(19)


حمله فوق كتفه وانطلق يجرى به بعيدا

كان الخوف يعبث بقلبه

لقد عادت اليه الآلام من جديد.. وكأنما لم تمر السنون,
وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة الأليمة

لحظة موت مالك


أول ألم شعر به فى حياته.. وأقسى ألم

وبرغم سيل الآلام التى عاناها عبر حياته القصيرة

الا أن المرة الأولى تبقى دائما هى الأشد والأقسى على النفس والروح



ما أشبه اليوم بالبارحة !

أعادت اصابة جوهر الى عقله حادثة استشهاد مالك..
وكأنما حدثت الآن

أخذ يسترجع ما حدث..



لقد تم الهجوم على موقع كتيبته ومحاصرتها فوق الجبل

لكن جنوده المجاهدين قاتلوا بشراسة واستبسال لفك الحصار

ونجحوا أخيرا فى دحر الروس
الذين تراجعوا تحت وطأة نيران المجاهدين

وتفقد الذئب رجاله..
ليجد جوهر مسجى على الأرض وصدره ينزف بغزارة..
وأحمد يحتضن رأسه,
ويضع يده على صدره محاولا ايقاف النزيف


نزل على احدى ركبتيه وقال لأحمد بقلق :
كيف حاله؟

قال أحمد والخوف يملأ عينيه :
اصابته شديدة

نظر الذئب فى وجه جوهر الشاحب..
وعقد حاجبيه بقلق

أحمد :
علينا نقله الى المستشفى على الفور

بدأ الشرود يحتل عقله
وهو يستمع الى جوهر بصوته الواهن:

لن يجدى.. لن يسعفكم الوقت بعد أن دمروا السيارة,
والطريق الى المستشفى طويل
لدى طريق أقرب بكثير..


احتضن السماء بعينيه وقال بابتسامة شاحبة :

طريق الجنة


اعتصر الذئب عينيه بقوة.. وهز رأسه,
وكأنما يريد ابعاد صورة ما تصر احتلالها


فتح عينيه ليجد أمامه وجه آخر..
وجه يألفه ويحبه كثيرا

أشاح بوجهه وأغلق عينيه بألم..
وهو يحاول باستماته أن يبعد عن عينيه ملامح مالك
التى احتلت قسرا وجه جوهر

مما جعل جوهر يقول بحزن :

هل ملامحى قاسية الى هذه الدرجة؟
رغم كل شئ.. كان العمل فى فريقك
هو أفضل شئ حدث لى على الإطلاق..

لقد كانت الأيام التى قضيتها بصحبتك
من أفضل الأيام التى قضيتها فى حياتى..

لقد علمتنى الكثير ....
كنت أعلم أنك فى النهاية ستقودنى الى الجنة



عجز عمر عن تحمل كلمة اخرى

أخذ نفس عميق.. وهز رأسه بقوة,
وأجبر نفسه على النظر فى وجه جوهر,
وحاول أقصى جهده استعادة ملامحه الأصلية


فجأة.. أطبق بيده على ملابس جوهر
وهو يقول بغضب :

لازال الوقت مبكرا يا فتى..
أتظن أن الوصول الى الجنة بتلك السهولة؟
عليك أولا أن تدفع مهرها


رفعه عمر بذراعه
وحمله فوق كتفه ..وجوهر يتأوه

هتف أحمد بدهشة :

الى أين تأخذه؟
الطريق طويل... لن تقدر


قال بعزم :
فعلتها من قبل
والآن.. على أن أحاول من جديد