ذات شِتاء

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 17 من 17

الموضوع: ذات شِتاء

  1. #1
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي ذات شِتاء






    دوّنت الكاتبة سطور هذه الحكاية لحاجةٍ في نفسها، وأي تشابه بينها وبين الواقع ليس من قبيل الصدفة على الإطلاق.

    1 !غير مسموح

    أنَا الغَريقُ فَما خَوفي منَ البللِ
    https://arakwords.wordpress.com/



  2. 7 أعضاء شكروا S N O W على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -1-
    ثلج، وشِتاء، ومَطر



    اسمي ثلج (SNOW).
    بيد أني لا أحثّكم على أن تُنادونني به كما فعل صاحب موبي دِك عندما استهلّ روايته بـ«نادوني إسماعيل/Call me Ismael»
    فلا أنا إسماعيل ولا نحن في سفينة ولا هذه بملحمة،
    ولستُ أخالك تجهلون أنّ هذا الاسم ليس إلا اسماً مُستعاراً أرتأيتُ في لحظةٍ لا أذكرها أن اعتمده مُعرفاً لي.
    ولا يظننّ القارئُ الكريم أن اصطفائي هذا الاسم دون غيره علّته اعجابٌ برواية (ثلج) لأورهان باموق، فهذا الظن مُجانب للصواب؛ لأني لا أعرف عنها شيئاً عدا العنوان المذكور آنفاً.
    إذن -قد يتسائلُ القارئ- لمَ ثلج بالذات؟ لم ليس هواء أو سماء أو مطر؟
    هذا لعمري في علم الغيب!
    لقد عنّ لي أن آتي على ذكر الاسم في مطلع حكايتي إذ بينهُما رِباط وثيق، فقد احتل الشتاءُ -موسم الثلج- فصول الحكاية.
    نعم، كان الفصل شتاءً بارداً مُمطراً، كما طفِقنا نُرددها في دروس الجغرافيا؛ الجغرافيا التي افتتحنا بها عاماً دراسيّاً نُقش في ذاكرتي إلى الأبد.

    1 !غير مسموح

  4. #3
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -2-
    لقاءُ النّظرات


    كان درس الجغرافيا من أحبّ الدروس إلى قلبي، فهو درس مُمتع خفيفٌ سلس، لا تتعب العين من التحديق في صفحاته، ولا يتوه العقل في مداراته، ولا يملّ القلب من استذكار كلماته.
    ولما كانت السنة اُبتُدِئت بهذا الدرس، فقد تفائلتُ واستبشرتُ به خيراً.
    أنهينا الدرس عند تمام الثامنة، وبعد درسين آخرين تَلَيا درس الجغرافيا كان لزاماً علينا -كما أنبأتنا احدى المُعلمات- أن نُشرف بِحضورنا حفل بداية السنةِ الدراسيّة، فكان أن سمعنا وأطعنا.
    لكني قُبيل الحضور آثرت أن أزور مكتبة المدرسة لأستعير منها كتاباً أشغل به نفسي مدة الحفل المحشوّ كالعادة بالحديث المُنمق الممل المُعاد، فحثثت الخطى مسرعةً إليها.
    وسأقف هنا هُنيهة لأطلعك -أيها القارئ الكريم- على مزايا مكتبنا العزيزة؛ مكتبة مُقفرة يملأ الغبار رفوفها، لا يطأ عتبتها عداي إلا زمرة قليلة من الطالبات الصغيرات -بِتشجيع من مُعلمتهن- لقراءةِ قصص الأطفال ومجلات الرسوم المُلونة، وهذه ليست المزيّة الوحيدة؛ فأكثر ما يدفعني لزيارتها مراراً وتكراراً هي جنباتُها التي تضمّ كتباً نفسية لا أحسب أحداً يُدرك قيمتها، ولا أدل على ذلك إلا الكتاب الذي أخرجته معي من هذا الكهف المُظلم؛ رسالة الغُفران للمعري.
    حين انتظمنا جلوساً على الكراسي المصفوفة تِلقاء مُديرة المدرسة، شرعت هي في خطابها بصوتٍ رنان ونبرةٍ واثقة، إلا أن أمراً غريباً وقع لي، فها هناك معلمةٌ لم أرها قبلاً مُنزوية بِجوار الجدار ترمقني من طرف خفيّ بنظراتٍ لم أدرك كُنهها، فرددتُ إليها النظرات لعلي أكشفها بها فارتدت خائبة.
    لم أكن لألقي بالاً لهذه النظرات لولاً أنها تكررت لعدة أيام حتى داخلني الشك والحذر والتمستُ الأسباب والعلل، فغرقتُ في بحر خيالاتي؛ ما لها تخصّني بنظراتها هكذا؟ أتراني لم أصلح شعري أم لم أغسل وجهي أم لم أهندم ملابسي؟ هل تعارفنا من قبل؟ أعزمِتْ على أن تنصب من الآن شباك عداوتها لأقع فيها؟ اللهم سلّم! لقد وقر في قلبي أننا لن نكون على وِفاقٍ البتّة، فنفرتُ منها، وعقدت الأماني على ألا تنال حظاً من حصصنا، وتعللتُ بأن الأَروَاح جنود مجنّدة فما تعارفَ منها ائتلف وما تناكر منها اختلف!

    2 !غير مسموح

  5. #4
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -3-
    حين أضعتُ زِمام اللّغة


    يقول المُناضل مالكوم إكس في مذكراته: «كنتُ أكره الرياضيات، وقد تسائلتُ فيما بعد عن سببِ ذلك، ووجدت أن الرياضيات تُغلق باب المناقشة، الخطأ فيها خطأ وانتهى».
    وهكذا كنتُ أجد نفسي مع الرياضيات.
    لاشد ما كنت أمقتُها، ومع أننا -أنا والرياضيات- بلغنا شأواً بعيداً في عدائنا السافِر إلا أنه كان عداءً لا يُساوي -مثقال ذرة- عدائي مع اللغة الانجليزية البغيضة، التي عِفتُها وعافتني وكانت تقف عقبةً كؤود في طريق نجاحي وتفوقي، فما كان مني بعد أن تأزمت الأمور وثقلت وطأة الفشل عليّ إلا أن شكوتُ إلى أمي الرؤوم، فإذ بِها تُلقي باللوم علي لأني لا أدرس كما ينبغي، فما أغنت عني شكواي وكنتُ كالمُستجير بالرمضاء من النار!
    وحيث أني كنتُ أثناء اختبارات اللغة أكتب إجابات عشوائية يُصيب أقلها ويُخطئ جلها، بتُّ الآن أدع سطورها خاوية، ولسانُ حالي يقول: بيدي لا بيدِ عمرو.
    على أن أستاذة اللغة الانجليزية نصحتني غير مرة أن ألتحق بدروسٍ (خصوصية) لتقوية لغتي، غير أن نفسي الأبيّة أبت واعترضت فصرفتُ النظر عنها، حتى انبرت صديقة لي صبيحة ذلك اليوم تُبشرني بِتعيين خدمة خاصة بالمدرسة لـ«صعوبات التعلّم»، ما يعني أن أي طالبة تتعثر في إحدى المواد، تُحال إلى مكتب صعوبات التعلم لتُباشر الأستاذة المُشرفةُ عليه بِتقديم يد العون لها. ولمّا آنَ درس اللغة الانجليزية مضيتُ إلى ذلك المكتب بإيعاز من المعلمة سالفةِ الذكر.
    وإذا أراد الله أمراً هيأ له أسبابه.

    1 !غير مسموح

  6. #5
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء




    -4-
    سقط القِناع عن القِناع(1)*


    «أنتِ هُنا!»
    هكذا وجدتُّني لا إراديّاً أقولها لحظةَ دلفتُ إلى مكتب صعوبات التعلم وأبصرتُ وجه المعلمة صاحبة النظرات الغريبة يلوح لي خلف الطاولة التي احتلت قلب الغُرفة.
    بالطبع لم أتلفظ بلساني تلك الكلمات، إنّما نطقتُ بها في سريرتي وبان أثرها من استغراب ودهشة على ملامحي. قلتُ لنفسي: ماذا تفعل هنا؟ أتكون هي صاحبةُ المكتب؟
    انتزعني صوتها من أفكاري، وابتدرتني سائلةً:
    ما خطبك؟ ماذا رأيتِ فنال منكِ الجزع؟
    رددتُ: لا شيء يا أستاذة.
    قالت وهي تُشير إلي بالجلوس على الكرسي: أصدقيني القول.
    جلست وأعدت مقالتي: لا شيء يا أستاذة.
    فلم تزل بي حتى خضعتُ لها وأجبتُ قائلة:
    - كل المسألة أني دُهشت لتواجدكِ هنا، على الأخصّ بعدما جرى بيننا.
    - حقاً؟ وما جرى؟
    - نظراتك التي ما فتئتِ ترمقيني بها أخافتني وجعلتني في حيرة. والحق أني قرأتُ منها ما قرأت عدم الإعجاب والنفور، فعزمتُ على أن أرد بمثلهما ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا!
    - أنت تقرأين ما ليس في الصدور! كيف أوحت لكِ النظرات بكل هذا؟ لقد ذهب ظنّك مذهباً لم أحسب له حساباً. ولا يحضرني إلا قول آن شيرلي: «يتراءى لي أن أكثر مشكلاتنا في الحياة سبهها سوء الفهم». تلك النظرات المسكينة أصابها من التضخيم والتفخيم ما لا تستحق، كل ما هُنالك أني رأيتُ بيدكِ آنئذ كاتب المَعري فشدني هذا المنظر النادر، ففي هذه المدرسة -وأنتِ بذلك أدرى- من يقرأ كتاباً لا علاقة له بالدراسة فكأنه أتى بأعجوبة من أعاجيب الدهر أو نفيسة من نفائس الهند والسند!
    ذهلتُ من ردها، لكن الحقَّ كل الحقِّ معها، فاعتذرت قائلةً:
    آسفة يا أستاذة، نسجتُ من نظراتك قصةً مُكتملة الأركان!
    - حصل خير، والآن خبّريني، فيمَ مجيئك؟
    - عدوتي اللغة الإنجليزية العنيدة، جهدتُ أيما جهدٍ من أجل النجاح فيها، فذهبت جهودي أدراج الرياح، فأمرتني معلمة اللغة أن أذهب إليك.
    - بسيطة يا عزيزتي! الأمر فيه هيّن والخطب يسير، لا تقلقي، سأبذل وسعي وطاقتي لمعاونتك.
    - لا تُهلكي نفسكِ يا أستاذة، الله يشهد أني حاولتُ كثيراً بِلا طائل، فلا فائدة تُرجى فقد اتسع الخرقُ على الراتق!
    - لعلك لا تثقين بالراتق تمام الثقة.
    - بكِ؟
    - بل بنفسكِ!
    - كيف؟
    - ما استشفيتُه منك أنك تُحبطين نفسكِ وتُغّلقين دونها أبواب الجدّ والإجتهاد، لا ريب أنك قبل بدء العام الدراسي لا تبرحين تُحدثين نفسك أنك لن تنجحي فيها وتُقيمين العداوات معها، ولا عجب، فالإنسان عدوّ ما جهل.
    - كأنكِ مني بمرأى ومسمع!
    - بل رأيتُ رؤيا العين، فقد ذقتُ هذا المرّ قبلكِ.
    - أوَقد فعلتي؟
    - في مثل سنكِ تقريباً، والآن أعرفها كباطن يدي والحمدلله.
    - لا شكّ أنك درستيها في الجامعة أيضاً!
    - لم أفعل. على أية حال، لدي الدواء الشافي والعلاجُ الوافي، خُذي هذا.
    عندئذ فتحت أحد أدراج الطاولة وناولتني كتاباً، فتهجيتُ عنوانه بِمشقّة:
    - ?Alice In Wonderland**


    ــــــــــــــــــ
    *مقطع من قصيدة محمود درويش «مديح الظل العالي».
    ** ألِس في بلاد العجائب.


    1 !غير مسموح

  7. #6
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -5-
    سقط القِناع عن القِناع (2)



    .....
    عندئذ فتحت أحد أدراج الطاولة وناولتني كتاباً، فتهجيتُ عنوانه بِمشقّة:
    - Alice In Wonderland؟
    - رواية مُمتعة، أول خطوة لتعلم أي لغة جديدة هي المُمارسة، وبِما أنكِ قارئة، فإن أفضل وسيلة تتلاءمُ معكِ هي القراءة. اقرأيها بتمعنٍ وتركيز، لكن ضعي نصب عينيك أن الطريق ليس مفروشاً بِالورود، ولا ينال العُلى من لم يركب الخطر.

    بعدها تجالسنا ساعة وتجاذبنا أطراف الأحاديث، ولم نقف في ثرثرتنا عند حدود المدرسة وما يتعلقُ بها، بل تجاوزناها وأمعنّا في تجاوزها من أخبار الأدب والفِكر والسياسة.
    فلمّا أزفَ الوقت وتأهبتُ للمغادرة جعلتُ أقول:
    - لقد زاد عجبي وحيرتي منكِ يا أستاذة!
    - وكيف ذاك؟
    - تبيّن لي أن هذا المكتب لا يرقى لقدراتك، فمنصبُ معلمة لغة انجليزية أو لغة عربية أو حتى مُرشدة طلابيّة كلها خليقة بكِ! أين هذه المناصب عنكِ؟
    - ذهب بها أهل الدثور!
    هممتُ أن أرد عليها، لكنها أردفت وهي ترمق ساعة الحائط: هيا، لقد طال بنا الزمن، لا شك أن لديك درس الآن، أرآكِ مرة أخرى.
    شكرتُها على وقتها معي، ثم تصافحنا وشيّعتني عند الباب ولم تنسَ أن تُشدد علي بالمذاكرة والاجتهاد بينما كنتُ أضع كتاب «ألِس» في حقيبتي.

    لقد وقع حديثها في فؤادي موقعاً حسناً، خاطبتني مُخاطبة الأصدقاء كأنّا تعارفنا مُنذ زمن، وعندما طفقتُ أحدثها عن مكانها الجدير بِها ظلّت تُصغي إلي بكل جوارحها ولم تغلظ لي القول رغم أني رأيتُ انقباضاً في ملامحها، كأن كلامي جرحَهَا.
    لقد بدأ قناعها الذي ألبستُها إيّاه يتهاوى، بيد أني يُخامرني شعور أن هناك قناع آخر أخذ ينمو تحته، قناع الغُموض، الأسئلة التي تهربت من إجابتها، الأمور التي صدتني بلطفٍ عن الخوض فيها، ملامحها المُنقبضة إزاء عجبي من وظيفتها، انزعاجها الخفي لمّا سألتها عن تخصصها الجامعي.
    هل أنا أتوهم كل هذا؟ أتمنى ذلك من أعماق قلبي!


    1 !غير مسموح

  8. #7
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -6-
    العينُ الواشية



    أطلت الشمسُ ببطءٍ وتأنٍ كأنها تُغالب النعاس في محاولة يائسةٍ، وبإطلالتها البهيّة يكون قد مرّ علي أسبوعان بتمامهما مذ أمسكت بيدي رواية ألِس التي أضحت رفيقتي الدائمة، تُرافقني مصبحةً ومُمسية، نائمة ومُستقيظة، غُصت في مغامراتها مع أرنبها ذي الساعة، لا أترك شاردة ولا واردة من كلماتها إلا أترجمها أو أسأل عن معناها إذا استغلق علي، أرهقتني من أمري عسراً، لكنها أمدّتني بمتعةٍ لا تُضاهى.
    حانت ساعةُ الجد ودنت لحظة جني الثمر، فاليوم هو يوم اختبار اللغة الانجليزية الأول، وما رأيتُني كاليوم؛ قلق وترقب واضطراب، كتاب اللغة في يديّ وعيني ترقب الساعة بوجل، وأنا التي كنتُ لا أعطي المذاكرة من الوقت إلا أقصره ولا من الجهد إلا أيسره!
    دخلتُ الإختبار، وبعد ساعة من الزمن أو أقل خرجتُ منه بنفس الوجه الذي دخلت به، إذ لا زلت أتخبط في الخوف والقلق.
    وفي اليوم التالي علمت بالنتيجة، وكانت الدرجة التي أحرزتها عالية في نظري؛ 5 من 10!
    انطلقت إلى معلمتي (صاحبة صعوبات التعلم) أزفّ لها الخبر، فاستقبلتني بحفاوة واشبعتني مدحاً وثناءً وتشجيعاً كأني نلت الدكتوراة!
    ولم تُتركني خالية الفواض إنما أهدتني كتاباً آخر: The Memoirs of Sherlock Holmes، وكانت هذه أول مصافحة لي مع قلم الكاتب آرثر كونان دويل الذي أصبح لاحقاً من أفضل الكتاب لدي، فما هي إلا سنوات حتى قرأتُ كل ما كتبه عن مُحققه شرلوك هولمز.
    هكذا كان حالي مع عبقري القرن التاسع عشر، أما حالي مع معلمتي فقد توطدت العلاقة بيننا، وقويت سُبُل وِصالنا، وكنا في مقام الأصدقاء، حتى أنها ألّزمتني ان أخلع عنها لقب الأستاذية وأناديها باسمها مجرداً غير أني أبيت، فرضيت على شرط أنه متى ما وطئت أقدامنا خارج أسوار المدرسة فأنا في حلّ من منادتها بالألقاب الرسميّة، فأذعنت.
    ولمّا كانت تؤثر العزلة في مكتبها فقد سَهُل علي اللقيا بها، وكنت أقتنص وقت الفسحة وحصص الفراغ وأتصيد لحظات الخروج من المدرسة والحفلات المملة لأحادثها في شؤون الأدب شعراً ونثراً، وأسألها عمّا يستشكل علي في أمور شتّى.

    ولكن في أحد صباحات الشتاء، قدمتُ إليها عندما حان درس اللغة الانجليزية (وكانت معلمة اللغة ترى أن لغتي لا تزال في حاجةٍ للتقوية) وإذ بها تستقبلني بوجهٍ لم أعهده، كأنه غُسل اليوم لا بالماء الدافئ ونور الصباح بل بهمٍ وكآبة، وكانت تجالد نفسها على مُداراته واخفائه وراء الإبتسامات والأحاديث المُبهجة، فهجس في نفسي هاجس أنها تحمل في قلبها جبلاً من الهموم فهممتُ أن أسألها عمّا يعتمل في صدرها، بيد أني قلت لنفسي إنما أهمّها أمر من أمور الدنيا (ومن يأمن صروف الدهر وتقلباته؟) غايتُها منه أن تكتمه وتبقيه في صدرها لا تُطلع أحداً عليه، فمالي ولهذا الأمر؟ فكان أن أمسكتُ عما هممت به، وانصرفت عنها وهي أشد ما تكون حزناً قلقا واضطراباً.
    فلما كان من الغداة ذهبتُ لرؤيتها، فألفيتها على حالها، لم يتبدل منه شيء، إلا أن ابتسامتها زادت حزناً وكثر شرودها وانشغالُ ذهنها، فلم تطب نفسي أن أدعها هكذا، فوأدتُ ترددي وحيرتي وسألتها عن الخطب.
    تصنعت الدهشة والاستغراب في بادئ الأمر، ثم تلعثمت وأنشأت تقول -وعلى شفتيها بسمة باهتة وفي عينيها وجوم وكدر-:
    - لا تُرهقي بالكِ، إنه التعب ولا شيء سواه.
    فأجبت:
    - يا أستاذة لقد خبرت التعب وجربته ورأيته في أعين الناس حولي، لكن ما بكِ ليس تعباً البتة!
    وعدتُ اسألها تارة أخرى وألححتُ في السؤال، فكان أن باحت لي بِسرّها.

    1 !غير مسموح

  9. #8
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء




    -7-
    سِر لا كالأسرار



    «إني وإن قصصت على مسامعكِ ما قصصت لست جزِعةً من القدر ولا ساخطةً عليه ولا ناقمةً منه، إنما هي خلجة من خلجاتِ النفس المثقلة وزفرة من زفراتِ القلب المُعنّى، نبثّها حيناً ونكتمها حيناً، فنغص بها حين نكتم، ونسكن حين نبث».
    بهذه الكلمات اختتمت سرها الذي أسرّت لي به أحد الصباحات الباردة، وها أنا أُعيده للقارئ الكريم كما رَوَته لي مُتجنبةً قدر استطاعتي ما يمسّ خصوصيتها، فإليك عنه البيان:
    توفي والدها وهي في سنّ الصِبا، ولم يكن معها سوى والدتها المريضة، وكان البيت الذي تسكنان فيه تعود ملكيته لقريبٍ لهما ذي سلطة ونفوذ، فلم يمانع أن يظلّا في بيته على أن تكون له السيادةُ والطاعة في البيت، ولم تكن موافقته على سكناهما حباً لهما أو عطفاً عليهما، بل لأن مصالحه تقتضي ذلك. ولمّا لم يترك لهما أبوها ما يعتاشان به فلم يكن لهما من طاعة قريبهما من بدّ. وما من داعٍ لأسهب في سرد حياتهما مع قريبهما، فقد كان جائراً مُستبداً مُتعنتاً، لا يُنفذان رأياً ولا يُبرمان أمراً دون علمه. وحينما حان وقت دراستها الجامعية وقد أزمعت على دراسة اللغة الانجليزية -وكانت تعوّل عليها كثيراً- صدّها عن ذلك بحججه الواهية، ومنعها من الخروج من المنزل إلا للضرورةِ القصوى، أو الضرورة التي يراها قصوى. وذات مرة أعلمها بأنه بنفوذه وأذرعه الطويلة استخرج لها وظيفة ترتزق منها، فطار قلبها جذلاً وظنّت أنه الفرج، فالمُرتّب الذي ستُوهبُه ستنفق جزءاً منه على علاج والدتها، وثان لأخواتٍ لها يتيمات -من أمّ أخرى واراها التراب-، وثالث على حاجاتها، بيد أنها بعد صرف المُرتّب أدركت أنه يصل أولاً إلى يد قريبها لا إلى يدها وأنها لا حظّ لها منه إلا النزر اليسير، وهي لا تملك له رداً ولا منعاً، ولذا أُشغل فِكرها صباح أمس.
    ولم ينفك عجبي منها يزداد، وما فتئ احترامي وتقديري لها يتعاظم، فقد لمستُ منها -وهي تُفضي إلي بقصتها- أن نفسها راضية كأحسن ما يكون الرضا، ولم أرَ أجمل صبراً ولا أشدّ شكيمةً ولا أقوى جلداً منها، كأنها تدرك يقيناً لا ظناً أن مُعاناتها ما هي إلا حالةُ ساعةٍ طارئة في الزمن لا حالة الزمن. وما أراها إلا مصيبة في هذا. لكن ما أطولها ساعةً! وما أشده مضضاً تُعانيه!
    وههنا ذكرى ما برحت ماثلةً في ذهني؛ وهي أنها لمّا طفقت تخبرني عن غِنى قريبها ورغد عيشه، أخذتُ أقول في سذاجة الصِبية:
    ما أسعده وأهنأ حياته! حسُن حظه وابتسم له قدره فملك الدّنيا!
    فزمّت شفيها أسفاً وقالت مؤنبةً:
    أما والله ما حسبتكِ تقولين مثل هذا الكلام! بل الويل وله الثُبور، خذي عني هذه الكلمة: «ويلٌ للمرءِ الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه»!
    فانصرفت من عندها والكلمةُ ترنّ في أذني: «ويلٌ للمرءِ الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه»!




    1 !غير مسموح

  10. #9

    تاريخ التسجيل
    Jul 2015
    المـشـــاركــات
    11
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    قصة جميلة وممتعة واخذتنى في عالم كبير من الاحلام البعيدة فهي تحرك الحس
    وفيها وفاة والدها المؤثر جدا
    بارك الله فيكي وبالتوفيق

    0 !غير مسموح

  11. #10
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء




    -8-
    شمسٌ مُشرقة ونارٌ خامِدة



    لن أصف الشمس اليوم، فلا أحسب أن غزارة المطر وكثافة الغيوم ليلة البارحة أبقت للشمسِ شيئاً من وَهجِها. على أني أودّ عوضاً عن هذا أن أصف إشراقاً آخر؛ فقد أنارت طلعةُ مُعلمتي اليوم كصبح أبلج، وذلك عندما عرجتُ على مكتبها بُعيد مضيّ أيام قلال على حديث الشجن الذي فاضت به.
    هاهي مُنكبّة على بعض أوراقها تُقلبها، وعندما رأتني تلقّتني بالشكر والثناء، سألتها:
    -علامَ الشكر؟
    فعللت أن روحها هدأت وذهنها صفى بعدما كشفت الستار عما يجيش به صدرها، فأنا -كما تقول- استخصلتها من الضيق والشدة والحيرة إلى السعة والراحة والإطمئنان.
    وكانت اليوم فعلاً أنعم ما يكون بالاً وأقر ما يكون نفساً، لكن ويحي! لم أفعل أمراً ذا بال عدا أني أصغيتُ لها وواسيتها ببضع كلمات!
    لكنّي لم أملك أن أجيبها إلا بـ«على الرحب يا أستاذة»، ثم ثنّيت:
    - لديّ سؤال، وأروم إجابته بِصدق!
    - حبّاً وكرامةً، أفصحي به.
    - كأني فهمتُ من حديث ذلك اليوم أنك لا تحملين كرهاً لقريبك، بل تكادين ترأفين بحاله وتشفقين عليه!
    - صحيح ما فهمتِ.
    - فلمَ؟
    - بل ولمَ أحقد عليه؟ ما قد يُضيره حقدي وهو لا يدري به؟ وما قد يُفيدني حقدي إلا العذاب والأسى؟ الحقد نار في القلب، نار شؤومة تأكل أول ما تأكل مُشعلها.
    نعم أكتئب وتنتابني سورة من الحزن، أما أن أشعل نار الحقد فما خالج ضميري قط.
    ما دام القلب واثقاً بالله وبأن الحق مع صاحبه وأن الظلم زائل لا محالة فلا مكان للحقد. الفرج قادم، إن كان في الدنيا أو كان في الآخرة.
    (ليت شعري! فعل بها الأفاعيل وجرعها الوجود غصصاً وهي لا تكرهه! ليتني أنزع مقت ظالمي من قلبي، ولكن أليس الكره ضرورةً لابد منها؟ ألستُ أحياناً أكتب عمّا أكره لأني أنشد ما هو ضده؟)
    - ثمّ؟ ألا تُغلظين له القول إذا قال لكِ أو فعل بكِ أو أمركِ بما تكرهين؟
    - أبداً، بل أصون لساني عن مثل هذا، إنما أقول له تارة في جهري وتارة في سري: اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذهِ الحياة الدنيا!
    - أنّى لك هذا؟
    - الرضا يا عزيزتي، الرضا. الرضا بقضاء الله والاطمئنان إلى أقداره جنّة المؤمن، بل لو أنني استقبلت من أمري ما استدربت لما أردتُ بديلاً لغير ما اقتضاه الله لي!
    .
    .
    لقد جال في بالي وأن أنصتُ لحديثها أني وإن كنتُ عرفتها وهي في حالها ذاك، فما كنت لأعرفها في حالٍ خير منه، فلا أنسى قول القائل «الناسُ في السكينةِ سواء، فإذا جاءت المِحَن تَبايَنُوا».
    فهاهي قد تبدت لي في أحسن حالاتها!

    بعدها دقّ جرس نهاية الدوام المدرسي، فودعتها وفكري مشغولٌ في تنفيذ اعتزمت عليه.

    1 !غير مسموح

  12. #11
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -9-
    كوّة في مواجهةِ جدار



    لبثتُ طوال يومي الإجازة الاسبوعية (الخميس والجمعة) أُسائِلُ نفسي في حيرة؛ هل ستَغضبُ إن علمت بالأمر؟ أم ستَصمِت في رضى؟
    أتى يوم السبت يجرّ نفسه بخطى ثقيلة، فمضيتُ -بادئ ذي بدء- إلى مكتبةِ المدرسة لأرجع كتاباً استعرتُه منذ أسبوعين خلت.
    وعندما قفلت راجعة صادفتُ أستاذتي أثناء سيري فرحبت بي فرددت التحيّة وأنا أقول في نفسي: (يا إلهي! ليس الآن!) وارتأيتُ أن أبتدرها بالحديث حتى لا تلحظ ارتباكي، فطرأ على ذهني صورة لقصاصةٍ عثرتُ عليها في كتاب قد أعطتنيه، وكان خُطّ فيه -بيدها على أغلب الظن- أبيات جميلة عذبة:
    أحنّ إذا رأيتُ جِمال قومي
    ‏و أبكي إن سمعتُ لها حنينا
    ‏سقى الغيثُ المجيد بلاد قومي
    ‏و إن خلتِ الدّيار و إن بلينا
    ‏على نجدٍ و ساكنِ أرضِ نجد
    ‏تحيات يرحن ويغتدينا
    فانبريتُ أقول بعد أن تليتها على مسامعها:
    -أكتبتِها يوم شاقتكِ نجد؟
    فتنهدت ثم قالت:
    -واها لنجد. بل إني اليوم أشدّ شوقاً لها من ذي قبل مع أني أعيش بين ظهراني أهلها! ولما أعملت فكري في ذلك، أدركت أني أحنّ لأيام نجد القديمة لا لنجد ذاتها.
    -لعلكِ ما خرجتِ إلا اضطراراً؟
    -لقد ألجأتني الظروف، قبّحها الله من ظروف.
    ثم بعد هُنيهات تابعت قائلة: كدتِ تُنسينني أمراً ذا أهمية! اتبعني إلى مكتبي.
    سرتُ على إثرها وقلبي الخافق يوشك أن ينسلّ من بين ضلوعي.
    استوينا جلوساً ثم أنشأت تقول بنبرةٍ حادة:
    - ما حملكِ على ما فعلتِ؟
    فقلت مصطنعةً البراءة:
    - أيّ شيء فعلت؟
    فلم تُجب، إنما مدّت يدها إلى أوراقٍ على الطاولة واستخرجت من بينها المال الذي دسستُه خلسةً الأربعاء السالِف، ثمّ قالت بصوتٍ واثق كأنها قاضٍ في محكمة:
    -وما هذا إذاً؟
    فأجبتُ أبرر فعلتي وقد أدركت أن التُهمة ثَبُتت علي:
    - أنال منكِ الغضب وأنتِ تعلمين أني ما قصدتُ إلا الخير؟
    - وأنت كذلك تعلمين أني لن أقبلها.
    - لا أجهل ذلك البتة، لكن المال ليس لأجلكِ، بل هو هديّة لأخواتكِ الصغيرات.
    انفرجت أسارير وجهها وهي تردّ:
    - لن أبدّل موقفي حتى لو غيرتي من اسمها ما غيرتِ! أتذكرين قصةَ السّمكة* التي عقبنا عليها ذات يوم؟ (فأومأتُ أن نعم) فإني أقول لكِ الآن ما قال بشر الحافي لأبي نصر الصياد: لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت هذه السمكة! لو أنكِ تعلمين كم فرصةً أدرت لها ظهري وصرفت نظري عنها، فرص لا عد لها أتسلم بها على مفاتِح الثراء والغِنى والمجد وكل ما أشتهيه، لكن لكل شيء ثمن! لا ألوم نفسي على أني أضعتُها فأنا لم أضع شيئاً منها قط. بل عوضاً عن ذلك وجدتُ كل شيء! ووجدت المعنى في كل شيء أملكه، في رعايتي لوالدتي وأخواتي، في ضميري وكرامتي وتمسّكي بمبادئي! إن هذه الوظيفة وإن كنت لا أتحصّل منها إلا أقل القليل لكنها أشبه بِكوّة في جدار، كوة صغيرة حقيرة لا تتسع لشيء إلا الضوء والهواء اللذان ينفذان منها، كوّة لن ينقضي زمنٌ حتى يكبر حجمها ويتضاعف فتقضي على الجدار كله!
    .
    .

    على هذه الكلمة تفرقنا، ومع أني أعجبت بموقفها أيّما إعجاب إلا أنه أحدث شرخاً في قلبي؛ فأنا أعزّها وأجلها وأعلم بحالها من غيري، ومع هذا قصرت يداي عن مُساندتها!
    مضيتُ يومها إلى الدّار وأنا منكسرة مُنقبضة وقلبي مفعم بالأسى، وبعد أن ولجتُ إلى الداخل أخذتُ كتاب (وحي القلم) من رفّ المكتبة أتعلل به وأشغل به نفسي وأصرف إليه خاطري، ثم شرعت أقرأ قصة السّمكة:
    «حدث أحمد بن مسكين الفقيه البغدادي قال:حصَلْت في مدينة "بلخ" سنة ثلاثين ومائتين، وعالمها يومئذ شيخ خراسان أبو عبد الرحمن الزاهد صاحب المواعظ والحكم؛ وهو رجل قلبه من وراء لسانه، ونفسه من وراء قلبه، والفلك الأعلى من وراء نفسه، كأنه يلقى عليه فيما زعموا. . ».
    ثم خلدتُ إلى النوم.



    ــــــــــــــــــ
    *وردت في كتاب «وحي القلم» الجزء الثاني للرافعي.

    1 !غير مسموح

  13. #12
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -10-
    روح غيّبها الموج




    «تُحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار*».
    ما أبهاه اسماً وأحسنه وأظرفه!
    أزلتُ على عجل الغلاف البلاستيكيّ الذي يُحيط به، وجلعتُ أتحسس جِلدته وأقلب صفحاته والدنيا لا تكاد تسعني من الفرح.
    لا جرم أن أستاذتي ستُسرّ عندما أضعه بين يديها؛ فقد مكثت شهوراً تسأل عنه وتُوصي به الرائح والغادي، لكن طال أمد البحث وعيل صبر الجميع ولا أحد عثر عليه كأنه ما وُجد منذ بدء الخليقة قط!
    وهاهو اليوم في حوزتي.

    الصباح اليوم نديّ رطب والسحب مُتناثرة كقطع الصوف المندوف، والمدرسة اكتظت بمَن فيها، أراهم يذرعون أرجاء المدرسة قد علم كل أناسٍ مشربهم، وأنا كذلك غدوتُ نحو مشربي؛ مكتب معلمةُ صعوبات التعلم، فتحتُ الباب لكن واحسرتاه لم أجدها، بحثتُ عنها وسألت، فأخبرتُ أنها لم تأتِ اليوم! قلت لنفسي لعل المرض أقعدها عن المجيء، فعدت القهقرى.
    وأقبل الغد، ومرة أخرى لم تأتِ، فقلت لنفسي مرةً أخرى لعلها لم تبل من مرضها.
    وبعد عدةِ أيام من غيابها عمدتُ إلى إحدى المعلمات لأستفسر منها عن أسباب غيابها فقالت أنها في إجازةٍ الله يعلم أمَدَها! سألتها عن دواعي الإجازة المُفاجئة، فلم تُحر جواباً.
    لجأت إلى غيرها من المعلمات فلم أظفر بشيء، لم يبقَ سوى مخرج وحيد.
    اندفعت إلى مكتب المديرة.
    كنا نهاب المديرة ونتخوّف من الحديث معها، أما اليوم فقد ارتدت المهابة وانكفأ الخوف.
    ألقيت السؤال عليها لحظة رأيتُها، فكان جاوبها: لقد أصيبت بمرضٍ عضال فأحيلت إلى المشفى للعلاج!
    مادت بي الأرض وازدحمت في نفسي خواطري وغلبتني أشجاني وغصصتُ بأنفاسي.
    ومضيت وأنا من الهم لأكاد أتعثر في ظلي!

    مرّت الأيام ثقيلةً بطيئة كأنها اتخذت من صدري المُثقل معبراً لها.
    الجميع افتقدها وأسِف لفراقها وتمنّى لها الشفاء، أما حزني أنا فكان مُضاعفاً، وحقّ له أن يكون كذلك، فقد كنت لها كلأختُ من أختها، وقامت بيننا صداقةٌ لا تشوبها مُجاملة أو مصلحة ولا يخالطها خداع أو غش، لكن الآن حال بيننا الموج.
    فكرت في أن أزورها، بيد أني عدلت عن ذلك، لا أستطيع أن أرى ذلك الوجه المُتهلل الباشّ وقد أكل الألم منه نضارته وإشراقه.
    ما أصعب ذلك علي وأشقّه!
    لا أملك إلا أن أدع روحي تغرق في البئر الغائرة، أقضي جل وقتي بالصمت، لكن في صمتي كلامٌ كثير.

    ــــــــــــــــــ
    *هو كتاب ابن بطوطة.


    1 !غير مسموح

  14. #13
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -11-
    في ليلةِ البَين




    مكثت أياماً أفكر فيها، بيد أن فؤادي لا زال متردداً بشأن زيارتها.
    إلى أن جاء يومٌ وصلتني رسالةٌ منها عن طريقِ احدى صديقاتها تطلبُ منها زيارتها في أقرب وقت مُمكن!
    كان الوقتُ صباحاً، فعزمتُ أن أذهب إليها بعد صلاةِ المغرب عندما أنتهي من أعمالِ المنزل، لكن حدثَ أمر لم أحسب له حساباً؛ ارتفعت حرارتي وأصبتُ بصداعٍ حاد وشعرتُ بالتهابٍ في حلقي ووهنٍ في جسدي، فنظرت إليّ أمي بعينٍ لا تُخطئ وقالت بصوتٍ العارِف المُدرك:
    لديكِ زُكام، يجب أن تأخذي قسطاً من الراحة.
    لم يكن الأمر غريباً، فأنا عادةً في هذا الوقت من السنةِ أصاب بهذا الزكام، فآويتُ إلى السرير إلا أني أرقتُ قليلاً لأن ذهني ما فتئ يُدور حول مُعلمتي، فكنت أقول في نفسي: لمَ أصيبت هي بالمرض ولم يُصب قريبها ذاك؟ ولمَ ولمَ . . ومن جنس هذه الأفكار.
    غير أني طردتُ هذه الوساس واستعذتُ بالله من الشيطان ثم لمتُ نفسي؛ كيف أعترض على قدرِ الله وهو -جل شأنه- الحكيم والعليم والرحيم؟
    ابتدأتُ في ترديد أذكار النّوم، وعقدتُ العزم على زيارتها غدًا عندما تخفُّ حرارتي ثم دخلت دُنيا الكرى بذهنٍ مضطرب.
    وجاء الغد والحال نفسها، الحرارة مُرتفعة والصداع شديد والجسد عاجزٌ ضعيف والتهاب الحلق كأنه نارٌ مُشتعلة، فأجلتُ الزيارة إلى الغد.
    ومرت خمسةُ أيام وحالي هكذا لا يتغيّر، وبعد اليومِ الخامس حسُنت صحتي فعجّلتُ بالذهاب إلى المُستشفى الذي ترقد فيه.
    ويالحسرتي، فعندما سألتُ «موظف الاستقبال» عنها قال أنها نُقلت للعلاج في الخارج وقد أقلعت طائرتها ليلة البارحة!
    جزعتُ لهذا الخبر أيّما جزع، ليتني على الأقل ودعتها وفزتُ بنظرةٍ أخيرة! فموتها بسبب هذا المرض وارد كما أن العلاج بالخارج قد يستغرق سنوات طوال!
    حاولت أن أهوّن على نفسي وأنا أقول ستُشفى، لا ريب ستُشفى.
    لكني لا أعلم هل شُفيت أم لا، فلم أرها بعد ذلك اليوم قط! ظللت شهوراً وسنيناً أسأل عنها من يعرفها ومن لا يعرفها، وكانت فرصي في العثور على خيطٍ يرشدني إلى مكان وجودها ضئيلة جداً؛ فلم نتبادل الأرقام أو الإيميلات إذ أننا كُنا نعيشُ في مُحافظةٍ صغيرة لا تتواكب مع الجديد سريعاً، كما أنني لم أنجذب لهذه التقنيات بادئ الأمر وهي أظنها كذلك، ومما زاد الأمر مشقةً أني لا أعرف لها أقرباء هنا، فصُدت الأبواب دون العثور عليها ووصلت إلى طريق مَسدود.
    أين هي الآن؟ هل انهدَّ الجدار وانكشفت الغمّة؟
    أشُفيت من مرضها أم لا تزال مريضة؟
    أو أن الله قد أخذ أمانته؟
    لم أجد جواباً لأسئلتي حتى الآن.




    1 !غير مسموح

  15. #14
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    121
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -12-
    يا غربة الروح


    سنةٌ دراسية أخرى تَرفل في ثيابٍ جديدة وتبتدئُ أول أيامها.
    واليوم أنا في حفل رتيب أجلس متململةً بين الحضور، وإذ بذكرى تلمع في خيالي، حيث يقفُ أمامي المعلمات الجديدات وهنّ يتابعن الحفل بقلقٍ مشوب بالأمل فهذا يومهنّ الأول، أرسلتُ نظري نحوهن كأني أبحثُ عن طيفٍ يرمُقني بنظراتٍ أحاول أن أدرك كُنهها، بيد أني أسدلت نظراتي وأسبلتُ عينيّ وقلتُ لنفسي أوبّخها -وليعذرني ناظم البيت أبو تمّام-:
    هَيهاتَ لا يَأتي الزَمانُ بِمِثلِهِا
    إِنَّ الزَمانَ بِمِثلِهِا لَبَخيلُ!
    لقد التقيت بها ذات شتاء وفقدتها ذات شتاء.

    -تمّت-
    .
    .
    *مُلاحظة لا بدَّ منها: قد يبدو للقارئ الكريم أن هذه الحكاية محضُ خيال من جنس ما يكتبه الأدباء عادةً أو أن جزءاً كبيراً منها كذلك، بيد أنها غيرُ ذاك، فإن اختلفت المُسمّيات وتبدلت الشخوص وتغيّرت الأمكنة وزِيد فيها ما زِيد من تنميقات الكتابة وزخارفِها، فالحكاية تظل -في جوهرها- حقيقة، وإن داخلها نزر يسير من الخيال الذي لا غنى للأدبِ عنه.
    لقد كان لزاماً عليّ -لأسباب خفيّة- أن أتخفّى خلف ستار الأدب وألبِسُ الكلمات أقنعةً من وراءها أقنعة.
    إن هذه الحكاية ليست بأحداثها ولا أبطالها ولا أسمائِها، بل بفكرتها العميقة المؤلمة، لكن المُلهمة المُعلّمة -لصاحبتها- في الوقت ذاته.
    إنها عن مواجهةِ الظلم ودفعه والصبرِ على الظّالم والبحث عن شعاعٍ من نور -وإن كان واهناً- يُنير عتمة الحياة.
    شكراً لمن قرأ وعلّق.


    1 !غير مسموح

    أنَا الغَريقُ فَما خَوفي منَ البللِ
    https://arakwords.wordpress.com/



  16. #15
    الصورة الرمزية Moroboshi Dai

    تاريخ التسجيل
    Oct 2017
    المـشـــاركــات
    2,805
    الــــدولــــــــة
    تونس
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ذات شِتاء




    السلام عليكم،
    جميلُ مانثرتي من صَفحات مُفعمة بالمشاعر النبيلة التي عُدمت في أيّامنا
    حِبكة قصصيّة مُتقنة بديباج مًحلّى بقلم من ذهب رغم الألم
    شُكرا على الطرح



    0 !غير مسموح


    شُكرًآ لُوف بحجم الكون على الإهداء الجميل

  17. #16

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,355
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    السلام عليكم
    أسلوب قصصي فيه كل التشويق
    أسلوب يتحلَّى بالإبداع التام
    شكرًا لكِ هذا الموضوع المميز

    0 !غير مسموح

  18. #17

    تاريخ التسجيل
    Apr 2018
    المـشـــاركــات
    20
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    شكرا لكِ الموضوع المميز جدا


    0 !غير مسموح

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status