بسم الله الرحمن الرحيم
في يوم من الأيام .. استيقظت من بين النيام ، على هاتفٍ محمول ، يرن كالمخبول .. سألت المحمول: "ما بك أيها المهبول ولم تصرخ كالمخبول ؟؟" .. قال لي: "فلانٌ يتصل بك" .. ضغطت على "السماعة" لأسمع من السماعة...
"السلام عليكم .. يا عبدالرحمن"
"وعليكم السلام .. ورحمة الرحمن"
"المحقق عبدالرحمن ؟؟"
"أجل يا فلان"
"نحن بحاجة ماسة إليك يا سيدي في الحال فقد ضعفت الحيلة واستصعب الكلام ، وصعبَ الحوار ، واشتد الحرار ، وتوقف الوقوف ولم نتمكن من الجلوس فبدأ الملل بالظهور والأمل بالاختفاء كحلول الليل وغروب النهار إلى أن مل الملل منا من شدة مللنا"
"ماذا هناك يا فلان ؟ ولم تصرخ كأن فأرًا أصبح يشاركك الفراش في هذه الساعة المتأخرة من النهار الأسود اللون ؟؟"
"ليته فأر يا سيدي .. إنه العمل يا سيدي !! نحتاج إليك على الفور"
"العمل ؟! سآتي إلى المركز حالًا !! عشر دقائق وثانيتان وسأصل إلى المقر ، قد تصل إلى عشر دقائق وأربع وخمسون ثانية .. إذا كانت ثالث إشارة ضوئية في طريقي مزدحمة ، إلى اللقاء"
مقر قيادة الشرطة...
وصلت إلى المقر وقابلني فلان..
"أهلًا فلان، ماذا لدينا اليوم ؟"
"مشتبهان حاليًا .. وصلتنا مكالمات من عدة ضحايا مفادها أنهم كانوا سببًا لحزن غيرهم لدرجة أن بعض الضحايا سعوا للموت ليرتاحوا من أذيتهم ، كل واحد منهم في غرفة استجواب منفصلة"
"هل توجد أدلة ضد المشتبهين ؟؟"
"هناك شهود"
"إذن ، أعطني قائمة بأسماء الشهود وبحث عن درجة صدقهم ؟؟"
"لا تحتاج لقائمة ولا القائمة تحتاج لشهود إضافيين؛ الضحايا هم كل البشر ومن لم يكن من الضحايا ماضيًا فسيكون منهم مستقبلًا"
"كل البشر كشهود ضدهم ! إذًا الجريمة ثابتة عليهم بلا شك .. سأتفاهم معهم كعادتي في الاستجواب"
"لكن المشكلة هي العصابة ليست سهلة لهذه الدرجة يا سيدي"
"وأنا لست سهلًا أيضًا .. دلوني على المشتبه به الأول سأبدأ به وسأنتهي به بعد أن أجعله عبرة لمن يعتبر إن لم يتجاوب مع إستجوابي ! سأجعله يتذوق طعم الرصاصة الطازجة من هذا المسدس إن لم يحترم نفسه ! ثم سأطبع ختمًا على جبهته"
"لكن سيدي المادة رقم 157896455896/7675687632134 - البند العاشر عشر عشرطاشر وعشرمئة ينص على ..
"أن "س" عندما تنتمي لـ "ط" يستحيل أن تكون "صفر" ، صحيح ؟ خخخخخ .. لست بحاجة لتذكيري بالقوانين التي تتحدث عن حقوق الإنسان وإلى آخره أيها الملازم فأنا أحفظها عن بطن مخ"
"لكن سيدي ، الحوار يجب أن يكون ..
" "الحِوار حِمار وسوف أحوِّلك إلى بهار" ! ما رأيك في هذا المثل ؟ دلني على غرفة استجواب المشتبه به فقط قبل أن يدخل العجين في الشعر ويجن جنوني وتنفجر حواسي ثم أريك فنوني فتكون أنت أول الضحايا في النهاية"
"أ .. أ .. كنت أمزح معك فقط يا سيدي آ ههههه ، الغرفة هناك ؛ رقم 0515"
أمام الغرفة 0515...
داهمت غرفة الاستجواب معي سلاحي ثم اقتحمت الغرفة ! "لا أحد يتحرك وإلا سأفتح فتحة للتهوية في رأسه" ... ماذا ؟؟!! المشتبه به الأول فتاة ؟! إنها فتاة جميلة وفاتنة..
"السلام عليكم"
"وعليكم السلام"
"المعذرة على اقتحام الغرفة بهذه الطريقة .. آ .. ظننت أن المجرم الذي هرب من السجن الأسبوع قبل الماضي موجود هنا ... آ .. سأذهب للخارج قليلًا ؛ لقد نسيت كوب الشاي"
خارجًا..
"أيها الفلان ! لماذا لم تخبرني أن المشتبه به فتاة ؟؟!!"
"وما المشكلة في هذا .. يفترض أن تفرح لأن الاستجواب سيكون أسهل ، إذا كان المشتبه فتى فقد تصب كل جسمه بالرصاص ويبقى عنيدًا لا يعترف بالعٌ للسانه ، أما الفتاة فرصاصة في يدها أو قدمها كفيلة لأن تنقلها إلى العالم الآخر"
"هه ، وما الفائدة من إصابتها إن كانت ستموت قبل أن تتفوه بشيء ؟؟ كل ما سيحدث هو أنك ستحصل على وسام "ارتكاب جريمة نكراء" ولن تجني شيئًا مفيدًا .. القوة لن تنفعك مع فتاة ضعيفة لابد من استعمال الذكاء"
"إذًا الاستجواب أصبح أسهل الآن مع استعمال الذكاء لأننا هذه المرة لن نستعمل العنف في تزويدنا بالمعلومات وإجبار المجرم على الإعتراف بجريمة بسبب وجود الأدلة"
"أبله .. بالفعل الأمر ليس مجرد تحرك إصبعك فتضغط على الزناد ثم سماع صوت العيار وترى ضوءًا أصفر اللون .. الأمر يقتضي أيضًا خروج دم وظهور جثث وإزهاق روح بشرية مثلك تمامًا ، هناك أمور لا تحل بالعنف وتعاملك معها بالعنف يعني أنك جان على نفسك وإذا تعامت معها بالعنف فستحصل على نصيب من الضرر ولن تحصل على مرادك .. يجب استخدام سلاح الذكاء أولًا وهو السلاح الأصعب في الاستعمال وليس كما تعتقد أنت وأمثالك فهو الوحيد الذي سيجعلك تحصل على ما تريد ، ليس مجرد تحريك اصبع وضغط على زناد بل تحريك كل الأعصاب والتفاعل والتحكم في كل شيء مع ضبط كل كل شيء حتى الملامح بأكملها ! من ابتسامتك أو عبوسك وحتى طريقة تحريك عينيك .. يجب اختيار الوقت المناسب لكل حركة أمام الخصم حتى تنجح ، وأحيانًا يكون الذكاء مجرد تفكير قمت به بطريقة صحيحة قبل فعل شيء ما"
"ماذا نفعل الآن ؟"
"أعطني تقارير بالقضية ، سأدخل إلى الغرفة الفِضيُّة حيث يبدأ الاستجواب والناس نيام وأنا صحيان >_< والله المستعان"
غرفة 0515...
دخلت إلى الفتاة الحسناء مرة أخرى ، في الغرفة الفضية حيث كل شيء فضي .. الكراسي والطاولة والزجاج...
"السلام عليكم"
"وعليكم السلام"
"أهلًا .. أنا المحقق عبدالرحمن مـ .."
"المحقق والنقيب عبدالرحمن آل رسلان ، منقب عن الحقيقة .. تعمل لصالح وزارة الداخلية وتحت سلطة غير مباشرة من وزارة العدل ..."
"جميل .. ثقافتك عالية المستوى .. هذا سيوفر علينا بعض الوقت"
"هَهْ..."
"أود طرح بعض الأسئلة عليك إن لم يكن لديك مانع ، أو كما نسميها بالفصحى .. استجواب "
"..."
"كيف حالك ؟"
"حال الدنيا"
"إذًا كيف أحوالك ؟"
"إما سعادة وإما شقاء"
"اسمك الرباعي كاملًا ؟"
"اكتشفه بنفسك أيها المحقق"
"ههْ .. إذن تشرفنا بمعرفتك آنسة (اكتشفه)"
"..."
"ما هو تاريخ ميلادك ؟"
"إنه نفس تاريخ ميلادك .. بالنسبة لك أيها المحقق عبدالرحمن"
"تاريخ وفاتك ؟"
"أجهله .. كما تجهل أنت تاريخ نهايتك ، أليس كذلك أيها المحقق عبدالرحمن ؟؟"
"ههْ .. إذن .. هل تعرفين تاريخ انتهاء صلاحيتك ؟"
"تنتهي صلاحيتي عندما تصبح العناصر النظيفة بداخلي عديمة النفع وتتبقى العناصر القذرة التي تؤذي أمثالكم"
"كه هههه .. نحن لا نسمح بشيء كهذا يا أختاه ... عندما تنتهي صلاحية الطعام ويصبح عديم النفع فإنه يتم التخلص منه برميه في القمامة أو ما شابه وهذا يشمل العناصر القذرة التي في داخله ! لذا .. العنصر الذي اختار أن يكون عنصرًا قذرًا في الطعام فإنه ليس إلا جانٍ على نفسه حيث إنه رُمي في القمامة .. أما الطعام فإنه لا يخسر أي شيء إذا رمي في القمامة لأنه لا وجود له في الأساس ؛ لم يعد طعام أصلًا بعد أن انتهت صلاحيته ، الخاسر الوحيد .. هو العنصر القذر !! هل أنا مخطئ .. آنسة (اكتشفه) ؟؟"
"..."
"ما رأيك في التهم الموجهة إليك ؟ لماذا تغدري بمن أحبك ؟ لماذا تؤذين من له علاقة بك أن البعض منهم فضل الموت أو الانتحار على أن يبقى مع علاقة بواحدة مثلك ؟؟"
"هذا هو حال الدنيا التي أوجدها رب العالمين وقدر لكل كائن ما كان وما يكون وما سيكون وهؤلاء البعض ليسوا إلا حمقى لأنهم لم يرضوا بقدرهم وبدلًا من الصبر وإصلاح الأمور عقدوا الأمور أكثر !"
"هكذا إذن ... حسنًا ، انتهى الاستجواب .. يمكنك الرحيل !"
"هذا فقط ؟! انتهى بهذه السرعة ؟!"
"نعم ! سأكتب بعض الكلمات في تقرير الجلسة هذا ثم ينتهي كل شيء"
"... عبدالرحمن .. قد تكون ثقافتي عالية المستوى ولكن هناك سؤال عنك يحيرني لا أعرف إجابته ؛ بينما كنت تتحدث إلي كنت أتساءل .. متى ستحين نهايتك ويبكي عليك من أحبوك ؟؟ هل يمكن أن يحدث ذلك قريبًا ؟؟"
"جميل .. إذن نحن نتبادل المشاعر نفسها"
" ؟! "
"أنا أيضًا كنت أتساءل .. متى ستحين نهايتك ثم يهلك من وقعوا في حبك ؟؟ ... لقد انتهيت ، حان وقت رحيلي .. إلى اللقاء"
"المحقق عبدالرحمن !"
"..."
"عبدالرحمن ! محقق عبدالرحمن ! عبدالرحمن !!"
" .. نعم ؟"
"تعلم جيدًا أنني لست المذنبة كما يدعون ؛ المذنب هو الشخص الذي لم يتعامل معي بالطريقة الصحيحة ، أليس كذلك ؟"
"إذن ؟"
"هل تحبني أم تكرهني ؟؟"
"ههْ ... ومن يدري .."
" ؟! "
"تعلمين أن من يقع في حبك فلن يتردد في ارتكاب المحرمات وسيهلك عاجلًا أم آجلًا .. ولا يمكننا أن نحقد عليك ، من يحقد عليك ويسعى للإنتقام منك فهو ليس إلا كمن ينطح الصخر برأسه ، لا وجود لك في إحدى حواسنا الخمسة فكيف سينتقم شخص من شيء لا وجود له في إحدى حواسه الخمسة ؟؟ الصخر لن يتحطم بل رأس "الشخص" هي التي ستتحطم .. لا وجود حسي لك ومحادثتي معك ووجودك معي في غرفة الاستجواب هذه هو وجود معنوي فقط !! أليس كذلك ؟؟
نحن علينا فعل الصواب دائمًا وكل ما يتوجب علينا فعله الآن والابتعاد عن الخطأ بأنواعه .. بغض النظر عنك ! و"لا تستعمل العنف ضد فتاة" هل أنا مخطئ .. يا (دنيا) !!!"
"ههْ .. أهنئك ..."
هذا صحيح ... هذه هي الدنيا الفاتنة .. لكن من يفتتن بها ويعشقها أو يقع في حبها فسيهلك عاجلًا أم آجلًا وسيرتكب المحرمات لأنه حبه للدنيا كان أكبر من حبه للآخرة ، فلِم سيهتم شخص كهذا بأخراه ؟ -بطبيعة حاله- سيجعل كل اهتمامه هي الدنيا وما يشتهيه في الدنيا سواء كان حلالًا أو حرامًا .. قد يكون عبدًا للدرهم جشعًا طماعًا .. قد يكون أنانيًا ، غشاشًا ، مجرمًا ، محتالًا ، فاجرًا ، مشركًا .. إلخ .. القاسم المشترك هو "عنصر قذر" من مركب "الدنيا".. وبطبيعة الحال إن لم يتم إبادته الآن فسيباد غدًا وإن لم يكن غدًا فبعد غد وإن لم يكن كذلك فبعده وهكذا ذواليك .. الدنيا تكبر في عمرها ولا وجود لمخلوق يعلم متى ستحين نهايتها .. كلما تقدمت الدنيا في العمر بدأت "العناصر النظيفة" تختفي و"العناصر القذرة والمضرة" بالظهور والانتشار بالتزامن مع انتشار الفساد شيئًا فشيئًا كما نشهد نحن للأسف في عالمنا هذا .. يومًا ما ستنتهي صلاحية الدنيا عندما تصبح العناصر المفيدة كلها عديمة الفائدة مدفونة تحت التراب ، وتصبح العناصر القذرة والمضرة هي المتبقية والمنتشرة عندما ينتشر السم في الطعام ويعم الفساد أرجاء البلاد .. الخاسر الوحيد من هذا سيكون .. "العنصر القذر" الذي سيجني على نفسه أما الدنيا فلن تخسر شيئًا ولن تبكي على عناصرها القذرة بل ستصبح سببًا في هلاكهم على ما فعلوه لأجلها .. وبعد أن تنتهي صلاحية الدنيا ويعم الفساد فيها وتصبح مضرة ستحين نهايتها يومًا ما .. وبعدها سيهلك كل شخص أبيد وهو تحت مسمى "عنصر قذر" على ما فعله قبل فترة من الزمن وما أجرمه بحق نفسه وحق غيره ، أما "العنصر النظيف" فستكون نهاية الدنيا بمثابة إعلان الانتصار بالنسبة له...
أما بالنسبة لهؤلاء الذين يعتقدون أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجوههم وكرهوا الحياة والدنيا ، وسعوا للانتقام من الدنيا فقاموا بمحاولة حل المشكلة ومواجهتها بطريقة خاطئة ؛ بالتسخط أو الانتحار أو .. أو ... إلخ ، الدنيا في الأساس لا وجود لها حسيًا ؛ لا يمكننا أن نسمع أو نبصر أو نشم أو نشعر أو نتذوق شيء ونقول هذا الشيء (دنيا) .. هي مجرد مصطلح عام أطلق على مركب يحوي عناصر مختلفة الخواص تمامًا ، كيف ستنتقم من شيء لا تدركه بحواسك ؟ ما تفعله من تسخط أو تجبر أو الاستسلام والانتحار لن يحل المشكلة أو يغير شيئًا لصالحك بل هو مجرد تعبير عن شخص ينطح الصخر فلم يتأثر الصخر والشخص هو الذي خسر رأسه التي تحطمت ، كل ما يحدث أو ما حدث لك وتراه سيئًا فهذا وقضاء وقدر من عند الله وابتلاء ستؤجر عليه بالصبر فقط .. قد يكون الأمر مؤلمًا فعلًا ولكن أيًا كان فالصبر أفضل من التسخط والتفكير في الانتحار وإلى آخره من الأشياء التي لن تنفع ولن تغير شيئًا لصالحك بل بالعكس !!
خارجًا...
"الملازم فلان ، أين الغرفة التي بها المشتبه الثاني"
"هناك سيدي"
غرفة الاستجواب 1993...
أتساءل من ستكون الجميلة الثانية ، بكل هدوء .. افتح الباب ^^ ... "السلام علـ .. ما هذه العجوز الشمطاء ؟؟!! O_O ليست عجوز !! بل غول من آكلات اللحوم أو مصاصة دماء O_O !!!
"مرحبًا"
"أين أمي T_T ?"
"المحقق عبدالرحمن ... تفضل بالجلوس"
"#_#"
"أهلًا بك ... هل تحبني ^^ ؟ إه هي هي هي هي هي هيي"
أوو .. قبحك الله >__< ... "لقد نسيت كوب الشاي .. سأذهب لاحضاره وأعود حالًا .. إلى اللقاء