ذات شِتاء

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: ذات شِتاء

  1. #1
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي ذات شِتاء






    دوّنت الكاتبة سطور هذه الحكاية لحاجةٍ في نفسها، وأي تشابه بينها وبين الواقع ليس من قبيل الصدفة على الإطلاق.

    0 !غير مسموح

    أنَا الغَريقُ فَما خَوفي منَ البَلَلِ



  2. 5 أعضاء شكروا S N O W على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -1-
    ثلج، وشِتاء، ومَطر



    اسمي ثلج (SNOW).
    بيد أني لا أحثّكم على أن تُنادونني به كما فعل صاحب موبي دِك عندما استهلّ روايته بـ«نادوني إسماعيل/Call me Ismael»
    فلا أنا إسماعيل ولا نحن في سفينة ولا هذه بملحمة،
    ولستُ أخالك تجهلون أنّ هذا الاسم ليس إلا اسماً مُستعاراً أرتأيتُ في لحظةٍ لا أذكرها أن اعتمده مُعرفاً لي.
    ولا يظننّ القارئُ الكريم أن اصطفائي هذا الاسم دون غيره علّته اعجابٌ برواية (ثلج) لأورهان باموق، فهذا الظن مُجانب للصواب؛ لأني لا أعرف عنها شيئاً عدا العنوان المذكور آنفاً.
    إذن -قد يتسائلُ القارئ- لمَ ثلج بالذات؟ لم ليس هواء أو سماء أو مطر؟
    هذا لعمري في علم الغيب!
    لقد عنّ لي أن آتي على ذكر الاسم في مطلع حكايتي إذ بينهُما رِباط وثيق، فقد احتل الشتاءُ -موسم الثلج- فصول الحكاية.
    نعم، كان الفصل شتاءً بارداً مُمطراً، كما طفِقنا نُرددها في دروس الجغرافيا؛ الجغرافيا التي افتتحنا بها عاماً دراسيّاً نُقش في ذاكرتي إلى الأبد.

    1 !غير مسموح

  4. #3
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -2-
    لقاءُ النّظرات


    كان درس الجغرافيا من أحبّ الدروس إلى قلبي، فهو درس مُمتع خفيفٌ سلس، لا تتعب العين من التحديق في صفحاته، ولا يتوه العقل في مداراته، ولا يملّ القلب من استذكار كلماته.
    ولما كانت السنة اُبتُدِئت بهذا الدرس، فقد تفائلتُ واستبشرتُ به خيراً.
    أنهينا الدرس عند تمام الثامنة، وبعد درسين آخرين تَلَيا درس الجغرافيا كان لزاماً علينا -كما أنبأتنا احدى المُعلمات- أن نُشرف بِحضورنا حفل بداية السنةِ الدراسيّة، فكان أن سمعنا وأطعنا.
    لكني قُبيل الحضور آثرت أن أزور مكتبة المدرسة لأستعير منها كتاباً أشغل به نفسي مدة الحفل المحشوّ كالعادة بالحديث المُنمق الممل المُعاد، فحثثت الخطى مسرعةً إليها.
    وسأقف هنا هُنيهة لأطلعك -أيها القارئ الكريم- على مزايا مكتبنا العزيزة؛ مكتبة مُقفرة يملأ الغبار رفوفها، لا يطأ عتبتها عداي إلا زمرة قليلة من الطالبات الصغيرات -بِتشجيع من مُعلمتهن- لقراءةِ قصص الأطفال ومجلات الرسوم المُلونة، وهذه ليست المزيّة الوحيدة؛ فأكثر ما يدفعني لزيارتها مراراً وتكراراً هي جنباتُها التي تضمّ كتباً نفسية لا أحسب أحداً يُدرك قيمتها، ولا أدل على ذلك إلا الكتاب الذي أخرجته معي من هذا الكهف المُظلم؛ رسالة الغُفران للمعري.
    حين انتظمنا جلوساً على الكراسي المصفوفة تِلقاء مُديرة المدرسة، شرعت هي في خطابها بصوتٍ رنان ونبرةٍ واثقة، إلا أن أمراً غريباً وقع لي، فها هناك معلمةٌ لم أرها قبلاً مُنزوية بِجوار الجدار ترمقني من طرف خفيّ بنظراتٍ لم أدرك كُنهها، فرددتُ إليها النظرات لعلي أكشفها بها فارتدت خائبة.
    لم أكن لألقي بالاً لهذه النظرات لولاً أنها تكررت لعدة أيام حتى داخلني الشك والحذر والتمستُ الأسباب والعلل، فغرقتُ في بحر خيالاتي؛ ما لها تخصّني بنظراتها هكذا؟ أتراني لم أصلح شعري أم لم أغسل وجهي أم لم أهندم ملابسي؟ هل تعارفنا من قبل؟ أعزمِتْ على أن تنصب من الآن شباك عداوتها لأقع فيها؟ اللهم سلّم! لقد وقر في قلبي أننا لن نكون على وِفاقٍ البتّة، فنفرتُ منها، وعقدت الأماني على ألا تنال حظاً من حصصنا، وتعللتُ بأن الأَروَاح جنود مجنّدة فما تعارفَ منها ائتلف وما تناكر منها اختلف!

    2 !غير مسموح

  5. #4
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -3-
    حين أضعتُ زِمام اللّغة


    يقول المُناضل مالكوم إكس في مذكراته: «كنتُ أكره الرياضيات، وقد تسائلتُ فيما بعد عن سببِ ذلك، ووجدت أن الرياضيات تُغلق باب المناقشة، الخطأ فيها خطأ وانتهى».
    وهكذا كنتُ أجد نفسي مع الرياضيات.
    لاشد ما كنت أمقتُها، ومع أننا -أنا والرياضيات- بلغنا شأواً بعيداً في عدائنا السافِر إلا أنه كان عداءً لا يُساوي -مثقال ذرة- عدائي مع اللغة الانجليزية البغيضة، التي عِفتُها وعافتني وكانت تقف عقبةً كؤود في طريق نجاحي وتفوقي، فما كان مني بعد أن تأزمت الأمور وثقلت وطأة الفشل عليّ إلا أن شكوتُ إلى أمي الرؤوم، فإذ بِها تُلقي باللوم علي لأني لا أدرس كما ينبغي، فما أغنت عني شكواي وكنتُ كالمُستجير بالرمضاء من النار!
    وحيث أني كنتُ أثناء اختبارات اللغة أكتب إجابات عشوائية يُصيب أقلها ويُخطئ جلها، بتُّ الآن أدع سطورها خاوية، ولسانُ حالي يقول: بيدي لا بيدِ عمرو.
    على أن أستاذة اللغة الانجليزية نصحتني غير مرة أن ألتحق بدروسٍ (خصوصية) لتقوية لغتي، غير أن نفسي الأبيّة أبت واعترضت فصرفتُ النظر عنها، حتى انبرت صديقة لي صبيحة ذلك اليوم تُبشرني بِتعيين خدمة خاصة بالمدرسة لـ«صعوبات التعلّم»، ما يعني أن أي طالبة تتعثر في إحدى المواد، تُحال إلى مكتب صعوبات التعلم لتُباشر الأستاذة المُشرفةُ عليه بِتقديم يد العون لها. ولمّا آنَ درس اللغة الانجليزية مضيتُ إلى ذلك المكتب بإيعاز من المعلمة سالفةِ الذكر.
    وإذا أراد الله أمراً هيأ له أسبابه.

    0 !غير مسموح

  6. #5
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء




    -4-
    سقط القِناع عن القِناع(1)*


    «أنتِ هُنا!»
    هكذا وجدتُّني لا إراديّاً أقولها لحظةَ دلفتُ إلى مكتب صعوبات التعلم وأبصرتُ وجه المعلمة صاحبة النظرات الغريبة يلوح لي خلف الطاولة التي احتلت قلب الغُرفة.
    بالطبع لم أتلفظ بلساني تلك الكلمات، إنّما نطقتُ بها في سريرتي وبان أثرها من استغراب ودهشة على ملامحي. قلتُ لنفسي: ماذا تفعل هنا؟ أتكون هي صاحبةُ المكتب؟
    انتزعني صوتها من أفكاري، وابتدرتني سائلةً:
    ما خطبك؟ ماذا رأيتِ فنال منكِ الجزع؟
    رددتُ: لا شيء يا أستاذة.
    قالت وهي تُشير إلي بالجلوس على الكرسي: أصدقيني القول.
    جلست وأعدت مقالتي: لا شيء يا أستاذة.
    فلم تزل بي حتى خضعتُ لها وأجبتُ قائلة:
    - كل المسألة أني دُهشت لتواجدكِ هنا، على الأخصّ بعدما جرى بيننا.
    - حقاً؟ وما جرى؟
    - نظراتك التي ما فتئتِ ترمقيني بها أخافتني وجعلتني في حيرة. والحق أني قرأتُ منها ما قرأت عدم الإعجاب والنفور، فعزمتُ على أن أرد بمثلهما ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا!
    - أنت تقرأين ما ليس في الصدور! كيف أوحت لكِ النظرات بكل هذا؟ لقد ذهب ظنّك مذهباً لم أحسب له حساباً. ولا يحضرني إلا قول آن شيرلي: «يتراءى لي أن أكثر مشكلاتنا في الحياة سبهها سوء الفهم». تلك النظرات المسكينة أصابها من التضخيم والتفخيم ما لا تستحق، كل ما هُنالك أني رأيتُ بيدكِ آنئذ كاتب المَعري فشدني هذا المنظر النادر، ففي هذه المدرسة -وأنتِ بذلك أدرى- من يقرأ كتاباً لا علاقة له بالدراسة فكأنه أتى بأعجوبة من أعاجيب الدهر أو نفيسة من نفائس الهند والسند!
    ذهلتُ من ردها، لكن الحقَّ كل الحقِّ معها، فاعتذرت قائلةً:
    آسفة يا أستاذة، نسجتُ من نظراتك قصةً مُكتملة الأركان!
    - حصل خير، والآن خبّريني، فيمَ مجيئك؟
    - عدوتي اللغة الإنجليزية العنيدة، جهدتُ أيما جهدٍ من أجل النجاح فيها، فذهبت جهودي أدراج الرياح، فأمرتني معلمة اللغة أن أذهب إليك.
    - بسيطة يا عزيزتي! الأمر فيه هيّن والخطب يسير، لا تقلقي، سأبذل وسعي وطاقتي لمعاونتك.
    - لا تُهلكي نفسكِ يا أستاذة، الله يشهد أني حاولتُ كثيراً بِلا طائل، فلا فائدة تُرجى فقد اتسع الخرقُ على الراتق!
    - لعلك لا تثقين بالراتق تمام الثقة.
    - بكِ؟
    - بل بنفسكِ!
    - كيف؟
    - ما استشفيتُه منك أنك تُحبطين نفسكِ وتُغّلقين دونها أبواب الجدّ والإجتهاد، لا ريب أنك قبل بدء العام الدراسي لا تبرحين تُحدثين نفسك أنك لن تنجحي فيها وتُقيمين العداوات معها، ولا عجب، فالإنسان عدوّ ما جهل.
    - كأنكِ مني بمرأى ومسمع!
    - بل رأيتُ رؤيا العين، فقد ذقتُ هذا المرّ قبلكِ.
    - أوَقد فعلتي؟
    - في مثل سنكِ تقريباً، والآن أعرفها كباطن يدي والحمدلله.
    - لا شكّ أنك درستيها في الجامعة أيضاً!
    - لم أفعل. على أية حال، لدي الدواء الشافي والعلاجُ الوافي، خُذي هذا.
    عندئذ فتحت أحد أدراج الطاولة وناولتني كتاباً، فتهجيتُ عنوانه بِمشقّة:
    - ?Alice In Wonderland**


    ــــــــــــــــــ
    *مقطع من قصيدة محمود درويش «مديح الظل العالي».
    ** ألِس في بلاد العجائب.


    0 !غير مسموح

  7. #6
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -5-
    سقط القِناع عن القِناع (2)



    .....
    عندئذ فتحت أحد أدراج الطاولة وناولتني كتاباً، فتهجيتُ عنوانه بِمشقّة:
    - Alice In Wonderland؟
    - رواية مُمتعة، أول خطوة لتعلم أي لغة جديدة هي المُمارسة، وبِما أنكِ قارئة، فإن أفضل وسيلة تتلاءمُ معكِ هي القراءة. اقرأيها بتمعنٍ وتركيز، لكن ضعي نصب عينيك أن الطريق ليس مفروشاً بِالورود، ولا ينال العُلى من لم يركب الخطر.

    بعدها تجالسنا ساعة وتجاذبنا أطراف الأحاديث، ولم نقف في ثرثرتنا عند حدود المدرسة وما يتعلقُ بها، بل تجاوزناها وأمعنّا في تجاوزها من أخبار الأدب والفِكر والسياسة.
    فلمّا أزفَ الوقت وتأهبتُ للمغادرة جعلتُ أقول:
    - لقد زاد عجبي وحيرتي منكِ يا أستاذة!
    - وكيف ذاك؟
    - تبيّن لي أن هذا المكتب لا يرقى لقدراتك، فمنصبُ معلمة لغة انجليزية أو لغة عربية أو حتى مُرشدة طلابيّة كلها خليقة بكِ! أين هذه المناصب عنكِ؟
    - ذهب بها أهل الدثور!
    هممتُ أن أرد عليها، لكنها أردفت وهي ترمق ساعة الحائط: هيا، لقد طال بنا الزمن، لا شك أن لديك درس الآن، أرآكِ مرة أخرى.
    شكرتُها على وقتها معي، ثم تصافحنا وشيّعتني عند الباب ولم تنسَ أن تُشدد علي بالمذاكرة والاجتهاد بينما كنتُ أضع كتاب «ألِس» في حقيبتي.

    لقد وقع حديثها في فؤادي موقعاً حسناً، خاطبتني مُخاطبة الأصدقاء كأنّا تعارفنا مُنذ زمن، وعندما طفقتُ أحدثها عن مكانها الجدير بِها ظلّت تُصغي إلي بكل جوارحها ولم تغلظ لي القول رغم أني رأيتُ انقباضاً في ملامحها، كأن كلامي جرحَهَا.
    لقد بدأ قناعها الذي ألبستُها إيّاه يتهاوى، بيد أني يُخامرني شعور أن هناك قناع آخر أخذ ينمو تحته، قناع الغُموض، الأسئلة التي تهربت من إجابتها، الأمور التي صدتني بلطفٍ عن الخوض فيها، ملامحها المُنقبضة إزاء عجبي من وظيفتها، انزعاجها الخفي لمّا سألتها عن تخصصها الجامعي.
    هل أنا أتوهم كل هذا؟ أتمنى ذلك من أعماق قلبي!


    0 !غير مسموح

  8. #7
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    -6-
    العينُ الواشية



    أطلت الشمسُ ببطءٍ وتأنٍ كأنها تُغالب النعاس في محاولة يائسةٍ، وبإطلالتها البهيّة يكون قد مرّ علي أسبوعان بتمامهما مذ أمسكت بيدي رواية ألِس التي أضحت رفيقتي الدائمة، تُرافقني مصبحةً ومُمسية، نائمة ومُستقيظة، غُصت في مغامراتها مع أرنبها ذي الساعة، لا أترك شاردة ولا واردة من كلماتها إلا أترجمها أو أسأل عن معناها إذا استغلق علي، أرهقتني من أمري عسراً، لكنها أمدّتني بمتعةٍ لا تُضاهى.
    حانت ساعةُ الجد ودنت لحظة جني الثمر، فاليوم هو يوم اختبار اللغة الانجليزية الأول، وما رأيتُني كاليوم؛ قلق وترقب واضطراب، كتاب اللغة في يديّ وعيني ترقب الساعة بوجل، وأنا التي كنتُ لا أعطي المذاكرة من الوقت إلا أقصره ولا من الجهد إلا أيسره!
    دخلتُ الإختبار، وبعد ساعة من الزمن أو أقل خرجتُ منه بنفس الوجه الذي دخلت به، إذ لا زلت أتخبط في الخوف والقلق.
    وفي اليوم التالي علمت بالنتيجة، وكانت الدرجة التي أحرزتها عالية في نظري؛ 5 من 10!
    انطلقت إلى معلمتي (صاحبة صعوبات التعلم) أزفّ لها الخبر، فاستقبلتني بحفاوة واشبعتني مدحاً وثناءً وتشجيعاً كأني نلت الدكتوراة!
    ولم تُتركني خالية الفواض إنما أهدتني كتاباً آخر: The Memoirs of Sherlock Holmes، وكانت هذه أول مصافحة لي مع قلم الكاتب آرثر كونان دويل الذي أصبح لاحقاً من أفضل الكتاب لدي، فما هي إلا سنوات حتى قرأتُ كل ما كتبه عن مُحققه شرلوك هولمز.
    هكذا كان حالي مع عبقري القرن التاسع عشر، أما حالي مع معلمتي فقد توطدت العلاقة بيننا، وقويت سُبُل وِصالنا، وكنا في مقام الأصدقاء، حتى أنها ألّزمتني ان أخلع عنها لقب الأستاذية وأناديها باسمها مجرداً غير أني أبيت، فرضيت على شرط أنه متى ما وطئت أقدامنا خارج أسوار المدرسة فأنا في حلّ من منادتها بالألقاب الرسميّة، فأذعنت.
    ولمّا كانت تؤثر العزلة في مكتبها فقد سَهُل علي اللقيا بها، وكنت أقتنص وقت الفسحة وحصص الفراغ وأتصيد لحظات الخروج من المدرسة والحفلات المملة لأحادثها في شؤون الأدب شعراً ونثراً، وأسألها عمّا يستشكل علي في أمور شتّى.

    ولكن في أحد صباحات الشتاء، قدمتُ إليها عندما حان درس اللغة الانجليزية (وكانت معلمة اللغة ترى أن لغتي لا تزال في حاجةٍ للتقوية) وإذ بها تستقبلني بوجهٍ لم أعهده، كأنه غُسل اليوم لا بالماء الدافئ ونور الصباح بل بهمٍ وكآبة، وكانت تجالد نفسها على مُداراته واخفائه وراء الإبتسامات والأحاديث المُبهجة، فهجس في نفسي هاجس أنها تحمل في قلبها جبلاً من الهموم فهممتُ أن أسألها عمّا يعتمل في صدرها، بيد أني قلت لنفسي إنما أهمّها أمر من أمور الدنيا (ومن يأمن صروف الدهر وتقلباته؟) غايتُها منه أن تكتمه وتبقيه في صدرها لا تُطلع أحداً عليه، فمالي ولهذا الأمر؟ فكان أن أمسكتُ عما هممت به، وانصرفت عنها وهي أشد ما تكون حزناً قلقا واضطراباً.
    فلما كان من الغداة ذهبتُ لرؤيتها، فألفيتها على حالها، لم يتبدل منه شيء، إلا أن ابتسامتها زادت حزناً وكثر شرودها وانشغالُ ذهنها، فلم تطب نفسي أن أدعها هكذا، فوأدتُ ترددي وحيرتي وسألتها عن الخطب.
    تصنعت الدهشة والاستغراب في بادئ الأمر، ثم تلعثمت وأنشأت تقول -وعلى شفتيها بسمة باهتة وفي عينيها وجوم وكدر-:
    - لا تُرهقي بالكِ، إنه التعب ولا شيء سواه.
    فأجبت:
    - يا أستاذة لقد خبرت التعب وجربته ورأيته في أعين الناس حولي، لكن ما بكِ ليس تعباً البتة!
    وعدتُ اسألها تارة أخرى وألححتُ في السؤال، فكان أن باحت لي بِسرّها.

    0 !غير مسموح

  9. #8
    الصورة الرمزية S N O W

    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المـشـــاركــات
    115
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ذات شِتاء




    -7-
    سِر لا كالأسرار



    «إني وإن قصصت على مسامعكِ ما قصصت لست جزِعةً من القدر ولا ساخطةً عليه ولا ناقمةً منه، إنما هي خلجة من خلجاتِ النفس المثقلة وزفرة من زفراتِ القلب المُعنّى، نبثّها حيناً ونكتمها حيناً، فنغص بها حين نكتم، ونسكن حين نبث».
    بهذه الكلمات اختتمت سرها الذي أسرّت لي به أحد الصباحات الباردة، وها أنا أُعيده للقارئ الكريم كما رَوَته لي مُتجنبةً قدر استطاعتي ما يمسّ خصوصيتها، فإليك عنه البيان:
    توفي والدها وهي في سنّ الصِبا، ولم يكن معها سوى والدتها المريضة، وكان البيت الذي تسكنان فيه تعود ملكيته لقريبٍ لهما ذي سلطة ونفوذ، فلم يمانع أن يظلّا في بيته على أن تكون له السيادةُ والطاعة في البيت، ولم تكن موافقته على سكناهما حباً لهما أو عطفاً عليهما، بل لأن مصالحه تقتضي ذلك. ولمّا لم يترك لهما أبوها ما يعتاشان به فلم يكن لهما من طاعة قريبهما من بدّ. وما من داعٍ لأسهب في سرد حياتهما مع قريبهما، فقد كان جائراً مُستبداً مُتعنتاً، لا يُنفذان رأياً ولا يُبرمان أمراً دون علمه. وحينما حان وقت دراستها الجامعية وقد أزمعت على دراسة اللغة الانجليزية -وكانت تعوّل عليها كثيراً- صدّها عن ذلك بحججه الواهية، ومنعها من الخروج من المنزل إلا للضرورةِ القصوى، أو الضرورة التي يراها قصوى. وذات مرة أعلمها بأنه بنفوذه وأذرعه الطويلة استخرج لها وظيفة ترتزق منها، فطار قلبها جذلاً وظنّت أنه الفرج، فالمُرتّب الذي ستُوهبُه ستنفق جزءاً منه على علاج والدتها، وثان لأخواتٍ لها يتيمات -من أمّ أخرى واراها التراب-، وثالث على حاجاتها، بيد أنها بعد صرف المُرتّب أدركت أنه يصل أولاً إلى يد قريبها لا إلى يدها وأنها لا حظّ لها منه إلا النزر اليسير، وهي لا تملك له رداً ولا منعاً، ولذا أُشغل فِكرها صباح أمس.
    ولم ينفك عجبي منها يزداد، وما فتئ احترامي وتقديري لها يتعاظم، فقد لمستُ منها -وهي تُفضي إلي بقصتها- أن نفسها راضية كأحسن ما يكون الرضا، ولم أرَ أجمل صبراً ولا أشدّ شكيمةً ولا أقوى جلداً منها، كأنها تدرك يقيناً لا ظناً أن مُعاناتها ما هي إلا حالةُ ساعةٍ طارئة في الزمن لا حالة الزمن. وما أراها إلا مصيبة في هذا. لكن ما أطولها ساعةً! وما أشده مضضاً تُعانيه!
    وههنا ذكرى ما برحت ماثلةً في ذهني؛ وهي أنها لمّا طفقت تخبرني عن غِنى قريبها ورغد عيشه، أخذتُ أقول في سذاجة الصِبية:
    ما أسعده وأهنأ حياته! حسُن حظه وابتسم له قدره فملك الدّنيا!
    فزمّت شفيها أسفاً وقالت مؤنبةً:
    أما والله ما حسبتكِ تقولين مثل هذا الكلام! بل الويل وله الثُبور، خذي عني هذه الكلمة: «ويلٌ للمرءِ الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه»!
    فانصرفت من عندها والكلمةُ ترنّ في أذني: «ويلٌ للمرءِ الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه»!




    0 !غير مسموح

  10. #9

    تاريخ التسجيل
    Jul 2015
    المـشـــاركــات
    9
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ذات شِتاء


    قصة جميلة وممتعة واخذتنى في عالم كبير من الاحلام البعيدة فهي تحرك الحس
    وفيها وفاة والدها المؤثر جدا
    بارك الله فيكي وبالتوفيق

    0 !غير مسموح

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status