع شعراً مستعاراً أبيض اللون )

    فقلتُ :
    في الحقيقة لا أعرف إلى ما ترمي إليه !- لم تعرف بعد ؟! , حسناً ( سار باتجاه الشخص الـمُتّهم ) أجبني ( ألبسَهُ الشعر المستعار ) لن تقول لا أعرفه بعد الآن .. أليس كذلك ؟

    تجمّدت عن الحركة و بِتُّ أنظر بذهول تجاه ذلك الشخص و هو مطأطأ برأسه رافعاً عينيه ينظرني و قد بدت عيناه تحكي الكثير و قد عضّ على شفتيه و كأنما لسان حاله يقول كيف اُصطِدتُ بهذه السهولة

    لقد كان هذا الشخص هو ما أسميته بالـمُسنّ .. هو المسنّ بعينه !!

    لم يتبيّن أبداً بأنه قد لبس شعراً مستعاراً .. فكأنما هو حقيقي ! , حتى أنه أتقن دوره تماماً

    أرجح بأن حتى عملائه لم يعرفوا بأنه صغير السن في الأصل

    ربما فعل ذلك ليخفي هويته .. أو ليكسب ثقة غيره لا أعرف بالضبط

    فقلتُ و قد عرفتُ بصدق الضابط أن الأمر قد انتهى فعلاً :
    طبعاً طبعاً .. أنا أعرفه جيّداً

    - أعلمتَ الآن .. لقد انتهى الأمر أليس كذلك ؟

    - آه نعم بالطبع .. و آسفٌ لعدم تصديقي إياك بداية الأمر , و لـكن كيف أوقفتموهم .. بل كيف تعرفتم عليهم ؟

    - لقد كنا نعرف الكثير حول أولئك الأشخاص يا غالب , أكثر مما كنتَ تعرف أنت , لقد بقيتَ لديهم مرغماً لمدة أسبوعين فقط أليس كذلك ؟!

    - بلا !

    - حسناً فجواسيسُنا هنالك قد مكثوا ما يقارب الشهرين, فعرفنا بواسطة ذلك مخططاتهم و ما ينوون فعله و قد عرفنا قصتك بالكامل


    ثم ابتسم و أردف:
    لا تقلق لن نسلمك للعدالة .

    قالها لأدرك خلافها أن علاقتي بالأمر لم يتبق منها شيء قط ! و انتهى الأمـر بهكذا سرعة , بأبعد ما يكون عن ما جال في دماغ كل متلقي

    أكمل قائلاً :
    حسناً هل لديك ما تقوله لشخصٍ كان المسئول عن أماكن تواجدك خلال الأسبوعين الماضيين ؟

    استدرتُ بنظري تجاهه .. تجاه المسنّ .. لا زلت أسميه المسنَ فقد اعتدت على ذلك

    سألته :
    قل الحقيقة .. ما حقيقة إتيانك بي أنا بالذات , و لـمَ كذبتَ و قلت بأنكم شركة مبتدئة ؟

    فأجاب بِـثِقَل : لأنك الـرُّقعة السوداء المثلى القادرة على سدّ ثُقبِ هيكلنا الأبيض ! .

    لم أفهم منه شيء قطّ فأعدتُ سؤالي مرة أخرى و لكنه لم يُرِد مني أن أسمع منه غير تلك الجملة الأخيرة

    غادر هو من معه و غادرت معهم هذه التجربة المُتقلّبة .. غادرت بلا عودة

    و في اليوم التالي أخرجوني من المشفى لأذهب إلى دياري أخيراً و كم كان الشوق يغلي في صدري لحظة ما قبل ذلك

    أصبحت هذه الحادثة حديث القنوات و الصحف و المجلات و كم كنت سعيداً لحظة سماعي تلك الأنباء المعلنة انتهاء تلك الحادثة الكئيبة .


    - تمت -





    أرحّب بالآراء و النقد البناء

    -

    عــافــاكم الله

    فــي أمــان الله




    شكراً للمشرفة القديرة Sos_chan على الموافقة و فتح المجال لطرح الموضوع
    التعديل الأخير تم بواسطة C&S evitceteD ; 5-7-2011 الساعة 06:18 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...