بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا

[ منتدى اللغة العربية ]


صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 61 إلى 65 من 65
  1. #61

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,310
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا


    نص (ليس بقصد الإحراج)
    1_ نحن في محل الحلوى الذي نُدِيرُهُ، نتَّبع أسلوبًا ما فتئنا نتَّبعه، مُذْ دَفَع بنا والدنا إلى العمل، ووزَّعَنَا بين مهام الحانوت، بعضنا للبيع، وبعضنا للحسابات، أما هو، فلا يستكين في موضع، فهو كل شيء، ولا شيء في آن واحد، يقول لنا إذا لمس فينا إعراضًا أو نفورًا في خدمة أحد: "خذوا الناس باللطف، وقَدِّموا لهم مما هو أمامهم، حبة زائدة أو ناقصة لن تفعل شيئًا، وأكثر الناس تأسرهم مثل هذه البادرة، فَيعْزُمُون إذا كان في نفوسهم شيء من التردد".
    2_ وكنا نأخذ بنصيحته، ونلمس جدواها، ولكننا إنصافًا للحق نقول إن هؤلاء الذين يقبلون أن يتذوقوا هم القلة، لا سيما إذا كانوا رجالًا، فهم عادة لا يدققون، بل يطلبون الصنف بالاسم الذين تكون قد حددته لهم الزوجات، أما النسوة فَلَهُنَّ شأن آخر، فالواحدة منهن تطيل التأمل والمقارنة، وتقبل بابتسامة كل ما نعرضه عليها على سبيل التذوق، ثم تقف فوق رؤوسنا، كما يقولون، ونحن ننسق الحبات في صناديقها الكرتونية لتطمئن إلى أن كل شيء يجري على ما يرام.
    3_ على كل حال، كان للقاعدة شواذ بين الرجال، وشواذ القاعدة هنا رجل يزورنا بمعدل مرتين في الأسبوع، يقف أولًا بباب الدكان، وقد عقد كفيه وراء ظهره، ثم يبتسم ابتسامته الهتماء
    [1]، ويدخل المحل وقد زاغت عيناه بين تلال (التوفي) و(الملبس)، فأتبادل وأخي ابتسامة ذات معنى ما أظنه أدركها مرة، ويسألنا عن أصنافنا الجديدة، فنصطنع الجد ونحن نُطْنِبُ[2] في مزاياها، وهو يستمع إلينا جادًا مُتَحَلِّبَ الفمِ، قائلًا بين اللحظة والأخرى: (هكذا، هكذا)!!

    4_ وهنا تدركنا الشفقة، فَنَمُدُّ إليه حبة يضعها بين أسنانه، يمصها ثم يديرها شمالًا أو يمينًا إلى حيث تُسْعِفُهُ أسنان لا يملكها في واجهة فمه، وإذ ينتهي منها يقول، وهو يمسح فمه بظاهر يده: (حلوة، شديدة الحلاوة، ليت السكر كان فيها أخف) أو (رائحة البيض فيها ظاهرة، هذا لا يناسبني) فنضحك ونحن نقول له بدورنا: (هكذا)!!

    5_ كنا نعلم أنه لا يشتري، وأنه لا يملك في جيبه ما يشتري به، ولكن حبه الطفولي للحلوى كان لا يقاوم. وكان دخوله المحل وسيلة يذوق بها قطعة من الكعك، أو حبة من هذه الآلاف المكدسة. وإذ كنا نتأفف، كان والدي ينتهرنا بقوله: (لا تحرموه هذه المتعة، لعلها الوحيدة في حياته، دعوه وشأنه).

    6_ ذات صباح، دخل الشيخ، وكان المحل غاصًا بالزبائن، يبتاعون حلوى العيد بسخاء لا تعرفه أيامهم العادية، وحين دخل رفعْتُ يدي متأففة، فرمقني والدي ببعض التأنيب، وقبل أن يفتح الشيخ فاه، امتدت يد أبي إلى علبة ملفوفة كنا قد جهزنا لنبعث بها هدية من المحل إلى زبائننا، فتناولها وقدمها إليه قائلًا: (هدية لك بمناسبة العيد)، تردد الرجل في مَدِّ يده، فأخذ أبي يقول: (هدية، هدية، ألستَ زبونًا قديمًا؟ اقبلها).

    7_ وكان واضحًا أن الرجل قد أُحرج، فقد انتفخت رقبته قليلًا، وزحف شيء من الاحمرار إلى وجهه، ولكنه لم يحمل العلبة، ولم ينصرف، بل وضعها جانبًا، وقال: (أريد أشياء أخرى)، وسكت لحظة، وأردف: (أشياء كثيرة.. علبة الشوكولا هذه الكبيرة، و...دزينتين من كعك جوز الهند وكيلو.. _ هل تسجلين ذلك؟ سجليه لئلا تنسي _ أو كيلوين من هذه الحلوى، و...و...، هيئيها في ربطة واحدة مع علبة الهدية وحضري القائمة. سأمرُّ خلال عودتي إلى البيت وأحملها.. وأدفع لكم.. أجل.. أدفع لكم).

    8_ قال ذلك، واستدار، وقد كاد أن يصطدم بهرولته بعجوز وطفل... وترك المحل من دون أن يودع الواجهة بنظرة أخرى قبل أن يحاذي سلسلة من الحوانيت
    [3] التي لا يبدو أنه يهتم بها.

    9- هل أقول إننا لم نكلف أنفسنا عناء تحضير الأغراض وربطها؟ كما أننا لم نكن لنصدق حتى لو نحن هيأناها له بأنه سَيَمُرُّ ليحملها، ولكن ما أثار ألمنا حقًا هو أنه ترك علبة الهدية، وأننا لم نَعُدْ منذ ذلك الصباح نرى له وجهًا.
    سميرة عزام _ من كتاب العيد من النافذة الغربية _ بيروت _ دار العودة _ 1982م.


    [HR][/HR][1] ابتسامته الهتماء: أي ابتسامة تكشف عن أسنان متكسِّرة لا أصول لها.
    [2] نُطْنِب: نبالغ.
    [3] يُحاذي سلسلة من الحوانيت: يَمُرُّ بجانبها.



    0 !غير مسموح

  2. #62

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,310
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا


    خلاصة:
    لقد قَدَّمْنَا أكثر من نص، بين نص صغير وآخر مطوَّل، بين خاطرة وجدانية من أم تفتقد ابنها، ونص فكاهي عن أمير أصيب بحالة من الغفلة فَظَنَّ الصيادَ يُقَدِّم له السمك من دون انتظار مقابل، وما بين مواقف وجدانية قاسية، يمكن لنا أن نلحظ الكثير منها في مجتمعاتنا، على أن المقصود والأساس، هو هذا الموقف، وتلك الفكرة الرئيسة، ليصوغ الأستاذ النص كما يريد، وفق اختياره الشخصي، بناءً على مستوى طلابه من التركيز والاستيعاب، ومدى ما يحتاجونه (فعليًا) من الوقت، لا بمجرد ما (يتمناه) الأستاذ أن يكونوا عليه! ثم يُسْمِعُه طلابه كفهم مسموع، على أننا نذكر ونؤكد ضرورة عدم إجراء نصوص طويلة الحجم بادئ الأمر، فلنتدرج مما يعني الطلاب من المواضيع، وبنصوص صغيرة، ولو كانت _ وفق نظرنا _ أقل من مستوى صفوفهم من ناحية الحجم، فما نتمناه أمر، والواقع أمامنا أمر آخر، ودسُّ الرؤوس في التراب، أمر لن يفيدنا ولن يفيدهم، لعلنا نزيل من أنفسهم رهبة نصوص فهم المسموع، وتحويلها نصوص نسخ لما نقول، إلى نصوص تعتمد الإصغاء والتركيز فعليًا، ليتحقق الهدف الأساسي منها، إضافةً إلى ما نريد الوصول إليه بطلابنا من التحليل الصحيح، والإجابة المترابطة لغويًا.


    0 !غير مسموح

  3. #63

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,310
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا


    ثامنًا: إشكالية التعبير الشفوي: حلول ومعالجة
    للتعبير الشفوي أهمية كبيرة في تأسيس التلميذ والسعي به إلى أن يمتلك لغته العربية امتلاكًا قويًا، كما يعوِّده فن الإصغاء والتركيز، ويفتح ذهنه على طرق وأساليب متعددة في التعبير، وإبداء الرأي، ما يفيد؛ كذلك؛ بحصص فهم المسموع، إذ إن مَلَكَة التركيز والإصغاء، وموهبة التعبير الجريء، قد تحققتا فعليًا لدى الطالب في وقت سابق.
    ويجب أن لا نتوقف فقط عند إعطاء حصة التعبير الشفوي، من دون أن ننظر إلى مشاكل التلاميذ في هذا التعبير، وكيف نستطيع أن نحل هذه المشاكل أو نخفف منها، لتقوى لدى التلميذ مهارة التعبير الشفوي ولا يراها صعبة أو جافة.
    وإن لم نفعل ذلك، فلن تكون لحصص التعبير الشفوي أهمية تذكر، لأن فائدتها ستكون محصورة فقط بعدد دقائق الحصة التي نعطيها، وسنظل نرى نفس المشكلة أو المشاكل تتكرر كل حصة تعبير شفوي لاحقة، ما لم نعالج مشكلات الضعف هذه من جذورها.
    ونجاح التعبير الشفوي يعاني الكثير من الصعوبات، والسبب في ذلك ليس بسيطًا، فهناك عوامل كثيرة تجتمع معًا لتزيد من هذا الضعف، ومنها ما يتعلق بالمتعلم ومنها ما يتعلق بالمعلم نفسه.

    0 !غير مسموح

  4. #64

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,310
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا


    1_ أسباب ضعف الطلاب بالتعبير الشفوي:
    الأسباب في هذا المجال كثيرة ومتنوعة، ما يعني أن علاجها ليس هينًا، ولا يتوقف عند خطوة أو اثنتين، بل لا بد لنا من الإحاطة التامة بكافة هذه الأسباب، أو بأبرزها على الأقل، لنسعى في خطوات العلاج تدريجيًا، لعلنا نستطيع الوصول إلى المرحلة التي نطمح إليها، معالجين الضعف الماثل لدى طلابنا بحصص التعبير الشفوي.
    وأسوأ مشكلة تعترض طريق التعبير الشفوي، مشكلة التناقض الكبرى بين لغة التعبير الشفوي، التي تقتضي الإجابة بالفصحى السليمة بضبط الكلمات ضبطًا صحيحًا، ولغة التلميذ العامية في منزله ومجتمعه، تلك اللغة التي لن يحاسبه أحد إذا ما أخطأ بتحريك الكلمات، أو رفع المفعول به أو نصب المضاف إليه!
    ومن هنا، ينفر التلاميذ من مجال التعبير الشفوي، فاللغة الفصحى لغة جافة بالنسبة لهم، وصعبة تقتضي أن يتلعثم الطالب، وهو يفكر بحركة الحرف هل هو ساكن أم متحرك، وإن كان متحركًا، فما الذي يناسبه؟ الكسرة أم الضمة أم الفتحة؟!
    ويزداد النفور حينما تتحول حصص التعبير الشفوي إلى حصص تقييم وتسجيل العلامات والدرجات! إذًا، هذا هو سبيل الرسوب! أو على الأقل هذا هو سبيل خفض قيمة النجاح وحرمان الطالب علاماتٍ يستحقها من دون سبب، وفق نظر الطالب!
    كما أن ما (يجب) أن يحصل، لا يحصل دائمًا! بل ربما يحصل نادرًا، لنجد أنفسنا إزاء مشكلة أخرى لدى الطلاب، فواقع تدريس التعبير الشفوي في مرحلة التعليم الأساسي في الحلقتين الأولى والثانية لا يُبَشِّر بما يدعونا إلى التفاؤل، فالضعف في التعبير الشفوي أمر بَيِّن تؤكِّده الملاحظات الميدانية، في الدروس التي نعطيها، أو التي نشاهدها، في الحلقة الثالثة، وفي المرحلة الثانوية نفسها، ما يستدعي منا أن نسأل أنفسنا كيف نطلب من التلميذ التعبير الشفوي ونحاسبه عليه بالعلامات، وهو ليس مؤهلًا لهذا اللون من التعبير أصلًا؟!
    ومن المشاكل التي تحتاج الحل الجذري، أن الطالب يتعوَّد إلقاء الأسئلة، والإجابة عنها، في حصص لغة عربية، غير المادة الرئيسة، كحصص التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا وسواها.
    بل قد تكون المشكلة الأكبر والأشد فداحة من ذلك، أن أساتذة اللغة العربية يتقبلون إجابات تلاميذهم باللغة العامية، ظنًا أن هذا يخفف الضغط عنهم، ما يُعَوِّد التلاميذ التعبير بالعامية بشكل دائم، وهذا يزيد في ضعف التعبير الشفوي لديه.
    وإذ نُعَوِّد الطالب _ كي لا نسبِّبَ له ضررًا بالعلامات _ أن الدرجة المرتفعة للتحليل المكتوب، وللتعبير الكتابي، فإننا نسير به تلقائيًا إلى إهمال التعبير الشفوي لاحقًا، لأنه بات يعتبره غير مهم للنجاح، ما يضعنا إزاء مشكلة لا حل لها، إن منحنا درجة مرتفعة للتعبير الشفوي نَفَرَ منه الطالب، وإن لم نفعل ذلك، استهان به الطالب!
    وقد يختار بعض الأساتذة دروسًا للتعبير الشفوي لا تعني التلميذ لا من قريب ولا من بعيد، فيراها جافة مزعجة، بل وقد يحوِّل بعض الأساتذة حصة التعبير الشفوي إلى حصة لهم وحدهم، بدلًا من تحويلها حصة حوار تفاعلي فيما بينهم وبين الطلاب.
    وبعيدًا عن العوامل النفسية _ ولا ننكر خطورتها _ فقد يمتلك التلميذ موهبة محاولة التعبير الشفوي، ولا يعاني الخجل والارتباك إذ نطلب منه التعبير الشفوي، لكنه لا يجد لديه مفردات ولا جملًا ليربطها ببعضها، لغياب المخزون اللغوي عن ذهنه، وذلك بسبب العامية التي يدمنها، بل وبسبب طريقته في الكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باللغة العامية، أو تلك التي تجمع بين الإنكليزية والعربية، هذا ما لم يتواصل بلغة الإنترنت المستنكرة تمامًا.
    وحتى محاولة زيادة المخزون اللغوي، وتعويد التلميذ أنماطًا في التعبير، تبقى محاولاتٍ خجولةً إذ إننا نقصرها على المجال الكتابي فحسب، فنطلب إلى التلميذ (مطالعة) قصة، وملء الاستمارة التقليدية حول ما قرأه، من المعلومات التوثيقية فحسب، بل وحتى تدوين بعض الأفكار لا يفيد، ما لم يعرض التلميذ عمله، ونحاوره حوله.
    والمشكلة التي لا تكاد تَقِلُّ سوءًا عما سبق، تتمثل بضعف التعبير الشفوي عند زملاء من الأساتذة، فتجد الأستاذ نفسه ينطق كلماتٍ يحرِّكها وأخرى ساكنة، وكلماتٍ بالفصحى وأخرى بالعامية، ثم يطلب إلى تلميذه أن يُعَبِّر باللغة الفصحى التي تعتمد ضبط الكلمات ضبطًا صحيحًا!
    وإذا ما أردنا أن نُعَدِّد أسباب الضعف فربما نجد العشرات من هذه الأسباب، غير أننا لا نهدف إلى زيادة في عدد الصفحات، بل نهدف إلى وضع اليد على الجرح كما يُقَال، في محاولة منا للعلاج بقدر المستطاع، فإن لم يتحقق العلاج بادئ الأمر، فليكن البلسم المهدئ، إلى أن نتمكن من تحقيق العلاج الكامل، خطوة بخطوة، وسنة تلو الأخرى.

    0 !غير مسموح

  5. #65

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,310
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا


    2_ حلول مشكلات ضعف التعبير الشفوي:
    أولى خطوات الحلول، تبدأ معنا في الحلقة الأولى، من الصف الابتدائي الأول، بتحويل مجال التعبير الشفوي مجالًا رئيسًا ضمن علامات التلاميذ، وليس لقائل أن يقول إنهم أطفال، فكيف لنا أن نطلب إليهم التعبير الشفوي؟ هذا لأن التأسيس الصحيح يبدأ منذ الصغر، وحينما يُهمَل هذا التأسيس، يتابع التلميذ بضعف ملحوظ إلى الصفوف اللاحقة، لنجد أنفسنا أمام المشاكل التي نحاول حلها، ولو أن التأسيس قائم على أصوله، لما وصلنا إلى هذه المرحلة، أو لما كانت المشكلة بهذه الحِدَّة!
    ونعلم أن التأسيس ليس كلمة تُقال، بل هو عمل متواصل وسعي دؤوب، ولكن التلميذ يستحق ذلك، فما أخرجه أهله من بيته وألعابه ليأتي إلينا إلا ليتعلم، وعلينا أن نقوم بواجبنا تجاهه على أكمل وجه ممكن.
    ولا بدَّ من تفعيل التعبير الشفوي وتنويعه، وما أجمل أن نُفسِح المجال للتلميذ كي يعبِّر شفويًا عن أية مشكلة عائلية أو موقف رآه في منزله، أو مَرَّ به، أو لعل أحدًا يحبُّه أو يعرفه قد مَرَّ به، ليعبِّر لنا التلميذ عن ذلك الموقف تعبيرًا شفويًا حرًا، بعبارات قليلة، وباللغة العربية الفصحى، فربط لغة المادة بحياة التلميذ واهتماماته، قد يخفف الفارق التناقضي ما بين اللغتين.

    وبما أن التعبير الشفوي له مجالاته المستمرة كل حصة في حصص اللغة العربية تقريبًا، فالواجب يقتضي أن نتخلص من النظرة التقليدية إلى المحادثة التحليلية بعد القراءة الصامتة، والتي تقتضي تقنية غريبة فعلًا، تتلخص بطرح (ثلاث أسئلة)، ولم نطرح ثلاث أسئلة فحسب؟ هذا خطأ فادح، علينا أن نزيد في الأسئلة التحليلية بقدر المستطاع، وتوجيهها إلى أكبر عدد ممكن من الطلاب.

    أما المطالعة فيجب أن تكون حصة تفاعلية، تقتضي تخصيص وقت ولو بسيط للطالب لنسأله حول المعلومات التي قام بتقديمها لنا من القصة التي اختارها، مركزين على أسئلة تفاعلية، أسئلة تنطلق من واقع القصة والشخصيات والأحداث، وما الذي أعجب الطالب فيها وما الذي لم يعجبه، وأي تصرف كان رائعًا بنظره، وأي تصرف لم يجده منطقيًا، ليسوِّغ لنا الطالب سبب اتخاذه هذا الموقف أو ذاك، أما المطالعة التي تهدف إلى نسخ الطالب معلومات التوثيق، فهذه لا تقدِّم ولا تؤخِّر، إلا باكتساب الطالب بعض المفردات الجديدة، وقد يكتفي بالتوثيق ولا يقرأ بتعمق ليكتسب شيئًا!

    غير أن كل هذا لا يكفي، ما لم نستخدم طريقة التشجيع المستمرة للتلميذ المشارك معنا، بعبارات ترفع معنوياته، فالهدف ليس (فقط) اللغة الفصيحة، بل الهدف جزءان أساسيان، جزء رأي التلميذ الذي يجب أن يشعر بأن رأيه مهم لنا، وأن ما يقوله يستحق الاهتمام والتشجيع، وجزء اللغة الفصيحة، ولا يمكن إهمال أي جزء منهما بالتركيز على الجزء الآخر، وإلا فستكون تقنية التعبير الشفوي مضيعة للوقت لا أكثر ولا أقل!

    إذًا، علينا احترام رأي التلميذ الذي يقوله لنا، بل وعلينا أن نتقبل إجابته باللغة العامية لو أجاب بها! على أننا لا نكتفي بذلك طبعًا، ولكن أكبر خطأ نلحظه في عملية التدريس، أن يقاطع الأستاذ التلميذ الذي يُعَبِّر شفويًا كل ما نطق بكلمتين أو ثلاث، ليصحح له، ما لا يُشعِر التلميذ بأن الأستاذ يحترمه ويقدِّر إجابته، وربما يتسبب ذلك بانخفاض معنوياته، وتنفيره من المشاركة، ونحن ننظر إلى الطالب على أنه لا يُجِيد التعبير الشفوي، وربما لا نُدرِك أننا سبب ذلك، بدلًا من كوننا سبب الحل والمساعدة.

    يجب أن يشعر التلميذ؛ أولًا وقبل كل شيء؛ أن رأيه مهم، وأنه محور العملية التعلمية، وأنه يجب أن يتكلم ويُعبّر عما يريد قوله، وأن دورنا الاستماع إليه، وبعد أن ينال التلميذ احترامه الكافي، باستماعنا إليه من دون مقاطعة تعبيره الشفوي، نصحح له رأيه إن كان خاطئًا بأسلوب الحوار بيننا وبينه، وصولًا به استقرائيًا إلى معرفة الإجابة الصحيحة والرأي الأصوب، حتى لو كان يحاورنا باللغة العامية، فنحن علينا أن نتكلم معه باللغة الفصيحة فحسب، وبعد أن يُنهِي التلميذ إجابته الأخيرة، نشجعه لإجادته الإجابة، ثم نعيدها له باللغة الفصيحة، طالبين منه أن يعيدها من بعدنا.

    هذا الأمر يزيد التلميذ ثقة بنفسه، فهو الذي يجب أن يتكلم، ونحن من يجب أن نتولى دور الإرشاد والتصحيح المساعِد، بلطف وهدوء، لا بمقاطعة الطالب حتى نفقده ثقته بنفسه، بل وعلينا أن ننطلق به أبعد من النص المكتوب إلى أسئلة أخرى من وحي النص، لكنها تتناول معالجات جديدة، فهذا النص عن أم تَعِدُ ابنها بلعبة يوم العيد، ولا تملك ثمنها، فتسرقها، إذًا، نريد رأي التلميذ؛ حواريًا؛ عن وعد الأمر بما لا تملك، وعن سرقتها، وكيف ينظر إلى الأمرين ولماذا، وأيًا ما كان رأيه، فإن تسفيهنا إياه، أو السخرية منه، سيجعل التلميذ ينفر من المشاركة في التعبير الشفوي، فعلينا كل الحذر من ذلك، ليس واجبًا على التلميذ أن يوافق آراءنا الشخصية، وتقنية التعبير الشفوي قائمة لِيُعَبِّر التلميذ عن ذاته، لا ليكون مرآة لأذهاننا وما يدور فيها!

    وعلينا تشجيع التلاميذ، فعليًا، لا بالكلمات وحدها، بل بزيادة العلامات من جهة، وبالسعي للحصول على تنويهٍ للمجتهدين من قبل الإدارة، وتشجيعهم بإذكاء روح المنافسة في ما بينهم، ولا بأس بورقة كبيرة في حائط الصف، ندوِّن فيها الإجابات المميزة، ونطلب من التلميذ الذي ندوِّن إجابته أن يضع لنا (توقيعه الشخصي) إلى جانب إجابته!

    أما من لا يشاركون، فالأمر ليس وفق هواهم، يجب علينا أن نشجعهم على المشاركة، وأن نعطيهم دورهم، كتلاميذ فاعلين في الصف، نشيطين ومميزين مثل رفاقهم الذين يندفعون للإجابة، لا فارق بين هؤلاء وأولئك، وإن كان الخجل غالبًا بادئ الأمر من التعبير الشفوي، فعلينا مراعاة وضعهم، وبدلًا من منحهم صفرًا في حصص التعبير الشفوي، فلنطلب إليهم تدوين الإجابة مكتوبة، ثم نقرأها نحن، ونحاول معهم تدريجيًا حتى يعيدوها هم بعد كتابتها، وسنصل بهم إلى مرحلة أن يجيبوا بأنفسهم بدلًا من اللجوء إلى الكتابة قبل ذلك.
    ويجب أن نأخذ بالصبر على التلميذ المرتبك، أو المتلعثم، وعدم السماح لأحد بالسخرية منه، كي لا ينزوي بعيدًا عن المشاركات، فربما يضحك بعض التلاميذ على رفيقهم الذي لا يكاد يجيد قول كلمتين متتاليتين، ودورنا هنا أن نمنع حصول ذلك بحزم، لكن من دون اللجوء إلى العنف اللفظي بحق التلاميذ. على أن للأساتذة دورًا إضافيًا لا يَقِلُّ أهمية، ويتجلى هذا الدور بمعالجة الأستاذ أي ضعف ماثل لديه في التعبير الشفوي، قبل أن ينطلق إلى معالجة ما يَجِدُه عند التلاميذ، وذلك ليضمن الأستاذ أنه يتكلم في الصف ويُعَبِّر باللغة الفصيحة السليمة، نُطقًا وترابطًا، فأنى لنا أن ننتظر من التلميذ التعبير الشفوي الصحيح لغويًا، إذا ما افتقرنا نحن الأساتذة إلى ذلك؟ ويجب أن نخصص علامة للتعبير الشفوي، كي لا يعتبرها الطالب حصة تمضية الوقت فحسب، أو أنها (مجرد أسئلة) يَتِمُّ طرحها تقليديًا بعد القراءة الصامتة!
    فالتعبير الشفوي ينطلق كذلك من قراءة صورة النص، إضافة إلى هذه الأسئلة التحليلية، ولا بد من أن يُدرِك التلميذ أن إجابته لها درجتها من العلامات، ليسعى جاهدًا إلى الاهتمام بها، لكن من دون مبالغة بتقدير العلامة، ولا للتنفير بما يمنح التلميذ علامة منخفضة مهما أجاب وأجاد، ولا لتسخيف الأمور بما يُعطِي التلميذ علامة مرتفعة من دون أن يستحق سوى جزءٍ بسيطٍ منها!

    بل إنه يمكن لنا تحويل حصص التعبير الكتابي إلى تعبير شفوي في بعض مراحلها، فليس لنا أن نكتفي بإعطاء التعبير الكتابي وظيفة منزلية فحسب، والأفضل أن ندوِّن نص التعبير الكتابي المطلوب على اللوح، لنقرأه ونستقرئه مع طلابنا، بحوار حول كل بند فيه، وماذا يُمكِن أن نكتب فيه من الأفكار الرئيسة التي ينبغي توسيعها فيما بعد.

    وأخيرًا، يجب وضع خطة عامة يلتزم بها كل أساتذة المواد الناطقة باللغة العربية، لتكون اللغة الفصيحة أساس الشرح والأسئلة والإجابات، ولتطوير موادهم بإدخال تقنية التعبير الشفوي فيها، لا نعطي الدرس، وأنت اقرأ، وأنت تابع، بل لنسأل الطلاب _ في حصة التاريخ مثلًا _ عن رأيهم بأسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وليعبِّروا شفويًا عن معاهدة فرساي وبنودها، وهل لها دور مباشر أو غير مباشر في اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما إلى ذلك، ما يحوِّل حصص سائر المواد وفق المسار التفاعلي، ويخدم اللغة العربية وملكاتها في أذهان الطلاب.

    يجب أن يبدأ تأسيس التلاميذ على اللغة العربية الفصيحة والتمرس بملكاتها، منذ الصغر، ما يدلنا على أهمية متابعة التلاميذ وإعدادهم في الحلقتين الأولى والثانية، فإن نجحنا في عملية التأسيس، تابع التلاميذ سنوات التعليم، وقد تملَّكوا مادتهم بشكل صحيح.

    قد يخصص بعض الزملاء من أساتذة الحلقة الثالثة حصة للتعبير الشفوي ختام كل محور، وهذا أمر جيد، لكن الأفضل منه أن يرافقنا التعبير الشفوي كل خطوة وكل درس، بالأسئلة الاستقرائية حول صورة الدرس، وبأسئلة التوقعات حول مضمون النص انطلاقًا من العنوان، وبأسئلة التحليل حول القراءة الصامتة، وبأسئلة الحوار حول مواقف الكاتب، ومواقف التلميذ المؤيدة أو المعارضة لما يذهب إليه هذا الكاتب من القول أو الرأي.

    قد يكون التواصل الكتابي أمرًا رئيسًا في مادة اللغة العربية، لكنه ليس الأساس وحده، فلا بدَّ من أن يترافق والتواصل الشفوي، فالتواصل الكتابي يتمرَّس به التلميذ حتى ينال النجاح، أما تنمية قدرة التلميذ على التعبير الشفوي الصحيح، فإنها من أساسيات تعليم اللغة العربية، لا؛ بل إنها من أساسيات بناء شخصية الإنسان في الوقت ذاته، وهذا هدفنا التعليمي والتربوي أولًا وأخيرًا.


    0 !غير مسموح

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status