•|| نشيج ندِيّ × قصة ||•

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 3 من 3

مشاهدة المواضيع

  1. #1

    الصورة الرمزية الجاثوم

    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المـشـــاركــات
    610
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتـــقـــــيـيــم:

    افتراضي •|| نشيج ندِيّ × قصة ||•









    ×*×*×


    من بيتِ حسرة أتيتُ، أرتدي فجيعتي جٍلدًا مُجعَّدًا على عظمٍ
    يقي ما تبقَى من قلبٍ تالفِ الشرايين وبنكرياس خائنٍ لا يجيدُ إفراز الأنسولين...
    في حَقيبَتِي ثلاثُ رزمٍ من الحَصى المتعانقِ مَثنى مَثنى إلى التسعة،
    مَعَها لملمتُ أسْآرَ[1] غُرابٍ بدأ بالستة بعد عامِ الأربعة والخمسين
    وانتَهَى إلى هذا الهيكل الذي هو عليهِ الآن...
    ها أنا على أعتاب الثلاثة من الألفين أقف عَلى ساقٍ ووَجَعٍ، أتحامل على انكسَارِي،

    أطوينِي كَمَا الماضِي و لا أطْوِ صفحةَ الأمسِ كأني العارُ و كأنِي النكسَةُ،
    أتوارى خلف ألمٍ شَمَخَ وتَجَاوز الحنجرة يَلفُّنِي فكان بدلي، وكُنتُ تحتهُ كَلَا شيء،
    كالعدمِ بين قَدَمِه والأرض.

    هذا أنا الرَّجُل النَدِّيُ بماء البحر المالح، الغائرُ كَجُرحٍ لا يعرفُ كيف يَندمِل
    لكنه يعرف كيف ينزف عن جدارة،

    يَرمِي بثقل شجنهِ على رملٍ ظامئٍ يرتوي إذ ما مَرَّر البحر كفه المبللة على وجهه،

    أنا الزبدُ الطافي الذي يتأرجح بين السطح والعمق؛ يصفع أوجه الصخور الرابضة للأبد على السواحل إن غضبَتْ السماء،
    طحلبٌ غافٍ عند قدم حجرٍ عملاقٍ مُرابطٍ على الشاطئ منذ الأزل،
    شارد في الأفق إلى الخلد...

    أنا كائن وحيد الخلية أتغذى من ذاتي، أنمو في جُحر عَميقٍ ناءٍ بعيد لم يهتدي إليه شعاع واحد
    و لا أي شيء من الهواء
    مهما صرختُ و ناديتُ أَنْ "أنا هُنا !!"...
    هذا لأنَّ صَوتِي مجرد خُوَارٍ غير مسموع،
    بِدائيٌ ليس له صدًا و ليس له بعدٌ...
    ليس لي وجود.


    شيئًا فشيئًا بدأتُ في الصدأ وحَالَ لوني إلى لون العفنِ،
    تَخَمَّر الكبتُ ليتقاطرَ كارثةً تَفوحُ سُوءًا وضررًا،
    اخْتَـلَّتْ جُزَيئِيَّاتِي وما عاد لي كَثَافةٌ أو ثِقَل،
    أنا الوحيد الذي تَتَغَابَى عني قوانين الفيزياء ...

    كُنتُ قبل أن أكونَ، كبقية الصبية ما قبل التحرير،
    أفيق مع الشمس، أتلذَّذُ بأرغفة ساخنةٍ من الشعير وكأس من حليبٍ دسمٍ
    جاء لتَوِّهِ من شاةٍ لا تَبْخُل مطلقًا على غِلْمَانِ امرأةٍ ما أدركت أنها ستَتَرَمَّلُ مُبكرًا،*
    أركضُ حافِيَ القَدَمَين في المُرُوجٍ المُمْتدةٍ لبَعيد،
    أَسْعَدُ بمُداعبَةِ الحَشيش لبَطْن قَدَمي المُصابَةِ أبدًا بجُروحٍ تُسببُهَا مُشَاغَبَتي ولَعِبِي كَمَا اتَّفق دُون حِذَاء،
    أتورعُ خوفًا من الشَيْخ في الكُتَّاب،
    أحفظ ما تيسر لي دون أن أفقَه حرفًا مما أتْلُو، أعُودُ لمَنْزِلي مع إخوتي على بَقَايا النُورِ المُنبعِثِ من عينِ شمسٍ حالمَةٍ تسْتَعِد للنوم ...
    أنام أحلُمُ بأحلامٍ مبهمَةٍ ثم أفِيقُ بعدَهَا مع الشَّمس لا أذْكُر مِنها شَيئًا،
    أُعَاوِدُ يومي مرارًا وتكرارًا بنفسِ الشغف كأن كل شيء يحدث للمرة الأولى،
    أتقوتُ بنفسِ الطعام أركضُ أصابُ ألعبُ أسْتَكين أحفظُ أعودُ للهو ثم أستَقرُّ على الحَصيرةِ في المساء
    كملاكٍ لم يعرف الطيشَ يومًا، لم يعرف همَّ الدُنيًا وأن الغَدَ ليس كالأمْسِ دومًا...
    قبل أن أكون هيكلا فارغًا إلا من غرابٍ نَافِقٍ كنتُ كبقية الناس،
    و هذا قبل الستة من عمري..


    كان لي إخوة وأم، وكان لي أبٌ كَثُّ الشاربِ غليظُ البنية عريضُ المَنكَبَيْن عملاقٌ حازمٌ له بأس شديد
    وكلمة إذ قيلت طغت على كل صوتٍ،
    لم أرهُ يومًا مُنْحنِيَ الرأس خاضعًا لأحد، مَادًّا يده يطلب شيئًا،
    رأيته حازمًا حزم عمر ذائدًا ذَوْدَ صلاح الدين عفيفًا عِفَّة يوسف صَبُورًا صبر أيوب،
    طيبًا طيبة محمد...

    كان أبي وكنت أحبه بالفطرة، وكنت لِأعيشَ معه بقية حَياتي أرُدُّ له الجَمِيل،
    وكان لِيرعى ويحضنَ أحفاده كأنهم نحن أو أكثر عِزة عليه، وكُنَّا لنعيش جميعًا جنبًا إلى جنبٍ في سعادةٍ مع الاحتِلال أو دُونَه،
    لكن لم يكن هذا الذي يفكر فيه، فلن يهون على هُمَامٍ الجلوس مكتوف اليدين أمام غرباءَ ينهبون أرضه ويَبْقَرون بطون أشجارٍ حملت لتوها بثمارها،
    يهُدُّون بَيْتَه ويدنِسُون شرفه...
    كان الوطن كله شَرَفه وكانت الأرض فردًا من العائلة.


    كنت أرى أشخاصًا يأتون ثم يغدون كالأشباح، تُجهِّزُ لهم أمي الكثير من الطعام،
    وتصُّرُ لهم صُرَرًا من الزاد، كنت أبصر بعين الطفل كُتَلًا كبيرة تُخَبَّأُ في البيت وتُسْتَحْضُر إذ ما أتى نَفرٌ آخر يرتدي السَّوَاد،
    كنت ألْمَح أناسًا لا يُشْبِهُونَنَا، لهم بَشَرة شَدِيدة البَيَاض صافية وعيون ملونة،
    ألبسة خضراء غريبة وشُعُور مُستَرسلة شقراء مُصفَّفَةٌ ولُكْنَة عجيبة كأنها عُواء، يُصَوِّبُون على رُؤوسِ الناس أشياءً كالعِصيِّ و كالتي يُخبِّئُها والدي في المنزل،
    وكانت الناس تخَاف منهم و تَتَحاشاهم، لم أكُن أدري ما يفعلونه لكن كنتُ واثقا أنهم يقومون بأمرٍ سيءٍ و أنهم يُؤذُون أمثَالِي بتلك الأشياءِ التِي يُلَوِّحُون بها،
    وفهمتُ جيدًا كيف يحدثُ هذا حين جَرَّبُوها أمامِي عَلى أبي...


    كُنت صغيرًا غضًا لا أعرف أن الذهاب لمنطقة نائية والانخراط مع قوم يحملون البأس في ملامحهم موضة الاعوام الأخيرة،
    وأن هناك ريحًا عصفت، ريح الصحوة ريح تزمجر معنا ان اكتفينا،
    أن ضقنا ذرعًا ..
    وكانت كل تلك الغالونات من الدماء التي ما بخل أصحابها برقابهم أمر لابد منه و ضريبة للهواء و للأرض .

    أعلم أنَّ وَالِدِي كان صِّندِيدًا، يكفي أنه جَابَهَ الموت واقفًا ولم يهرب،
    لم أكن أعي تمامًا ما الجدوى من هذا الذي يُسمَى كفاحًا لكن يكفي أن يقوم به أبي لأفهم أنه شيء مقدس
    شيء أقرب للصلاة و أمرٌ لا بُدَّ منه، وأني ابن رجل.



    كنت في السادسة من عمري، كان جناحي لم يكتمل نموه بعد و ريش رضاعتي لم يتساقط بعد،
    كنت لازلت أستظل بظل أمي و أشرب من جبين أبي حبات العرق و آكل القمح الذي ينمو في راحة يده،
    و كنت لازلت أتكور بكسل داخل فقاعة الطفولة ..
    لكن تلك الفقاعة كانت مصنوعة من البلاستيك وكنت موضوعًا أمام مصدؤ للحرارة سريع الانفجار دون سبب ..
    سحنتي البشرية لم تتحمل ..



    كنا نعيش بأنفاس مشدوهة، نتنفس نصف الهواء نأكل نصف الطعام ننام نصف غفوة ،
    كنا في منتصف الأشياء و نخاف أن نعيش ..
    حين سقطت علينا غارة ذلك اليوم لم يتسنَ لنا القيام بمهامنا النصفية اليومية

    حتى دماؤنا توقفت عن الجريان ..


    سمع الكولون عن وجود ''فلاڨة''[2] في قريتنا، ليس لهم وقت للتأكد لكن لهم خطوة الابادة فقط.

    حين وقفوا على رؤوسنا بجزمهم الخشنة عيونهم كانت تبرق شرًا، أفواههم المملوءة بالزبد تصرخ بجنون : (أين هم الفلاڨة ؟؟ أين ذهبوا ؟؟ من أين أتوا ؟؟ أين الأسلحة ؟؟ من يساعدهم )


    لكن كانت أفواهنا مكمومة و مسحنا ذاكرتنا كي لا نجيبهم ..


    أبادوا قريتنا، حرقوا الشجرة التي كنا نأوي إليها وقت الهجيرة ،
    دمروا البساتين والحقول لوثوا الوديان ..

    و بيوتنا صارت أنقاذا .. لم يبقَى لنا شيء

    قاموا بنقلها أفواجًا أفواج مشيًا على الأقدام دون رحمة لأرجلنا الصغيرة أو كواهل العجائز
    الى محتشدات مُسيجة، عاملونا كقطيع البقر ... كقطيع خنازير.


    كَومُونا بشًرا فوق بشرٍ في أرض مبسوطة .. دون ماء دون مأوى دون طعام ..
    كنا نُمضي الليل في العراء و النهار فوق موقد الشمس ..



    كانت الساعة تقارب منتصف الليل، الشمعة تقف كأبي تراقبنا و ترعانا و نحن نيام،
    لا تذوب و تخبو شعلتها حتى مطلع الفجر، تؤنس امي في لياليها حيث تناجي الله
    و تتوسل إليه سلامة زوجها و اطفالها..



    كانت الجدران تهمس، كان بإمكاني سماع حسيس يردد :

    (عبد القادر قادم .. المجاهدين قادمون .. طريق الأوراس)

    كانت النساء يحلقن حول أمي، شيء من التهنئة يترنم على شفاههن،
    ابتسامات عريضة ترتسم ..

    الأبطال الأبطال ...

    الابطال وِسامهم مصنوع من معدن نادر جدا لونه أحمر،
    مستخرج من أحشاءهم

    ستأخذ وسامك، لكنه مقابل سقي شجرة واحدة على الأقل
    في ساحة الشهداء بدمك الهاطل من وريدك

    و ستنمو تلك الشجرة لتحكي عن ما شهدته من معارك، وتحكي عن ساقيها بفخر ..


    حين أتى الثوار ينتقمون لشرفهم في تلك المحتشدات، و يمسحوا الوحل عن وجه العربي
    وجه جنود فرنسا أسلحتهم كما اتفق على كل شيء،
    حتى السماء لم تسلم منهم ..

    رغم أن الذي يواجههم واضح واقف أمامهم
    لكنهم فضلوا قطع رقاب الأطفال و النساء الذين جمعوهم كحيوانات أليفة

    كهواية وقت الفراغ .. أو وقت الحرب.


    حتى الغيوم لم تسلم منهم .. حتى أمي ..

    كانت حاملا في شهرها الثامن و كان الجنين في كامل بنيته متحمس للخروح و متحمس للحياة .. ربما متحمس للكفاح ..
    لكنهم بقروا بطنها أمامي عيني و رأيت أخي المخضب بالدماء ينزلق على الأرض لا يجيد البكاء ...

    صرخات امي لم تكن بسبب الألم ..
    كانت تنادي على أحدهم لأخذي و الهرب بي
    و كنت متمسكًا بثوبها أود الدخول لرحمها مرة أخرى للهروب من النار و الدخان
    و هي تدفعني عنها ليحملني أي شخص مار من جانبها راكضًا للخلاص ليخلصني معه ..


    كنت أبتعد على كتفي رجل ما و كنت أرى أمي المستلقية على الأرض
    سابحة في دماءها تنظر للسماء تخاطب الله خطابها الأخير ..

    بعد لحظات أضحت الساحة مجرد ضباب يشوبه اللون الأحمر.


    لم أجد وجه أم أو أبي في وجوه الحشود التي أقف وسطها، و لم أسأل عنهم مجددا

    فالأموات لا يمكن أن تطلبهم بأسمائهم علنًا



    ×××


    حين أخلد للنوم و أسلم عقلي للظلام، كل ما أراه بخار زفيري اللاهث و أنا أركض في أحراش من جماجم
    و أسمع أصوات الكلاب و زغاريد الرصاص،
    أشعر كأن رُضعًا ممددون على طبلتي اذني دون طعام لأيام يجهشون من البكاء*

    كأنهم يستفزونني ..

    كأنهم يقرعون في أذني سيمفونية عنوانها أنت السبب في موت أخاك الذي لم يولد.

    أخي أو أختي الله وحده يعلم ...
    صوت بكاء أمي و صراخها الصاعد إلى الله بشكل أيادي ذات مخالب
    تتفرقع كالسياط على ظهري

    افيق لاهثا ككلب جاب الصحراء لأسابيع،
    لا أطلب ماءً في منتصف الليل بل أطلب ملك الموت أطلب يدا تقتلع قلبي و عقلي معا،*
    تحرق ذاكرتي و تطهر عيناني من دنس المشهد الذي لطخ فقاعة طفولتي ..


    كان هنالك مجموعة من النساء و الرجال وقفوا في كفة الميزان ليحلوا محل والداي،
    لم نشتكي انا و اخوتي من شيء بعدهما إلا من الشوق، تجاوز الجميع الأمر مطلع السبعينات و أَمَاهَ الاستقلال صورة الأسى قليلا ،
    لكني بقيت ملاحقا من شبح عهد أبي و بقيت أسمع في الليالي الباردة أصوات احتكاك السكاكين
    و بكاء الرضع،و ألملم الخيالات كلها إذ ما بان الصبح و أكتم صوت الرصاص في رأسي.


    كبرت و كبر معي الوجع الذي طوق رقبتي كأفعى مجلجلة، أفعى أتت من أحد الحقول في الريف الفرنسي ..
    ألقيت بذوري فحصدت أطفالا حملوا ملامح أبي و أمي حملوا روائحهم،
    كنت أضع ريقهم الطاهر على جرحي يوميًا ...
    لكنه أبى ان يندمل ولا زال الذنب و الندم و الحسرة يأكلني كطرف كِسْرة يابسة ..


    لم اتوقع أني في مطلع الألفين سأكون قنبلة موقوتة وصلت ساعة الصفر، لم يكن باديًا على سحنتي أن داخلي قنبلة ،
    لم يُشع بتَقطُعٍ رتيب في عيني أرقام ساعتها الحمراء
    لم يرى أحدهم أسلاك زرقاء و سوداء تطل من أذني أو بقايا البارود على رأسي ...

    سقطت من علو شاهق جدا، من ناطحة سحاب تسلقتها كل هذه الأعوام لأجل استنشاق هواء عليل يزيح الأحجار العالقة في حنجرتي..

    سقطت سقوطا مدويًا في وهدة الاكتئاب ..


    من بيتِ حسرة أتيتُ، أرتدي فجيعتي جٍلدًا مُجعَّدًا على عظمٍ يقي ما تبقَى من قلبٍ تالفِ الشرايين
    وبنكرياس خائنٍ لا يجيدُ إفراز الأنسولين...
    ها أنا على أعتاب الثلاثة من الألفين أقف عَلى ساقٍ ووَجَعٍ،
    أتحامل على انكسَارِي، أطوينِي كَمَا الماضِي و لا أطْوِ صفحةَ الأمسِ كأني العارُ و كأنِي النكسَةُ ...
    أتضور جوعًا ولا شيء يشبعني إلا حليب أمي، لكن جثتها الضامرة التي دُفنت في مقبرة جماعية
    في وادي ما ... جفت من الماء .









    [1] جمع سُّؤْر: بقية الشيء
    [2] فلاڨة : المجاهدين باللهجة الجزائرية




    ملاحظة: سبق وأن نشرت القصة في منتدى آخر + صفحتي على الفيسبوك.





  2. 5 أعضاء شكروا الجاثوم على هذا الموضوع المفيد:


المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...