الفصل الثاني
أحلام تطاردني مرة أخرى .. ونصل السكين المخضب بالدماء يلاحقني
أحاول الهرب ولكن شيئاً غريباً بل قوة خفية تشدني نحوها .. فجأة يظهر طارق أمامي بابتسامته الهادئة .. يناديني .. يمد يده فأسرع نحوه بجنون
تظهر تلك الملامح المخيفة فيتحول إلى ذلك السفاح ويحكم قبضته علي
أحاول الصراخ أحاول المقاومة دون جدوى .. ومن الخلف تقترب السكين أكثر فأكثر
فتحت عيني بخوف لأجد نفسي فوق السرير ..
كان حلماً !!.
. يمكنني سماع خرير المطر .. إذاً لا تزال تمطر ..
نظرت حولي لأرى ظلاً نائماً بهدوء فوق الأريكة .. وبجانبه قطعة خشب منحوتة وسكين صغيرة
صارت نيران المدفئة جمرات حمراء في العتمة .. هدوء .. شديد .. ولم استطيع العودة للنوم .. تحركت ثم جلست وقد استبنت الموقف
سرير .. مدفئة .. وظل نائم
أين أنا ؟!!
~*~
قمت من مكاني .. أصدرت خطواتي صريراً خفيفاً على الأرضية الخشبية .. مشيت حتى وقفت أمام الأريكة
اقتربت من الوجه المستلقي عليها .. بدا لي رجلاً مسناً .. ملامحه هادئة و يبدو مستغرقاً في نومه
شعرت بلسعة برد إثر الهواء القادم من النافذة .. تحولت نحو المدفأة أقلب الجمرات فيها ولكن القضيب سقط من يدي مصدراً دوياً في الغرفة
-هيه .. هل أفقت ِ؟؟
نظرت إلى الخلف .. بدا أني تسببت في إيقاظه من نومه
تحرك وهو يرفع الغطاء ليرميه على الأريكة :
-يبدو بأن الشمس أشرقت ولكنها خلف الغيوم
تلفت ناحية الشرفة وكانت شبه مفتوحة .. الظلام يخيم في الخارج .. ألم يتحسن الطقس بعد؟ ..
تمتمت :
- يبدو بأن الغيوم لم تتلاشى بعد .. بالأمس كان الجو معتماً في الغابة
نظر إلى وجهي بدقة ثم ابتسم هاتفاً :
- تقصدين قبل ثلاثة أيام
قلت بنبرة يشوبها الاستغراب :
أنت لاتمزح ؟
رد علي وعيناه مثبتة على تلك القطعة المنحوتة:
- بالطبع لا أمزح . و أتساءل مالذي تفعلينه في الغابة مع حقيبة ممتلئة .. هل هربت من المنزل أم أنك مسافرة ؟
فتحت فمي وكدت أنطق لكنه أكمل :
- على العموم هذا غير مهم .. أنا ذاهب لأعد شيئاً مغذياً يمكنك الجلوس على الأريكة و الانتظار ريثما أنتهي
~*~
جلس مقابلاً لي وفي يده رغيف الخبز و استقر بجانبه وعاء زجاجي عريض مغطى بقطعة قماش ثقيل من
القطيف وبداخله مربى التوت الأحمر اللزج.. تتدافع قطعه ناشرة أزكى رائحة شممتها في حياتي..
امتدت أصابعه لتحل عقدة الخيط الرقيق الذي يقيد أطراف القماش ونزعه وتوجه إلى قطعة القماش و أرداها لنفس المصير .
انزلق المربى على سطح قطعة الخبز واتسعت بقعته حتى تسربت إلى الأطراف
وابتسامة سعيدة ترقص فوق ثغري فرائحة المربى الشهية جعلت بطني تزقزق بشوق كبير إلى تذوقه
امتدت الشريحة إلي أخيراً .. أخذتها واللهفة و الشوق يتقافزان من وجهي و أنا أرفعها إلى فمي
يممممم . كان لذيذاً كرائحته تماما .. مددت يدي لأمسك بكوب الشاي و لكنه نحاه جانباً و اجتذبه نحو فمه هثم ارتشف رشفة منه :
- دعي الشاي للمسنين واشربي الحليب
فتحت فمي وهو ينهض مجددا ليلتقط وعاء الحليب :
- لست طفلة أنا في الـ 17
التفت نحوي مندهشاً:
-أنت في الـ 17؟
صمت للحظة :
مهما يكن لا زلتِ صغيرة في السن
طرفت بعيني ثم ابتسمت .. أعادت كلماته بعض الذكريات .. كنت أسمع شيئا مشابهاً لها من والدتي
~*~
اختلست عيني نظرات سريعة من خلف زجاج النافذة المؤطر بالخشب ليمتد بصري إلى ماهو أبعد من ذلك إلى تلك المساحة الخضراء التي افترشت أرضيتها بصنوف شتى من أنواع المحاصيل المرتبة بشكل متفان في الدقة
لففت وشاحي على عنقي قبل أن أتراجع بضع خطوات للخلف لألتقط حقيبتي و أندفع نحو البوابة ..
قد يتراءى لكم أني ناكرة للجميل.. ولكني أكره لحظات الوداع .. لذا اكتفيت برسالة امتنان وضعتها على الطاولة مع أطباق الافطار التي أعددتها لذلك الرجل كاعتراف مني بجميله
~*~
خطواتي يتخللها الارهاق و التعب من سير تارة يكون حثيثاً و تارة بطيئا
أحيط الطريق الذي أسلكه بأشجار عملاقة ذات ألوان بهية تبعث الراحة في النفوس ..
كم أعشق ألوان الخريف!!
والآن لاحت لي جبال شاهقة تكسو قممها الثلوج وتلال ذهبية واسعة
استوقفني منظر المدينة أخذت أتأملها من فوق التل المسافة التي تبعدني عنها ليست بالقصيرة
رفعت بيسراي قبعتي التي اعتلت هامتي وغطت أذناي لتحميني من برودة رياح الخريف
بدأت المباني تظهر بشكل واضح أمامي .. بضعة أميال و سأصل للمدينة
أتراني سأوفق في العمل هناك !!..
أرجو ذلك فأنا بعد كل شيء أجيد عمل الكثير من الأشياء وكل ما أحتاجه مبلغ يغطي طعامي و سكني
~*~
لم تكن السماء صافية ما أظهر جمال سحر الوجود في المدينة ..
إطلالة الجزء العلوي من الساعة الضخمة كان شيئاً آخر يدل على سكون المكان
مع صوت النسائم التي تخرج مع صفقات المياه أسفل الجسر الذي أقف عليه ..
صوت أخرج من ذلك الوقت على زقزقة طيور شاردة من مكانها ترفرف بأجنحتها على سطح الماء الأملس
لكأنها تنتظر شيئاً من قاعه أو فقط تمر من أمامه بصوتها العذب ..
أما تلك البنايات التي اصطفت بجانب الساعة تنظر لذلك المكان مبتسمة علها تعرف سر الوجود الروتيني الذي يتكرر أمامها يومياً و الذي أراه لأول مرة في حياتي
أتساءل هل سأقف هنا طوال اليوم ؟ ألا يفترض أن أبحث عن عمل بأسرع وقت؟
~*~
فكرت في أن أفضل مكان أرتاده لأبحث و أستفسر عن عمل هو مقهى المدينة ..
أخذت أتنقل بين المارة أستفسر عن أكبر مقهى هناك فأشاروا إلي بمقهى في ضواحيها بقرب الشاطئ
فتحت عيني البنيتين و أخذت أحدق بباب المقهى لحظات مطولة ..
مشيت بضع خطوات ليرن جرس باب المحل معلناً دخولي إليه ..
رفعت رأسي و أطلقت لجام حدقتي لتتوشح تلك الطاولات الخشبية الموزعة بانتظام في أرجائه ..
شيئاً فشيئاً انسلت ضحكات الأشخاص و صخب المقهى إلى أذني ..
و الآن لفح مسامعي صوت كنت المعنية به
التفت نحو صاحبه .. كان رجلاً بديناً لا أثر للشعر فوق جمجمته .. ذو بطن منتفخ
يملك أربعة أعين ..
كان يفرك يديه و يوجه حديثه نحوي:
- هل من خدمة يا آنسة؟
-أوه آسفة .. لم آتي لاحتساء شيء .. كل مافي الأمر أني أبحث عن عمل ؟
نظر السمين نحوي بابتسامة متحاذقة:
-يمكنك الجلوس هنا وطلب أي شيء وسأسأل أحد معارفي إن كانت لديه فرصة عمل لك .. ولن أنسى اخباره بأنك جميلة .. تفضلي من هنا يا آنسة ..
أومأت برأسي وسرت خلف السمين الأصلع نحو إحدى النوافذ المطلة على الخارج ..
سحب لي كرسياً ولم يتوقف عن إغراق مقهاه بعبارات المديح .. طلبت كوب قهوة وقطعة كعك صغيرة لأتسلى بها ريثما يعود صاحب المقهى
~*~
أخذت عيناي تسرح وتستطيل لتتوشح ماخلف النافذة الزجاجية ..
ثمة زوجان يمسكان بأيديهما ويتحدثان .. يضحكان كثيراً ثم يصمتان ويحدقان ببعضهما للحظات و سرعان ما يعودان للحديث !!
آه .. ماذا حل بي ؟ أسترق النظر إلى مواعد الآخرين ؟
أدرت رأسي بعيداً عن النافذة و أكملت ارتشاف قهوتي ووزعت نظراتي على الجالسين بالمقهى
يبدو أن العديد من الأحاديث تدور هنا :
المهمة . المصيرية . الأكاذيب
أتساءل كم من قصة حواها هذا المقهى؟؟
استفقت من هالة التأمل هذه و قمت من مكاني بعد أن وضعت الحساب على الطاولة و اتجهت نحو النادلة لأسألها عن المدير ذي العيون الأربع
أخشى أن ماقاله مجرد عبث ليكسب مني مبلغاً مقابل القهوة و الحلوى تلك !
أو أن هناك شراً يكمن خلف ابتسامته المتحاذقة !!
~*~
حواري مع النادلة لم يسفر بشيء.. يبدو أن ذلك السمين لم يعد منذ ساعة
تباً!! .
هل علي الخروج و البحث بنفسي أم أصدق كلماته و انتظر هنا ؟
- يبدو أن الانتظار قدر لم يخلق إلا لأجلي -
~*~
بعد تفكير مطول .. قررت أن أنتظر المدير أمام الباب .. أخذت قدماي تسرح جيئة وذهباً
ثم توقفت عن السير بل تسمرت قدماي و توقف الزمان معي ..
حتى ضوضاء المارة ما عدت أسمع منه شيئاً ..
أنفاسي انحبست بصدري ..
ويدي ارتفعت نحوه .. ضممتها وكأني أكشف الستار عن شيء اختبأ بداخلي لسنوات
~*~
تابعت عيناي من خلف المارة المنتشرين في الطريق خطوات هادئة تسير من بينهم
شهقت بصمت و أنظاري ترتفع عن الخطوات و القدمين السائرتين نحو الزقاق نحو الأعلى نحو صاحبها :
طـ ـار ق !!
بدأ صاحب الخطوات يبتعد شيئاً فشيئاً . حاولت تحريك قدمي و لكن الصدمة قيدتهما
تباً لم في هذه اللحظة؟ .. استعدت سيطرتي عليها .. اقتحمت تلك الجموع و أنا أنادي بحشرجة لم تفارق صوتي :
طارق .. طارق
إلا أن صوتي غاب مع تلك الجموع
وصلت إلى الزقاق بل تجاوزته و لم أر شيئاً .. ابتلعت غصة في حلقي سببتها الدموع المفاجأة .. أيعقل أني أحلم ؟؟ .. أكان هذا مجرد هذيان !!
مع هذا توسلت الله في نفسي ألا يكون ما رأيته حلماً ساذجاً أو مجرد خيال
كنت على وشك النياحة بأعلى صوتي لولا أن يداً أمسكت بكتفي .. انتفضت بخوف و استدرت لتلتقي
نظراتي بــ :
بالرجل الذي إن أنقذني إن كنتم تتذكرونه!!
لست أخفيكم خبراً ولكني حصلت على خطاب ذي لهجة لاذعة من قبله
شعرت بقمة الاحراج منه .. لم يكن من اللباقة أن غادرت هكذا دون أن أخبره مباشرة
والآن بعد أن هدأت سحنة غضبه وجه حديثه لي هاتفاً:
هل عثرت على عمل وسكن ؟
هززت رأسي بأسى:
ليس بعد
تنهد هاتفاً:
العمل هنا ليس بالأمر الهين يا ابنتي .. سيكون من الصواب أن تسكني عندي
الأمور هنا ليست بتلك السهولة .
ابتلع ريقه وتابع:
والأمن هنا متزعزع
ظهرت ملامح الاحتجاج على وجهي وهززت رأسي وقلت بشيء من الامتعاض:
- لن أغادر من هنا .. ليس الأمر أني أبحث عن سكن و عمل فقط ..
- قبل كل ذلك أنا أبحث عن أخي في هذه المدينة
- قبل سنتين غادر المنزل ووعد بالعودة .. ولكن انتظاري طال لأيام و شهور و سنوات
ومع هذا أدرك بأن اللحظة التي سأقابله فيها ستأتي وعندها ستستحق كل ثانية قضيتها في الانتظار لأجله
قاومت عنف أنفاسي و انتبهت إلى دمعة تفر من مقلتي مسحتها بعنف ورفعت رأسي نحو المسن الواقف أمامي .. شعرت بنظرة شفقة تتمطى فوق عينيه
تنهد :
لا بأس يا ابنتي .. يمكنني فهم مشاعرك!!
أو أني قد عشت هذه المشاعر يوماً " حدث نفسه قائلًا"
صمت للحظة:
- علي قضاء بعض الحوائج .. بإمكانك مرافقتي ثم سأساعدك في إيجاد عمل مناسب
رسمت ابتسامة ممتنة :
حقاً !! أشكرك يا سيدي .. لا أدري كيف أعبر لك عن امتناني
ولكنه بقي صامتاً ولم تنبس شفته بكلمة
سار وسرت خلفه أجوب الشوارع واجمة أفكر فيما رأيته هذا الصباح !!
هل تسلل داء الوهم إلى عقلي؟
ولكن لم لا ؟
فأخي غادر إلى هذه المدينة و أنا واثقة!!
~*~
توقفنا أمام محل للآنية ..
إنه من تلك المحال المتواضعة و المنتشرة في أطراف الشارع
-سأكون ممتناً لو اخترت بعض الأطباق و الكؤوس . فلدي موضوع سأناقشه مع صديق قديم بخصوص عملك
ياله من وقت ليطلب مني المساعدة !! ولكن بالتفكير فيما فعلته أجدني أشتعل خجلاً منه
~*~
أخذت أقلب في الكؤوس غارقة ضمن تفكيري العميق .. حتى انتشلني منه اصطدام أحد المارة بي ثم صراخه طالباً مني أن أنتبه .
-أنا آسفة سيدي
كانت نبرة هادئة في البداية ولكنها لم تلبث أن تداخلت مع انفعال ثائر ..
بل إن تلك الثورة تمازجت مع دوران الأرض من تحتي ..
دون أن أحاول فهم ما يجري ..
أشعر بالباعة بقربي و المشترين.. وخيال لطالما داهم كوابيسي يبتعد بخطواته عني .
. بدأ دوران الأرض يزداد .. أفلت الكأس من يدي فانتشرت شظاياه حولي ..
تمايل جسدي مع دمعات مصدرها خوفي:
-إنه هو .. هو بلا شك
ترنح رأسي يبحث عن مستقر فانبعثت دوامة مني من فقد توازني ..
شعرت بجسدي يتهاوى .. سخونة تتبعثر على وجهي ..
ويد تحاول أن تمسك بي .. ولكن تهاوي جسدي كان أسرع ليرتطم بالأرض بجوار شظايا الزجاج اللامعة بلون الغروب
(نهاية الفصل ^^)
لا غنى لي عن الآراء و الانتقادات البناءة
فاطرحوا ما يطرأ لكم هنا باستثناء شيء واحد
"لحد يفكر ينتقد في الأسماء الظريفة خاصتي و خصوصاً اسم طارق XD"
منذ الأزل ولي ذوق عجيب في الأسماء


رد مع اقتباس

المفضلات