فى البيت ...
جلس عمر مطأطأ الرأس حزين
رفع رأسه ببطء وقال بألم :
لماذا مات؟
تعجب عمر من نفسه
لأول مرة يتكلم بهذه الطريقة,
كيف ينطق لسانه بالفصحى وكأنما لم يعرف غيرها فى حياته
فى لحظة واحدة نسى كل ماضيه,
وكأنما عاش حياته كلها على هذه الأرض,
فى لحظة واحدة انقلب عقله وقلبه ولسانه,
ليتحول الى ذئب شيشانى
فى لحظة واحدة نسى عمر الديب ليعيش عمر ديساروف
التفت اليه الأب ببطء : مالك لم يمت ..انه شهيد
عمر وكأنه لم يسمع :
لماذا قتلوه؟..
لماذا مات بهذه الطريقه؟
تنهد الأب بحراره وقال : لأنه أراد ذلك
هب عمر من مكانه وقال بانفعال :
لا..لم يكن يريد الموت,
كان يحب الحياة بجنون..
لقد عشت معه أياما طويله
تشاركنا فيها الطعام والشراب, الألم والسعاده ..
كان يحكى لى أحلامه..
كان يحلم ببيت صغير وزوجه جميله وأطفال..
لماذا لم يحقق حلمه؟
الأب بهدوء : ومن قال أنه لم يحقق حلمه؟ .
لقد اتخذ أقصر وأسرع الطرق لتحقيق الأحلام...
لقد مات شهيدا من أجل الوطن
يصرخ عمر :
اللعنه على الوطن ..أى وطن هذا ؟
الأرض ...البيوت ..الجبال؟ ..
مالك أغلى من كل هذا..
لماذا نقتل من أجل وطن تموت فيه الأحلام؟
الأب بقوه : عندما يستباح الوطن ..يستباح كل شئ ..
وتصبح الدنيا سوق كبير للنخاسه
فيه الإنسان أرخص من تراب الأرض
أتاه صوت زهرة الحزين :
لقد آثر مالك الموت على حياة أرخص من التراب..
لقد نال ما تمناه ..أنا سعيده لأجله
عمر بدهشة غاضبة :
أتقولين هذا؟
وهو الذى كان يحبك أكثر من أى شئ ؟
لقد كان يتمنى زوجة مثلك
زهرة ودموعها تسيل على خديها :
وأنا أحبه وسأفتقده كثيرا ..
ولكن لا يجب أن يتحول الحب الى أنانية وقيد لمن نحب
فنحن لا نحزن عليهم بقدر ما نحزن لأنفسنا,
نحزن لفقدنا لهم ووحدتنا من بعدهم..
ان كنا نحبهم حقا فيجب أن نتخلى عن أنانيتنا
ونتمنى لهم السعادة التى لم ينالوها فى هذه الحياة
لقد نال مالك أقصى ما تمنى ..
الشهادة مثل أخوينا وأمنا
عمر بدهشة :هو الذى أخبرك بهذا؟
زهرة :
لم يكن بحاجة لأن يخبرنى حتى أعرف ما يفكر فيه ...
انه أخى
التفتت اليه وقالت : انت أيضا كنت تعرف
انتفض بغضب وهتف قائلا :لا ..لم أكن أعرف
زهرة بشجن حزين :
بلى كنت تعرف ..
لكن بداخلك طفل عنيد يخشى أن يصدق الحقيقة
صمت عمر تماما ولم يستطع أن يرد ..
وكأن زهرة قد كشفت كل ما فى نفسه ..
وطال صمته وهو يفكر بعمق..
وفجأه هب من مكانه وفتح الباب
فاصطدم بوجهه الهواء البارد وسمع محمد يقول :
عمر .. الى أين تذهب ؟
عمر بغضب : سأثأر له ..يجب أن يدفعوا الثمن غاليا
محمد : وكيف ستطفئ نيران ثأرك؟
تقتل عشرة ..عشرون ..مائة؟..
وبعد؟
لن يحقق هذا ما كان يحلم به مالك
محمد بهدوء :
ما لهذا نحارب.... فهدفنا ليس الإنتقام ..
الحرية يا ولدى ..
اننا لا نسعى الى الإنتقام ..بل نسعى الى الحرية
وهذا هو مالايريدونه لنا

رد مع اقتباس

المفضلات