الفـــتــــاة و النيـــلوفــــر (الخُطى التالية)~
انتصف اليوم و رحلَت الغيوم البيضاء بعيداً إلى اللامعلوم،
كما ظلت لينا متجهة إلى لامعلوم آخر،
حتى رست لذكرى عاشرتها قبل أكثر من 4 أعوام ~
كانت نظرات مضطربة تُرمَق هنا و هناك على مائدة طعام العشاء
في الكوخ الذي يحتضن لينا و أسرتها
ليدفئهم من أن يصبحوا مشردين
كما يفترض بهم أن يدفئوا بعضهم البعض بالحنان
الذي لم يسبق و أن احتواهم جميعاً من قبل ...
تشاحبت الأجواء شيئاً بعد شيء،
و بات الجو جلاداً يشنق كل ابتسامة على وشك الخروج،
الصمت عمَّ المكان لفترة قصيرة...
بعدها انبثق شلال من حوار صاخب
و حديث مضطرب
من أفواه الجميع تباعاً باستثناء لينا
التي أخرَست الأجواء صوتها ~
انصتت لينا لكل الحوارات الساخنة الأولى،
بعدها صرِّفت إلى غرفتها حاملة كومةً ملغومة من النحيب،
سرعان ما سقط منها لثقله على قلبها
فبكت بكاءً مريراً دون أن يُشعر بها أحد
أو يحتوى أحزانها أيَّ قلبٍ حنون~
تباينت الأصوات في الخارج حيث عائلتها
بين صراخ و بكــــــــاء و الصــــــــمــــت،
في الحين الذي كانت فيه لينا ترتجف
خوفاً من مصير مجهول ينتظرها
كما كل فرد من الأسرة في الخارج،
و بينما كانت تحاول لملمة شتاتها بصعوبة
غرقت في نوم عميق بمعالم مجهولة المصير ~
صباح اليوم التالي....
عمَّ الصمت قبل أن ينفجر بركاناً
كان ساكناً طوال الليل داخل الكوخ،
لكنه سرعان ما لبث
و أن عاد صمتُ ظاهريٌّ المكان
برحيل شقيق لينا (بيتر) عن المنزل
كما فعلت شقيقتها الكبرى (ماريا) في اليوم السابق~
بعدها كل شيء تغير مع مرور الوقت…
صار والدها صعب المراس،
سريع الغضب،
كثير الحرص،
قليل الحيوية عن السابق،
و قليل البقاء في المنزل ~
أما والدتها،
فكثيرة النصح، كثيرة إزعاج،
كلما رأت لينا جالسة بمفردها
أخذتها بوابل من النصائح،
تعيد فتح الجرح الذي أرادت لينا
تطهيره من التعفن في قلبها دون فائدة ~
لينا الصغيرة،
عمدت الصمت،
و العمل طوال اليوم،
بإشغال نفسها هنا و هناك،
تفكر كثيراً في رحيل أخويها،
تتقلب في وحل من الألم،
يتعفن جرح قلبها دون أن تجد مطهراً،
فهو جرح بطيء الانتشار إلا أنه عميق التأثير...
يوماً عن يوم...
باتت لينا تفقد جزءاً من بريق عينيها
اللتين امتلئتا بالنبض و الحياة في وقت سابق،
ألتهم الجفاء الصادر من مشاعر الناس اتجاهها
و عدم قدرتهم على تكفيف أحزانها
جزءاً كبيراً من دفء باقٍ في قلبها،
فآثرت الصمت،
و ابتعدت عن أسرتها
فصارت تقضي اليوم في غرفتها
أو في الخارج بمفردها،
قليلة الاحتكاك مع البشر،
قليلة اللهو و اللعب...
هل لشيء أعمق من ألم عميق وجود؟!
أجل....
حينما نضمخل في مستنقع من التفكير الراكد اللامنتهي،
لعدم وجود قلب يستوطن آلامنا،
و يحتوي معاناتنا،
حينها يغرق الألم نفسه و ينتهي،
فيما تتجمع فقاعات كثيرة من التفكيرعلى القلب
و تشمِّع كل محاولة متفائلة تحاول الخروج،
العجيب في الأمر أنك تظل على حال هكذا
لفترة طويلة جداً
دون الشعور بالقدرة على الامساك
بغضن قريب و اخراج نفسك منه
رغم وجود الغضن على مرمى بصرك!!
مرت على لينا أيام أشبه بالكوابيس المتكررة،
و ذلك حينما تأتي ماريا برفقة عائلتها،
فتنزعج لينا منها كثيراً،
لكنها تصمت و تتلوى ألما،
و تحادث أختها بجفاء لكونها سبب كل ما حصل،
أو تخرسها بعبارة واحدة ~
تعالى نعيق الغربان المحلقة
في سماء زرقاءٍ بات لونها يتحول للأحمر
لحظة بلحظة
ليتحول إزرقاق السماء
لـ لونٍ بنفسجي مائلٌ للحمرة
مريحٌ للعين، ساحرٌ للقلب،
و زهرة النيلوفر البيضاء
عكست حمرة السماء
و تراقصت في مكانها
على ألحان يعزفها نسيم عليل بارد نوعاً ما،
يحذر من مباغتة الشتاء برقصة فجائية …
اقتربت لينا من النيلوفر عاشقة لونه،
متأملة مظهره،
حينما جاء صوت من خلفها لاهثاً،
و متعباً، و مرهقاً،
بالكاد تلفظ باسم لينا
و استجمع أنفاسه ليقول:
"لينا، بالله عليك أين كنت؟! بحثت عليك مذ رحلت و لم أجدك"
اتجهت لينا صوب الصوت
فإذا بها الفتاة التي تحدثت عن أحجية نقصان لينا من اللعبة،
تعجبت لينا وتسائل:
"فيكتوريا، ماذا تفعلين هنا؟! "
تقدمت فيكتوريا و لتسحب بيد لينا و قائلة:
"هيا، لنذهب"
قبل أن تسأل إلى أين و لماذا،
كانت فيكتوريا تسحبها بقبضة قوية،
فيم استمرت عيني لينا معلتقتين
بالزهرة إلى أن تلاشت من ناظريها ~
- فـكتوريا اتركيني، اتركيني و عودي أدراجك
- فكتوريا: "لا، لن أفعل"
- لن أذهب لأي مكان معك، اتركيني ورائك
تجاهلت فيكتوريا عبارات لينا، لتقول لها:
- قريباً سيحل شتاء ممطر، ألديك ما يدفئكِ؟! ألديك ما يحول بينك و بين البرد؟!
بقيت لينا صامتة.. أضافت:
- أتعلمين، نظن أن ليالي الشتاء باردة، ترتجف أجسادها الهزيلة باكية و خائفة في كل ليلة عاصفة، نتشائم لتساقط الأمطار طوال اليوم بل أحياناً لأيام متتابعة! لا نشتهي إلا مراقبة الشباك و عد قطرات المطر، لكن و دون أن نشعر يحتضننا الربيع بدفئه، و تنسينا جفاء الشتاء... لينا، ألا تحبين الدفء؟ ألا تنتظرين الربيع!!
- حكاية الربيع كما حكاية الخريف و الصيف، جميعها تشبه حكاية الشتاء، نعيش في موطن لا فصول له، لا دفء فيه، برد قارص يتعلتي الشفاه، كما باطن القلب ~
- لــيــــنا، تحرري من قيودك، غيري و انطلقي، الشتاء لا يدوم، لابد أن يحل الربيع …
- فيكتوريا، إني أسيرة فيه، مهما خرجت من قبضته، أجدني لا أزال محـبوسة في قبضان أخرى لا تنتهي~
- كل ما عليك فعله الآن هو إغلاق عينيك فأخذ نفس عميق، ثم فتح عينيك و النظر للأمام ~
فعلت لينا ما أخبرتها فيكتوريا عنه،
و دون أن تشعر أحكمت فيكتوريا قبضتها و أنطلقت بلينا للمدرسة ~
في كل مرة توارت فيها أفكار مضطربة،
طردتها لينا بتنهيدة طويلة،
لكنها لم ترفع بصرها ليتسقيم نظرها،
كانت مطرقة الوجه،
شاحبة الملامح،
كلما حاولت خداع نفسها بالابتسام
أصيبت بالسوء لنسيانها كيف تبتسم بالأساس!!
عمق الإيمان بشيء ما ينبع في المرء بسبب عمق التفكير به،
و قوة الشعور به و تحسسه...
بقوة أبعاد الألم في دواخل لينا
لم تتمكن قط من التخلص منها،
و بسبب عمق تفكيرها فيه
وقعت في دوامة لامتناهية من الآلام الصغيرة،
آمنت أنها لا تستحق الابتسام،
و لا تستحق الحنان،
لا تستحق العيش بالمشاعر،
تجردت من الشعور بالرغبة في كل شيء،
فقدت كل مشاعرها الظاهرية واحداً تلو آخر،
و هي موقنة حق الإيمان أن العيش هكذا هو أفضل عيش!!
قاطعت فيكتوريا حديث لينا لذاتها:
- " لـــيـــنــــ ... "
انتبهت لينا تجاوزهما لأسوار المدرسة و
وصولهما للصف
حيث و للمرة الأولى كان الجميع متواجداً بهدوء،
و بصوت واحد اعتذروا لها ~
اختلطت اللامشاعر التي تعتقد لينا وجودها
بالمشاعر التي آمنت اختفاؤها،
لمع بريق عينيها بالدموع
لكنها سرعان ما كذبت على نفسها
و قالت أنها لا تحتاج لأن تذرفه فأمسكته،
لكنها لم تنجح في منع ابتسامتها الحقيقية من الخروج ،
أخذت نفساً قبل أن تطلق عبارة صادقة فحواها:
" لنذهب للعب من جديد في المرة القادمة " ~
تبادلت الابتسامات هنا و هناك،
نظرت لينا لفيكتوريا،
فابتسمت الأخيرة برقة،
فتهمس الأولى:
" فكتوريا لنمضي... "
بحيرة تسائلت فكتوريا:
" إلى أين؟! لقد وصلنا للتو" ~
- هناك ما علينا شد الرحال إليه، رحلة طويلة لا أعرف من أين تُبتدأ؟ لكن مصيرها واضح ~
-.....؟!
- رحلة التغيير هي كلُّ ما أريد المضي نحوه ~
سعدت فيكتوريا بقرار لينا
و احتضنتها بعبارات التشجيع
والسعادة و هي تمد بيدها لـ لينا قائلة:
- سعيدة لأجلك، أنا و كل الرفقاء الذين يهدفون للسعادة سنكون معك، سنساندك، سندعم هدفك، ثقي بي، و هاتِ يدك ~
ترددت لينا قليلاً لتستجيب لفيكتوريا و هي تشعر بالراحة ~
يُــــــــــتــــــــــبـــــــــع مع فصل جديد ~
ملاحظة:
شكر عميق لكل السعادات التي تمنح دافعاً و حماساً لأن تُسكب الحروف في سطور فارغة، رغم غرق صاحبة الحروف في كومة هائلة من الأوراق المسطرة من المنهج الدراسي، و الأعباء المتراكمة، و عقل مليء باللغة والعلوم و صخب الحياة ~
و كما دائما أقول/ بالنقد نحسن مهاراتنا ~


رد مع اقتباس


المفضلات