بدأنا الجزء الثاني من الموضوع أخيراً , والذي كان يُفترض أن يكون هو الجزء الأول أصلاً !

كالعادة لن أتحدث عن الذي أكتبه دائماً في خانة - في الدرس القادم - , دائماً أشعر بأنني تسرعت في كتابة موضوع الدرس التالي ^ ^"

نعود لـ درس اليوم وهو – الديموقراطية - , فقبل الحديث عن أي ثقافة معاصرة ( والتي تشترك جميعها في الإيمان بـ الديموقراطية ) ، فلنتعرف عليها أولاً كـ نظام وضعي .. مؤكد أنه لا مثالي ولا يصلح للبشر , ولا للمسلمين خاصة !

أي فـلنبدأ بـ الديموقراطية كـ عامل مشترك لـ كل الثقافات المعاصرة ، ثم نتكلم عن الثقافات نفسها والإختلاف بينها ..



وأنا بـ إعتقادي أن درس اليوم يستحق بـ الفعل أن يُقرأ بـ شيء من الهدوء والتأمل !















في العادة عندما أناقش الديموقراطية مع أحد , أو أتكلم عنها ، يكون في الاصل من منظور ديني ، وكيف تتعارض الديموقراطية مع الدين , لكن اليوم أريد الحديث بـ طريقة مختلفة .. أي أن نتكلم عن مساويء الديموقراطية بـ شكل عام كـ نظام وضعي مليء بـ العيوب ، ولا خير سيأتينا من وراءه !

أي لن أتحدث من منظور ديني , أو حتى رأي الإسلام فيها !!



ولا يعني هذا أن البديل للديموقراطية هو الديكتاتورية ، أو حكم المستبدين ، فنحن لسنا أوروبا التي لم تعرف بديلاً للديموقراطية إلا الفاشية والنازية والستالينية , واستبداد وظلم الكنيسة !!


فـ الغرب لا يعرف للديموقراطية بديلاً , لذا لا يمكن مناقشتها معهم إلا بـ تقديم البديل الإسلامي ( الشورى ) ..

لذا يقول ( رازينجر ) منظر السياسة في الفاتيكان :


" وعلينا اليوم أن نحذر الإسلام أكثر بكثير مما مضى , فهو اليوم بعود من أعماق التاريخ لـ يقدم بديلاً عن نظامنا المشبع بـ النصرانية "












نعود الآن للديموقراطية نفسها ..

نبدأ أولاً بما تقوله الرأسمالية عن ديموقراطية الشيوعية ، وما تقوله الشيوعية عن ديموقراطية الرأسمالية !






رأي الشيوعية في الديموقراطية الرأسمالية


الدول الرأسمالية ليست ديموقراطية بـ المعنى الصحيح ، لأن الحكم فيها هو في الحقيقة , بيد الطبقة الثرية ، وأن المصطلح الحقيقي لها هو " ديكتاتورية رأس المال " .







رأي الرأسمالية في الديموقراطية الشيوعية



الدول الشيوعية ليست ديموقراطية , لأن كل سلطانها ينحصر في قبضة قلة قليلة واحدة من الشعب .. هي " الحزب الشيوعي " .















أما عن عيوب الديموقراطية .. فـ دعونا نبدأ :







1 – القضاء على وحدة الأمة




وذلك عن طريق تقسيمها إلى تكتلات وأحزاب تعادي كل منها الأخرى وتعارضها بـ سبب أو من دون سبب , وليس كما قال أبو بكر – رضي الله عنه - : وإن أخطأت فـ قوموني ..








2 – تساهم في صنع طبقة ثرية مسيطرة



ويتم هذا عن طريق تطويع نواب الشعب للعمل لـ صالح الأثرياء ( إن لم يكونوا هم أنفسهم من الأثرياء ) ، فتُسن قوانين تعمل لـ صالح الأغنياء دون الفقراء ، فيزداد الأغنياء غنى ، والفقراء فقراً !

وهذا العيب نفسه ينتج عنه عيب آخر له علاقة بـ الأول , حيث تنشأ الأحزاب اليسارية لـ تهاجم الدولة على سياستها المنحازة للأغنياء ، مما يساهم في صنع إمبراطوريات مالية ضخمة تُحرك الدولة , عن طريق ضغوط الطبقة المحتكرة ..

كما حدث في حرب ( فيتنام ) .. حين كانت المظاهرات تخرج يومياً إعتراضاً على الحرب وعلى ضياع أموال الضرائب , ودماء أبناءهم بلا طائل ، في حين كانت الدولة ترضخ لـ سلطة الطبقة الرأسمالية التي تملك مصانع السلاح , والتي كانت المستفيد الوحيد من هذه الحرب !


أي أن السياسة هنا تحكمت فيها الطبقة الرأسمالية لـ حسابها , على حساب الفقراء ودماء ابناءهم !


وقصة كنيدي شهيرة جداً حين إنحاز للفقراء , وبدأ بـ معارضة ضغوط ديناصورات الرأسمالية ، وإنتهى الأمر بـ إغتياله ، وإغتيال المتهم بـ إغتياله , ثم موت من إغتال المغتال !!







3 – تزييف وتطويع الرأي العام



وذلك عن طريق وسائل الإعلام التي تحتكرها الطبقة الرأسمالية ، وتقوم وسائل الإعلام بـ توجيه الرأي العام والتلاعب به ، مثلاً في الإنتخابات الأخيرة تم تصوير أوباما في وسائل الإعلام على أنه البطل الذي سيصنع التغيير المنتظر ، فتناسى الشعب أنه ربما لونه مختلف !


وكما يقول أحدهم : كانت لعبة لـ ينبهر العالم بـ الديموقراطية الأمريكية , التي تسمح لأي شخص مهما كان أن يترقى في المناصب ويصبح رئيس , مهما كان مختلفاً ، ولـ ينسوا قليلاً وجه أمريكا الآخر الذي آلفوه في عصر بوش !!








4 – عدم تجاوب أغلب الشعب مع الإنتخابات



تقول الإحصائيات أن أكبر نسبة مشاركة للإنتخابات في أمريكا كانت 66 % من الشعب ، - شاهدوا اليوم نسبة المصوتين في إنتخابات الجزائر – على سبيل المثال في ديموقراطية ليست ديموقراطية !

أي أن الإنتخابات غالباً في كل الدول الديموقراطية تكون نسبة المصوتين فيها أقل من نصف الشعب ، أي مرة أخرى تتحكم الأقلية في الأكثرية !!

يلاحظ مثلاً في سويسرا لا يُسمح للنساء بـ الإنتخاب ، وبعض الولايات الأمريكية وأيرلندا لا يُسمح بـ غير البيض في التصويت ..


إذاً .. المصوتون في الإنتخابات ينحصرون دائماً على فئات معينة ، وليس على كل الشعب !








5 – القضاء على الميزات الفردية




وهو أبشع ما في الديموقراطية !!


فلأن الديموقراطية تعني أن الكل متساوي , فهي تقضي على الميزات الفردية ، فكما يقول ( ببير جوزيف ) : الديموقراطية هي طغيان الأغلبية !


ففي موضع آخر يوضح الدكتور ( سفر الحوالي ) مفهوم القضاء على الميزات الفردية , في مثال فـ يقول :

" عند الإقتراع على قضية إقتصادية مثلاً , يكون نصيب عالم الإقتصاد الضليع صوت واحد فقط ، وهو نفس صوت الجاهل أو متوسط التعليم " !


أي أن الأغلبية التي تنجر خلف عواطفها , والتي يتحكم فيها الإعلام ، ستكون هي من يحسم أي إنتخابات , وليس المثقفين أو الخبراء أو الأكثر وعياً .. لأن الكل متساوي , فلا قيمة للعبقرية الفردية !!








6 – تعارض المصالح الفردية مع المصالح الجماعية



أكبر مثال على ذلك نقابات العمال , التي تحصل على اصوات العمال عن طريق إعطاء وعود لهم بـ رفع الأجور ..

وحين تحصل على أصوات العمال , تطالب الدولة بـ رفع الأجور دون سبب حقيقي , فتضطر الدولة إلى رفع أجور العمال ، وبـ التالي ترفع الأسعار .. ورفع أسعار السلع والمنتجات لا يكون فقط على العمال , وإنما على كل فئات الشعب الأخرى ، والتي لم ترتفع أجورها هي الأخرى !!

فتتعارض مصالح الجميع , وكل يعمل لـ مصلحته الخاصة ، دون الإلتفات للمصلحة العامة .. سنناقش هذا أكثر حين نتحدث عن ( آدم سميث ) !









7 – عدم وجود سياسة متجانسة لـ فترات طويلة




متوسط الحكومات في العالم الغربي بـ حسب الإحصائيات هو 8 أشهر ، وكل حكومة تأتي بـ تصور جديد وسياسة جديدة ، ومنهج جديد وثوابت جديدة ، بسبب أن كل حكومة تأتي .. تكون على الأغلب معارضة للحكومة التي قبلها ..

وعلى هذا .. فـ الفرد نفسه لا يتغير مع الحكومة ، فأحياناً تكون مواطن متحمس لـ حكومتك ، وأحياناً تجدها تعارض كل أفكارك وإتجاهاتك .. فتعمل لـ مصلحتك الشخصية ، وهو ما يُسمى بـ " المنافسات الحمقاء بين المواطنين " !!







8 – البطء في التقدم على مستوى حياة الجماهير




مثلاُ في أمريكا إستغرق الأمر منهم 86 سنة لإلغاء العبودية ، و 144 سنة لكي تُعطى المرأة حق الإنتخاب ، 189 سنة للسماح للسود بـ حق الإنتخابات !!

كما أن الشخص المسلم إلى سنة 1939 , لم يكن يُسمح له أن يكون مواطن في أوروبا لحمل نفس حقوق المواطن العادي ، فهم متأخرين جداً في المواطنة أو التعددية عنا بـ مئات السنين ..

أي أن القرارات الجماهيرية لا تصدر بـ قرار وينتهي الأمر ، لكن تحتاج لـ عقود طويلة حين يأتي الإتفاق عليها !!




لمن يرغب بـ البحث عن عيوب أخرى .. سيجد الكثير , ولا مشكلة لو أضافها للموضوع ^ ^














لهذا نجد أن ( جوزي ساراماغو ) – الحائز على جائزة نوبل – يقول :

" العالم اليوم يعيش في عصر يمكننا فيه , أن نُناقش كل شيء الا الديمقراطية ، فـ العالم أصبح يتحكم فيه الأثرياء والمنظمات الاقتصادية "




وأخيراً يقول أحدهم :

هناك عداء شديد بين الديموقراطية والإسلام ، فـ الديموقراطية كنظام لا يتفوق عليها إلا الإسلام كشريعة .. والشورى كمبدأ !














صحيح الـ ( بلوتقراطية ) : تعني سيطرة الطبقة الرأسمالية على الحكم .




أشعر بـ الدوآآآآر











الدرس القادم


نظريات إقتصادية لا دينية !