بيسة الرعب (الحلقة الثالثة)
يقولون إن البيسة ظريفة لطيفة، وعلى القلب خفيفة! وكثير من البنات يدللن طفلاتهن بـ(البيسة)، بل وتفرح أية بنت منهن، وهي صبية لا طفلة، إذا دللها أحدهم بـ(البيسة)، ولا أعلم لماذا! لكني أعلم يقينًا أن قلبي (المسكين) كاد يتوقف أكثر من مرة بسبب هذه البيسة الناعمة الظريفة اللطيفة، إلخ!
ذات أمسية في ماضي الزمان البعيد، طلبت مني الوالدة _ رحمها الله تعالى _ أن أنزل لأرمي كيس نفايات في البرميل المخصص لذلك، ونفذت طلبها فورًا، ولكنْ، ما إن اقتربت قليلًا من البرميل حتى اضطررت إلى التوقف مشمئزًا بسبب ما يفوح منه من روائح مزعجة، إذ يبدو أن البلدية كانت في سبات عميق، ولم تقم بإفراغ الأكياس منه، ويبدو كذلك أن بعضها قد تحلل، ولكن لا علينا من هذه التحليلات والاستنتاجات، رفعت الكيس لألقيه بقوة في البرميل، وفي اللحظة التالية أحسست بأنني أكاد أصاب بالشلل!
لقد عاد الكيس الأسود يطير من داخل البرميل، وقد تقلص حجمه! بل ويطلق صرخة بصوت غريب جدًا، كدت أظن أن كيس النفايات الذي أحمله يسكنه عفريت مثلًا! ولم يفرح العفريت بإلقائه داخل برميل النفايات، مع أنه يفرح بوجوده داخل الكيس، فعاد يقفز وهو يصرخ غَضَبًا!
دارت هذه الأفكار في ذهني ربما خلال أقل من ثانية واحدة، إذ انطلق ما ظننته كيس النفايات نحوي ليواصل طريقه وصراخه، وأنتبه هنا إلى أن هذا العفريت التعيس ليس أكثر من بيسة كانت تنام، أو ربما تبحث عن طعامها، في برميل النفايات حينما نزل عليها ذلك الكيس، فوثبت مطلقة مواء بصوت منكر لِتَفِرَّ بنفسها، مسببة لي هذا الرعب المزعج!
عدت إلى البيت، وما كدت أدخل حتى كاد قلب أمي يقع من مكانه، وهي تراني أتصبب عرقًا، رغم أننا لسنا نعاني البرد، وقد حاولت أن تعرف ماذا أصابني، ولكني لم أجبها بشيء بادئ الأمر، فسألتني هل كنت أركض بأقصى سرعتي مثلًا ذهابًا وإيابًا حتى أتصبب عرقًا بهذا الشكل الغريب؟ ولم أكذب عليها وأجيبها بالإيجاب، وقررت أن أخبرها بالحقيقة، فَتَمْتَمْتُ بصوت منخفض:
_ لقد أخافتني بيسة كانت...
وليتني لم أتكلم! لم تمنحني أمي الفرصة قط لإتمام ما أقول، إذ هتفت مستنكرة:
_ شاب مثلك، يقترب من العشرين، يخاف بيسة؟ شاب مثلك، تخيفه بيسة؟ ولو!!
وحاولت مرارًا أن أقاطعها لأشرح لها لكنها لم تستمع، بل والمصيبة الحقيقية ليست هنا، بل بإخبارها أخوالي وخالاتي اليوم التالي بأنني رجعت أمس إلى البيت راكضًا أرتجف لأنني رأيت بيسة في الطريق، ويا لسعادتي الغامرة! يا لبهجتي الكبرى لهذه السمعة الأسطورية حول شجاعتي!!
ولا أخفيكم سرًا أنني أخاف الكلاب كثيرًا، لتجارب مريرة لي معها، ولن أتكلم عنها هنا، إذ سبق وعرضتُها في (حكايتي مع العوعو)، أما أن يتهمني أحد بأنني أخاف القطط، فهذه كارثة حقيقية، ولكن لا علينا، ولكن في أحد الأيام، تسببت بيسة لي بموقف رعب مع كلب! وهل يُصَدَّق أن بيسة (تتحالف) مع كلب لإخافة ابن آدم؟!
في ذلك اليوم، بل في تلك الأمسية، كنت راجعًا إلى بيتي بعد صلاة العشاء، والدنيا ما بين العتم والضياء، لذا استطعت أن أميز على مسافة بعيدة نسبيًا كلبًا يمشي على مهله، كأنه يتمشى في أرض يملكها ولا نعلم! أبطأتُ سيري قدر الإمكان، وأنا أتمنى أن يتابع الكلب طريقه، ولا يتخذ من طلعة بنايتنا له طريقًا، ولكنه _ يا لحماقته! _ أخذ طريقه فيها من دون تردد! وأنا أتابعه من بعيد بغيظ، ولكنْ، ماذا أفعل؟ هل أبقى في الشارع حتى اليوم التالي؟ تابعتُ سيري بأبطأ ما أستطيع، كأنني أتقمص دور طفل يتعلم المشي حديثًا! وإذ وصلتُ إلى أول الطلعة، نظرتُ بتركيز فيها، فلم أرَ للكلب أثرًا، بل رأيتُ ما أثلج صدري!
لقد كانت هناك بيسة تمشي متغندرة في الطلعة وعلى مهل مهلها، ما وقر في نفسي أن الكلب تابع في الحقل الكبير يمينًا وأخذ طريقه بعيدًا عني، وإلا كيف يمكن أن تمشي البيسة بهذا الهدوء بوجود كلب؟ أمر مستحيل لا يصدقه العقل طبعًا! وزاد في ارتياحي أن البيسة دخلت مدخل بنايتنا، وانتظرت قليلًا لأرى النتائج، هل ستخرج وهي تموء مرعوبة أم لا؟ لم يحصل هذا لحسن الحظ _ كما ظننت _ فدخلت مسرعًا بجرأة، لأتوقف مكاني، وشهقة عنيفة تخرج مني رغمًا عني، شعرت معها بأن روحي تكاد تخرج من جسمي، إذ مَرَّ كلب بسرعة كبيرة بجانبي تمامًا حتى لم يكن ينقصه إلا أن يصعد على ساقي، وإن لم يفعل ذلك بفضل الله، ولكنْ تخيلوا ماذا رأيت!
البيسة واقفة قربنا بكل هدوء، وكأنها لم تَرَ كلبًا حينما دخلت، ولم تَرَه الآن كذلك! وجدتُ نفسي أسألها بغضب شديد:
_ هل أنتِ مسطولة؟ آه؟ قولي!
ظلت البيسة واقفة في تناحة غريبة، كأنها مصابة بإحدى الحالتين، الصمم أو الخرس، أو كلتيهما، إضافة إلى العته المنغولي طبعًا، ما جعلها تظن الكلب الكبير المخيف قطعة زبدة مثلًا! لم نقل قطعة جبنة لأني لا أظنها قد عضته ظنًا منها أنها تأكل الجبنة
