علاقة الميثولوجيا بالأسطورة في مرآة التراث العربي الجاهلي (د. عمر قزيحه)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,356
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي علاقة الميثولوجيا بالأسطورة في مرآة التراث العربي الجاهلي (د. عمر قزيحه)


    ملحوظة: هذا الموضوع، هدية لأحد الأصدقاء هنا، الأخ العزيز: BLACKOV

    الدكتور: عمر قزيحه
    مجلة الحداثة الثقافية: العددان 193، 194 صيف 2018م
    البحث العلمي المحكَّم:
    علاقة الميثولوجيا بالأسطورة في مرآة التراث العربي الجاهلي.



    الميثولوجيا (Mythology) علم يبحث في العقائد والخرافات المتصلة بأمور عظيمة مقدَّسة عند الناس، كونها تتصل بالآلهة وأنصاف الآلهة، ويرتبط بالثقافات الخاصة للشعوب القديمة، تلك الشعوب التي كانت تعتقد أن معتقداتها صحيحة وخارقة[1]، وبالتالي فإن علم الميثولوجيا يهدف أساسًا لتفسير تلك العقائد والخرافات وما ترمز إليه، وعلاقة ذلك بالطبيعة والإنسان.
    ويرتبط ظهور هذا النوع من الدراسات بالاكتشافات وظاهرة الاستعمار، واقتحام بيئات منعزلة لقبائل كانت تعيش في غابات إفريقيا وآسيا والقارة الأمريكية وأستراليا، حيث شاهد المكتشفون شعوبًا وقبائل تعيش حياة خاصة بها، ولها تقاليدها وعاداتها وعباداتها، فشكل ذلك مادة خصبة لعلماء الاجتماع والأديان، وكان لشيوع نظرية "أصل الأنواع" لداروين[2] دور بارز في دراسة هذه الظواهر والمقارنات بين هذه العقائد والأساطير، من حيث أوجه التشابه والاختلاف والترقي في المفاهيم والتصورات.
    يرى الدكتور جبور عبد النور أن الميثولوجيا "كانت في كل عصر، وما تزال إلى الآن، منبعًا غزيرًا يستقي منه الأدباء والرسامون والمثَّالون، وغلبت قديمًا على الشعر الملحمي وعلى المسرحية المأساوية"
    [3].
    من المفاهيم الميثولوجية عند بعض القبائل، عقيدة دينية يُطلَق عليها لفظة "الطوطمية" totémisme
    [4]، وهي "ديانة مركبة من الأفكار والرموز والطقوس، وتعتمد على العلاقة بين جماعة إنسانية وبموضوع طبيعي يسمى الطوطم Totem، وهذا الطوطم يمكن أن يكون طائرًا، أو حيوانًا، أو نباتًا، أو ظاهرة طبيعية، أو مظهرًا طبيعيًا، مع اعتقاد الجماعة بالارتباط به روحيًا"[5].
    ولم يكن العصر الجاهلي بمنأى من نظريات الطوطمية، فلم تكن ديانة الجاهليين تقتصر على عبادة الأصنام، بل كانت القبائل العربية في العصر الجاهلي الأول قبل البعثة النبوية بقرنين من الزمان، تعيش أعدادًا قليلة في أرض شاسعة تحيط بهم صحارى تمتد عبر مد البصر، محاطة بالجبال العالية، ولعل حياة العربي آنذاك كانت رعبًا مستمرًا عبر صراعات مع أعدائه من البشر، ومع القوى الخفية التي تشمل الجن والغول والسعلاة، لذلك شاعت عبادة الأصنام، إذ اتخذها العرب آلهة لِتَرُدَّ عنهم الشرور وكوارث الطبيعة، وتنصرهم في معاركهم، وتبارك لهم في أرزاقهم.
    وتجلى تعلق الجاهليين بهذه المفاهيم العقائدية في موقفهم من الدعوة الإسلامية، وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم من نبذ عبادة الأصنام والتوجه لعبادة الله وحده، فأقام في مكة يدعو لتوحيد الله ثلاث عشرة سنة، لاقى خلالها هو والمؤمنون معه أنواعًا من العذاب وصنوفًا من الكيد ورفضًا قاطعًا، ويذكر القرآن الكريم ما قاله المشركون من تعجب واستغراب لدعوة التوحيد: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب}
    [6].
    لقد أوضح العديد من الآيات القرآنية أن الوثنية استمرت من عصر إلى عصر، وتطورت من نوع إلى نوع، فكان كل نوع منها في كل فترة يختلف عن سواه، فتتخذ الوثنية مظاهر جديدة نتيجة للتطور الزمني والاجتماعي، وكانت تلك الشعوب تزيد في التعلق بوثنيتها كلما بعدت عن عصر نبي بعثه الله لهداية الناس كي يعبدوا الله وحده ويتركوا ما هم عليه من كفر وشرك.
    ورد في القرآن الكريم أن الله أرسل نوحًا إلى قومه ليدعوهم كي يتركوا عبادة أصنام لهم، وهي خمسة أصنام نصبوها تخليدًا لذكر خمسة من رجال صالحين، فتركوا عبادة الله، وقدسوا تلك الأصنام التي أقاموها، وصاروا يطوفون حولها طالبين منها الرزق والحماية ودفع والشرور:{وقالوا لا تذرنَّ آلهتكم ولا تذرنَّ ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا}
    [7].
    جاء في السيرة النبوية
    [8] حول بداية ظاهرة الوثنية في بلاد العرب ما يأتي: "إن عمرو بن لُحَيٍّ، خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عِمْلِيق بن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فَنَسْتَمْطِرُها فَتُمْطِرَنا، ونَسْتَنْصِرُها فَتَنْصُرَنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هُبَل، فقدم به مكة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه"[9].
    وقيل إن أول ما كانت عليه عبادة الأحجار، قبل الأصنام بشكلها المعهود لدى العرب، كانت في بني إسماعيل
    [10]، إذ كان الناس يحملون حجارة من حجارة الحرم في مكة، تعظيمًا للحرم، وحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة[11].
    ثم رأت كل قبيلة أن تتخذ صنمًا خاصًا بها رمزًا لتجمعها القبلي، فالصنم "هبل كان أعظم أصنام العرب في جوف الكعبة، وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب"
    [12].
    أما إساف ونائلة، فكانا رجلًا وامرأة، مسخهما الله صنمين، فَنُصِبا في الحرم وعبدهما الناس
    [13]، أما بنو ملكان فعبدوا صخرة بفلاة على ساحل مدينة جدة، ونصبوا عليها صنمهم ودعوه "سعدًا"، وذبحوا عليه الذبائح وأهرقوا الدماء، ويروى أن أحد الرعاة ساق جماله ليباركها سعد، ولما رأت الجمال الذبائح والدماء نفرت منه، ولما أعادها صاحبها جاء إلى سعد، فرماه بحجر، وخاطبه قائلًا (من الطويل):
    أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملنا
    فَشَتَّتَتَا سعدُ فلا نحن من سعدِ
    وهل سعدُ إلا صخرةٌ بِتَنُوفَةٍ
    [14]
    مِنَ الأرضِ لا تدعو لِغَيٍّ ولا رَشَدِ
    [15]
    جاء في السيرة النبوية أن الرسول بعد ما فتح مكة وهدم أصنامها، أرسل أصحابه إلى القرى كي يحطموا أصنامها، فهدموا "اللات في الطائف، وحرقوا العزى وغيرها من معبودات العرب"
    [16].
    ويرى أن امرئ القيس أتى صنمًا يقال له "ذو الخَلَصَة" يُسْتَقْسَمُ عنده بالأزلام، فخرج السهم الذي كُتِبَ عليه النهي عن الطلب بثأر أبيه، وعندئذ هجا الشاعر صنمه، وقال:
    لو كنتَ يا ذا المخلص الموتورا
    مِثلي وكان سِنْحُكَ المقبورا
    لم تَنْهَ عن قَتْلِ العُدَاةِ زُوْرَا
    [17]
    إن فكرة الإله المعبود لم تكن واضحة في مخيلة الجاهلي، وربما كان يتخيل صنمه إنسانًا قويًا له قدرة تفوق قدرة الناس، لكنه قد يعجز ويحتاج الطعام والعلاج! فكأن هذه الأصنام تنتقل بين عالم الألوهة وعالم المادة الجامدة، وفق التصور الجاهلي البدائي المضحك.
    إن البحث عن الاعتقاد بالجن ممتع، وبالاعتقاد بهذه القوى الخفية قديم جدًا، "وتكاد الميثولوجيا العالمية لا تخلو من هذا الاعتقاد الذي حافظ على بقائه منذ أن خشي الإنسان خوافي الطبيعة، تلك الأرواح المحتجبة عن الرؤية حتى اليوم، ولكل أمة قديمة جن وشياطين تؤدي دورًا مهمًا في حياتها، وقد لا يقل دورها عن دور الآلهة، وهي تختلف بالأسماء والأفعال وفق تصورات الشعوب وما ورثته من معتقدات ومؤثرات وقصص
    [18]".
    إن تعريف الجن أمر صعب، وهناك تعريفات عديدة، منها ما جاء في "حياة الحيوان الكبرى" للدميري
    [19]، حيث يقول: "الجن أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة"[20].
    إن قصص الجن منتشرة في كل الأساطير والميثولوجيات للشعوب القديمة، "ولم يفرق العرب بين الجني والشيطان وإبليس، إذ يبدو الجني اسمًا لكل الكائنات الخفية باستثناء الملائكة، سواء في تلك الكائنات الطيب والشرير، وأما إبليس فعلم من الشياطين"
    [21].
    ويغلب على العرب التصورات المخيفة لأصل الجن وتفننهم في الكيد لبني الإنسان، "فالجان هو أبو الجن، خلق من نار ثم خلق منه نسله"
    [22]، وانتشر الجن في الأماكن الخربة وفي القفار والوديان البعيدة يعزفون ويغنون، ويتفنون في الكيد لبني الإنسان[23]!
    يُروى أن حرب بن أمية بن عبد شمس، وهو والد أبي سفيان، وجد الخليفة معاوية قتل في الفلاة حيّة كانت من فصيلة الجن متشكلة بشكل ثعبان "فعدت الجن على حرب بن أمية فقتلته بتلك الحية، فقبره أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار، ففي ذلك يقول الجان (من الرجز):
    وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفْرٍ
    وليسَ قُرْبَ قبرِ حربٍ قبرُ
    [24]
    يضيف الجاحظ قائلًا: "إن أحدًا لا يستطيع أن يُنْشِد هذا البيت ثلاث مرات متصلة، ولا يَتَتَعْتَع فيها، وقد يستطيع أن ينشد أثقل شعر في الأرض وأشقَّه عشر مرات ولا يُتَعْتِع"
    [25].
    وخوفهم شرورَ الجن جعلهم يلجأون إلى أساليب لإبعاد ضررها عنهم وعن أقوامهم، من ذلك: "أن الرجل إذا بنى دارًا ثم فرغ من بنائها وذبح ذبيحة، فإن فعل ذلك لا يضر أهلَها الجنُّ، ويسمون هذا العمل ذبح الجن"
    [26].
    ذكر شعراء الجاهلية وقُصَّاصهم الغول والسعلاة فقالوا إن الغول هي السعلاة، إلا أن الغالب لديهم أن "السعلاة هي ساحرة الجن"، تقف في القفار، وهي أخبث من الغول، وقد تشعل النيران لِتُضِلَّ المسافرين وتهلكهم
    [27]!
    ومن غرائب اعتقاداتهم أن السعلاة قد تتزوج رجلًا من عالم الإنسان، فيتحول ذلك الزوج إلى إنسان شرير، وفي ذلك قال علياء بن أرقم
    [28] (من الرجز):
    يا قاتَلَ الله بَنِي السَّعْلاةِ
    عمرو بن يربوع شرار الناتِ
    [29]
    وإذا كَثُرَ خبث المرأة وساء لسانها، كانوا يقولون "اسْتَسْعَلَتِ المرأة وصارت كالسعلاة خبثًا وسلاطة، يقال ذلك للمرأة الصخابة البذِيَّة، وإذا كانت المرأة قبيحة الوجه سيئة الخلق شُبِهَت بالسعلاة"
    [30].
    أما الغول فمن صفاتها: "التلون والتنكر في صور شتى، تغول الناس، أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم"
    [31].
    جاء في كتاب "مروج الذهب": "أن العرب كانت قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتحيُّل واختلال السابلة"
    [32].
    ويروى أن الشاعر ثابت بن فؤاد
    [33] قد احتمل غولًا ظهر له في صورة كبش ثقيل، ولما رمى به أمام الناس ظهر له الغول، فقال له قومه: ما تأبطْتَ يا ثابت؟ قال: الغول، قالوا: لقد تأبَّطْتَ شرًا، فَسُمِّي بذلك[34].
    وكان هذا الشاعر يُكْثِر من ذكر الغول في شعره، ولعل السبب في كثرة نزوله في الفلوات، ومجاورته حيوانات الصحراء وأشباهها، فمن ذلك قوله (المتقارب):
    فأصْبَحَتِ الغولُ لي جارةً
    فيا جارتا لكِ ما أهْولا
    فمنْ يسأل عن جارتي
    فإن لها باللوى منزلا
    [35]

    ويذكر الشاعر في إحدى قصائده، أن معركة ضارية جرت بين الغول وبينه، حتى صرعها بضربة واحدة، ولما طلبت منه الغول أن يضربها ثانية، رفض، لاعتقاده أنها تموت من الضربة الأولى، لكنها تعود فتحيا من الضربة الثانية
    [36].
    أما الطوطمية فقد اختلف العلماء في بدئها، ولهم فيها مذاهب شتى، وليس بمستبعد أن يكون هذا المذهب ظهر مع العصور الأولى لبدء الخليقة، إذ كان لا بد للإنسان القديم من البحث عن مقدس يعتقد به ويحتمي من الأخطار، فتعلقت أمم بتقديس أشجار وحيوانات، وأقاموا سحرة يلجأون إليهم ويسألونهم دفع الشرور عنهم، ونتيجة لذلك ظهرت وثنية ترتبط بتقديس أنواع من الحيوان كالغزلان والأسود وطيور معينة وحيوانات مختلفة.
    جاء في السيرة النبوية أن عبد المطلب أراد حفر بئر عند الكعبة، وهو بئر زمزم، "فلم يحفر إلا يسيرًا حتى وجد غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافًا وأدراعًا"
    [37].
    هل يمكن القول إن قبيلة جرهم كانت تقدس حيوان الغزال فجعلت منه رمزًا ذهبيًا تعبده؟ ويقودنا هذا إلى القول بتشابه بين عقائد الشعوب القديمة، فَبَنُو إسرائيل عبدوا العجل الذهبي، وهناك شعوب إفريقية تعبد الفيل وأخرى هندية تقدِّس البقر.
    إن الأمم القديمة البدائية تتشابه في طرق حياتها ومعاناتها، فلا عجب أن تتشابه عقائدها وتصوراتها وأساليب عباداتها وعاداتها.
    يصف الشاعر أمية بن أبي الصلْت ما كان يفعله الجاهليون كي يعالجوا ما يعانونه من الجفاف وانحباس المطر عنهم، فهم يجمعون الحطب من جبل سلع وشجر العشر، وهو كثير الأشواك، ثم يجعلونه على ظهور البقر، ويربطون النبات الجاف بأذنابها ثم يسوقون البقر إلى سفوح الجبال في يوم غائم، ويشعلون النار في أذنابها، فتنطلق مسرعة، وكأن سنا النار والدخان والسحب القائمة برق يبشر بسقوط الغيث، وفي ذلك يقول الشاعر (من الخفيف):

    سَنَةٌ أَزْمَةٌ تَخَيَّلُ للنَّا
    سِ ترى للعضاةِ فيها صريرا
    [38]
    لا على كوكبٍ يَنُوءُ ولا
    ريح جنوبٍ ولا ترى طَخْرُورا
    [39]
    عاقِدِينَ النيرانَ في هلب الأذْ
    نابِ لكي تهيجَ البُحُورَا
    سَلَعٌ ما مثل عُشِّرَ ما
    عائلٌ وما عالتِ البيقورا
    [40]
    ويقول هذا الشاعر منتقدًا ما يقوم به هؤلاء من استسقائهم المطر (من البسيط):
    أجاعلٌ أنت بَيْقُورًا مضرَّمَةً
    ذريعةً لك بين الله والمطرِ
    [41]
    وتلجأ بعض القبائل الإفريقية القديمة إلى أساليب غريبة في طلب الماء، حين كانت تعاني الجفاف وتريد هطول المطر، فيأتي الساحر "ويصبّ الماء على الأرض، والأفضل أن يَصُبَّه من أعلى الشجرة"
    [42].
    وكانت إحدى القبائل البدائية أن يجتمع الناس ويطلبوا من الكاهن "أن يذهب إلى الحقول ويفتح مظلته"
    [43].
    جاء في كتاب "المستطرف" أن "بني حنيفة قد اتخذوا صنمًا من حيس
    [44]، فعبدوه دهرًا ثم أدركتهم مجاعة فأكلوه"[45]!
    وفي المكسيك "كان الناس يصنعون تمثالًا لله من الغلال والحبوب والخضر يُعْجَن بدماء صبيان الحي، يُضَحَّى بهم لهذه الغاية، ثم يأكلونه على أنه بديل ديني لأكل الله نفسه! وأشباه هذه الاحتفالات الدينية وجدناها بكثرة في القبائل البدائية، وكانت العادة أن يطلب إلى الناس أن يصوموا عن الطعام فترة قبل أكل التمثال المقدس"
    [46].
    ويرى بعض الدارسين أن عبادة الحيوان المقدسTotemism كانت معروفة في أوساط قبائل جاهلية، وقد يتحول هذا الحيوان غذاءً لأفراد القبيلة "في حالات دينية استثنائية نادرة، حيث تنتعش القبيلة وتتجدد باشتراكها في الإله في قسمة الحيوان، فهم كانوا يتبادلون العتيرة
    [47]، بينما يكتفي الرب بالروح والدم الذي يُراق على رأس النُّصُب أو الصَّنَم"[48].
    إن ما فعلته تلك القبائل مع معبوداتها ومقدساتها يقودنا إلى التساؤل عن الرمز الديني لهذا الفعل، وهل هو مجرد تناول للطعام؟ أم أنه يرمز إلى معنى روحي يتجسد بعملية الأكل؟
    هل نستطيع القول إن تناول هذا الطعام هو فعل تعبيري بلغ ذورته بحلول المعبود في جسم العابد، وبالتالي فإن هذا الآكل هو رمز لعملية حلولية يتجسد فيها الإله داخل جسم الإنسان؟!
    والجدير بالقول إن هذه الشعوب البدائية تتشابه طقوسها التعبدية، فكأن هناك قاسمًا مشتركًا في أديانهم ورموز طقوسهم، وبالتالي نستطيع القول إن لكل شعب قديم ميثولوجيا خاصة به، وميثولوجيا عامة لتلك الشعوب تتجلى في تشابه طرق العبادات والتصورات لمعبوداتهم ومقدساتهم.
    ولكن، هل نستطيع القول إن لكل شعب (قديم) ميثولوجيا خاصة به فحسب، من دون الشعوب الحديثة؟ وهل تمكنت (الحضارة) من إنهاء هذه الميثولوجيا الخيالية التي كانت لدى الشعوب القديمة التي تفتقر إلى التعليم، وإلى أدنى مقومات التحضر؟
    ينفي البحث في معتقدات بعض الشعوب الحالية هذا الاحتمال نفيًا قاطعًا، فإلى الآن، لا تزال مناطق الريف المصرية تعتقد بوجود "الندَّاهة"، وهي غول أنثى، تتمثل بصورة شابة حسناء، تسير في حقول المزارعين ليلًا، ترفع صوتها منادية الشباب الذكور تحديدًا، ونداؤها باسم شاب ما ينفي إرادته نهائيًا، ويجد نفسه مندفعًا لتلبية ندائها، فتأخذه في أحضانها وتتحول مسترجعة شكلها الحقيقي كغول مرعبة، وتفترس الشاب، ولا تترك منه أي أثر!
    وبهذه "الندَّاهة" وشرورها يتغنى القرويون محذرين أولادهم منها:
    فين الولد يا مَّه؟ قالت نسي أهلهْ
    فات البلد لما الغولة نادت لهْ
    فين الولد يا ولاد؟ قالوا الولد مسحورْ
    سافر وراها بلاد وآدى السنين بتدورْ
    كما أنهم يؤمنون بوجود "المزيبرة"، وهي جنية تسكن المياه، تسبح في الليل باحثة عن أي شاب يصطاد في ذلك الوقت، أو حتى يمر بقاربه قريبًا منها، فتناديه وتغني له، ولو لحق بها تجذبه تحت الماء ليغرق، وفي الصباح تظهر جثته، أما لو نجح بقتلها، فلسوف يجد معها طاقية الإخفاء!
    وهذه الميثولوجيا الغريبة لا تتوقف عند دول العالم الثالث في هذا العصر، بل إنها ممتدة إلى أوروبا نفسها، وقريبًا من "المزيبرة" المصرية، لدينا "لورلاي" الألمانية، وهي جنية تخرج من الماء، وتجلس على صخرة مرتفعة، وتفرش شعرها كشباك لتصطاد به الرجال ثم تفترسهم!
    وفي إنكلترا لدينا أسطورة "ماري الدموية"(Bloody Mary) وهي شبح أو مشعوذ، يظهر في المرآة عند ذكر اسمها ثلاث مرات، على أن تكون الغرفة مظلمة، والأفضل أن يتم ترديد اسمها أكثر من ثلاث مرات، وأن يكون ذلك منتصف الليل، والأفضل، كذلك، أن يستفزها من يستدعيها بقوله: "ماري، أنا قتلت رضيعكِ"، وظهور ماري يرتبط عادة بكشف أسرار المستدعي المستقبلية، خاصة منها ما يتعلق بأمور الزواج، والفتاة التي تريد معرفة مستقبلها بهذا الصدد، تمشي إلى الوراء على الدرج، حاملة شمعة ومرآة، في منزل مظلم، وإما أن ترى زوج المستقبل، أو ترى قابض الأرواح، وفي الحالة الأخيرة تدرك الفتاة أنها ستموت قبل أن تتزوج
    [49]!
    إذًا، الميثولوجيا لا تتوقف عند العصور القديمة وحدها، ولا عند دول العالم الثالث في عصرنا الحالي، بل هي ممتدة في كل الحضارات والدول، لكن، لنا أن نتساءل، ترى هل للميثولوجيا أثر واقعي صحيح؟
    ماذا إذًا عن الخبر الذي أوردته الصحف والقنوات التلفزيونية في مصر منذ أعوام قليلة، معلنة امتداد هذه الاعتقادات إلى الواقع العملي! لقد تم العثور على عروس البحر حقًا!
    "للمرة الأولى تعثر محميات البحر الأحمر على حيوان عروس البحر النادر على شاطئ أحد الفنادق السياحية بمدينة سفاجا، في حالة إعياء شديد، وتوفيت عقب وصولها إلى الشاطئ، وبحسب صحيفة الوفد التي نشرت تفاصيل هذا الحدث، تقول كان مدير محميات البحر الأحمر ياسر سعيد تلقى بلاغًا من أحد مراكب الغطس بشاطئ إحدى المنشآت السياحية بمدينة سفاجا جنوب البحر الأحمر، يفيد بظهور حيوان عروس البحر على الشاطئ"
    [50]!
    ولم يتم تكذيب البلاغ، بل أوردت مواقع الأخبار بأنه قد تبيَّن فعلًا وجود هذه العروس البحرية في حالة إعياء شديد، وكان طولها ثلاثة أمتار، وهي أنثى كاملة البلوغ، وقد وجدوها في حالة إعياء شديد، لكن لم يتمكنوا من إنقاذها، بل ويرجحون أن سبب خروجها كان عدم استقرار حالتها الصحية، وأنها كانت تبحث عن متنفس للهواء الخارجي!
    لقد كانت الشعوب القديمة تعبد الأصنام والأوثان، وقد نقل إلينا القرآن الكريم حوارات بين الأنبياء وقومهم بهذا الصدد، والشعب الجاهلي أقر واعترف بوجود الله، وأن عبادة الأصنام هي وسيلة تقرب إلى الله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياءَ ما نعبدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زلفى}
    ولكن، يطرح السؤال المحير نفسه: هل كان الدين الإسلامي، بل هل كانت كل الأديان السماوية، تدعو الناس إلى عبادة الله فحسب، أم أنها أتت تحمل، في طياتها الخفية، حربًا ضد الميثولوجيا بكل أنواعها وأشكالها؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا لا نجد التعارض الواضح الصريح، ما بين دعوة هذه الأديان، وما يعتنقه الناس، قديمًا وحديثًا، من الأساطير والخرافات الميثولوجية، بما يصل لديهم إلى حد الحقيقة الكاملة التي لا يمكن معارضتها أو مخالفتها؟
    ***

    الهوامش:
    [1] جبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، ط 2، 1984م، ص 274.

    [2] تشارلس داروين: أصل الأنواع نشأة الأنواع الحية عن طريق الانتقاء الطبيعي، أو الاحتفاظ بالأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة، ترجمة مجدي محمود المليجي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، الجزيرة، القاهرة، مصر، ط1، عام 2004م. والكتاب صدر أول مرة في إنكلترا، عام 1859م، وعنوانه بالإنكليزية:
    On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life

    [3] المعجم الأدبي، ص 275.
    [4] راجع: Petit Larausse مادة: totémisme ص 1016.
    Petit Larausse, Librairie Larausse, p1983

    [5]https://ar.wikipedia.org/wiki/طوطمية.
    [6] الآية الخامسة، من سورة ص.
    [7] الآية الثالثة والعشرون، من سورة نوح.
    [8] ابن هشام: السيرة النبوية، دار الإيمان، طرابلس، لبنان، 2000م.
    [9] السيرة النبوية: 1/111، 112.
    [10] السيرة النبوية: 1/111.
    [11] الأبشيهي: المستطرف في كل فن مستظرف، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان: 2/88.
    [12] السيرة النبوية: 1/117،118
    [13] السيرة النبوية: 1/118.
    [14] التنوفة: هي الفلاة لا ماء فيها ولا أَنيس. والجمع: تنائف.
    الزيات وآخرون: المعجم الوسيط، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، لا.ت. مادة: تَنَفَ.

    [15] السيرة النبوية: 1/116، بتصرف.
    [16] السيرة النبوية: 2/60، وما بعدها.
    [17] السيرة النبوية: 1/121.
    [18] محمود سليم الحوت: في طريق الميثولوجيا عند العرب بحث مسهب في المعتقدات والأساطير العربية قبل الإسلام، دار النهار للنشر، الطبعة الأولى، 1955م، ص 208.
    [19] الدميري: حياة الحيوان الكبرى، دار إحياء التراث العربي، لا.ت.
    [20] حياة الحيوان الكبرى: 1/185. وللمزيد من التفاصيل الموسعة: 185 – 198.
    [21] مصطفى الجوزو: من الأساطير العربية والخرافات، دار الطليعة، بيروت، 1977م، ص 21.
    [22] ابن منظور: لسان العرب، دار صادر ودار بيروت، 1988م، مادة: جَنَنَ.
    [23] في طريق الميثولوجيا عند العرب، ص 211.
    [24] الجاحظ: الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، 1996م، 6/206، 207. والجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق هارون، دار الجيل، بيروت، 1988م، 1/65، وابن كثير: البداية والنهاية، دار الفكر، بيروت، لا.ت، 2/227.
    [25] الحيوان: 6/207.
    [26] ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، 1979م، 1/828، ولسان العرب: مادة جَنَنَ.
    [27] المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار الأندلس، بيروت، 1983م، 2/137.
    [28] علياء بن أرقم: شاعر أدرك الجاهلية والإسلام، شهد الفتوح وسكن الكوفة وقُتِل في وقعة الجمل عام 36هـ/656م.
    خير الدين الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، لا.ت، 4/247.

    [29] المقصود: الناس. وقد قالها الشاعر بالتاء للضرورة الشعرية، فكلمة (النات) لا وجود لها في اللغة العربية.
    [30] لسان العرب: مادة سَعَلَ.
    [31] لسان العرب: مادة غَوَلَ.
    [32] مروج الذهب: 2/137.
    [33] ويقال له ثابت بن جابر، نسبة إلى جده الرابع، وهو شاعر عَدَّاء، من فُتَّاك العرب في الجاهلية، كان ينظر إلى الظبي فيجري خلفه فلا يفوته. الأصبهاني: الأغاني، مصور عن طبعة بولاق، دار صعب، بيروت، لا.ت، 18/209 – 218.
    [34] أحمد بن يحيى البلاذري: أنساب الأشراف، تحقيق محمد حميد الله، مصر، دار المعارف، 1959م، 4/280.
    [35] الأصبهاني: الأغاني، 18/210.
    [36] المرجع ذاته.
    [37] السيرة النبوية: 1/183.
    [38] العِضاة: هي كل شجر عظيم له شوك. المعجم الوسيط، والمقصود هنا أنها نوع من الزواحف.
    [39] الطخرور: هو السحاب. لسان العرب، مادة طَخَرَ.
    [40] البيقور هو البقر: لسان العرب، مادة بَقَرَ. ولفظة (ما) زائدة في البيت.
    [41] البيهقي: المحاسن والمساوئ، دار صعب، بيروت، لا.ت، ص 412.
    [42] ول. ديورانت: قصة الحضارة، تعريب زكي نجيب محمود، دار الثقافة في جامعة الدول العربية، لا.ت، 1/111.
    [43] المرجع ذاته.
    [44] الحيس: هو مزيج من تمر وزبدة وطحين. لسان العرب: مادة حَيَسَ.
    [45] المستطرف في كل فن مستظرف: 2/88.
    [46] قصة الحضارة: 1/114.
    [47] العتيرة: هي أول ما ينتج من الشياه، كانوا يذبحونه في شهر رجب لآلهتهم، ويقال: عتائر عُتِّرَتْ. لسان العرب: مادة عَتَرَ.
    [48] تاريخ الميثولوجيا عند العرب، ص 108.
    [49] للتوسع بالقراءة عن ماري الدموية:
    https://ar.wikipedia.org/wiki/ماري_الدموية_(أسطورة)

    [50] وقد أورد برنامج (صباح الخير يا عرب) على قناة الـmbc الخبر كاملًا، وذلك بتاريخ 8 نوفمبر، عام 2013:
    http://www.mbc.net/ar/programs/sabah-al-khair/variety-sabah/articles/حورية-البحر-تظهر-لأول-مرة-على-شواطئ-مصر---شاهد-الصورة.html


    1 !غير مسموح

  2. الأعضاء الذين يشكرون أ. عمر على هذا الموضوع:


المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status