المشكلة أني كلما ماطلتُ في الكتابة قلّت شهيتي لها، لذا سأكتب الآن قبل أن ينضب كل ما كنت أريد قوله.

بدأت القصة عندما وصلتني دعوة من رواتي على بريد المنتدى لدخول الموضوع ومتابعة الرواية >> يبدو أن الأخ ناوي على قصة طويلة... اجلسوا وأحضروا كمية كبيرة من الفشار والعصير، أو اهربوا ما دام ذلك في مقدوركم!

أخبرتُ رواتي أن قصص الرعب ليس من اختصاصي ولا مما يستهويني، ليس لأنها تخيفني... بل لأنها لا تخيفني، والرعب والإثارة هو مادة قصص/أفلام/ألعاب الرواية، فإذا انعدم الأثر المطلوب من هذه المادة لم ينتج عن القراءة/المشاهدة إلا الملل والنعاس. ولكن إذا دُعيتم فلبّوا، فلبّيت الدعوة رغم ذلك عسى أن تكون هناك وليمة مخفاة بين السطور.

ولما بدأتُ في الوليمـ... أعني في قراءة الرواية، كنت أستغرب لماذا اختارت الكاتبتان نمط الرعب محورًا للقصة، وكنت قرأتُ من قبل لي أن قصص الرعب من هواياتها، لكن يبدو من نشاطها في المنتدى أنها تضع بصمة في كل مكان، أما سيناري فكنتُ أتساءل إن كان لرمزيتها ذات الفتاة الملوثة بالكاتشب علاقة بالأمر.

والآن أنتقل إلى الرواية ذاتها، لكن سامحوني إذا أخطأت أو خلطت بين بعض الأحداث، فالفاصل الزمني بين قراءة أجزاء القصة قد يساعد على النسيان. المهم، بدأت القصتين بداية هادئة مع فتاتين شابتين تربطهما صداقة قوية، ومن ثم تعريف بالشخصيات الجانبية التي لم يلعب أغلبها سوى دورًا بسيطًا في بداية القصة. النقطة الجيدة أنه لم يُزج بالقراء في بيت من الأشباح والشياطين والعفاريت من أول صفحة. ثم يتلو ذلك حديث عن حاسة سادسة وإنذار قوي بالخطر ورغبة جامحة في العودة سريعًا إلى المنزل مما يجعل القارئ يرتاب أن ذلك المكان سينفجر حالما تغادره البطلة أو تُخسف به الأرض أو يتبخر فجأة بلا سابق إنذار. لكن لحسن الحظ، كانت فاتحة المصائب أمرًا معقولاً نسبيًا مقارنة بما ذكرتُ آنفًا، ألا وهو وفاة رجل عجوز مقرّب كثيرًا من البطلة، في وسط ظروف قلة اهتمام بالأمر من قبل المحيطين بها.

والآن أعرّج على صفة والديّ البطلة في القصة. كان سلوك الأم مناسبًا ونموذجيًا، لكن أحسستُ - وهذا محض رأي شخصي - أن شخصية الأب تنقصها الواقعية. لو أردتُ الحكم عليها، فهي شخصية تناسب أكثر شخصية شاب مراهق، لهذا فهي تنفع لأخ مراهق علاقته مع أخته نزال ومشاكسة، ولا يقيم وزنًا لرأيها ولا لمشاعرها. يصعب عليّ تصوّر والد يفكر بهذا الأسلوب المذكور في القصة، فهناك فرق بين أنانية شخص بالغ متزوج (وله ابنة في سن الشباب)، وبين أنانية شاب طائش. نصيحتي لمن يريد كتابة قصة فيها هكذا شخصيات، أن يبحث عن مثل هذه الشخصيات في واقعه، ويدرسها ويراقب عن كثب، ثم ينسج شخصيته بناءً على ذلك.

سأختصر من هنا فصاعدًا وأذكر أهم النقاط فحسب، فالوقت قد بدأ ينفد مني، ولستُ بالسريع في صب الأفكار في أقداح الحروف والكلمات (لكن لا شك أني ثرثار بحق!). النقطة الأخرى أشرتُ لها من قبل في ردي السابق، وهي الأسلوب البلاغي الوصفي المميز المنتشر في القصة، أستغني عن إعادة ذكر رأيي فيه مجددًا بردّي السابق. لعل السيئة الوحيدة فيه كانت غياب استخدام الفواصل (علامات الترقيم) في الجمل الطويلة (خاصة في الجزء الأخير من الرواية)، بحيث كان يحتاج القارئ أن يحبس ثاني أكسيد الكربون في رئتيه طويلاً ليستطيع قراءة الجملة في نفس واحد (تعبير مسروق من مدرّس لغة عربية قديم). لا تهملا في استخدام علامات الترقيم، فهي تسهّل الفهم على القارئ وغيابها كغياب حواجز الأمان من جانبي الطريق.

احتوت الرواية على كثير من الأحداث المتسارعة (الأكشن)، سواءً في الجزء الأول حين كان الأصدقاء القدامى يواجهون الأرواح الشريرة ويتصارعون معها، أم في الجزء الآخر حيث أبطال العصر الحالي يخوضون جزءًا من تجربة مماثلة. بدت لي بعض الأحداث سريعة وتحتمل المزيد من التأني في الوصف، أو ربما أنا الذي - بقراءته السريعة - يتجاوز السرعة المسموحة على أوتوسترادات القراءة.

بدا عنصر الحزن والرغبة بالانتقام واضحًا في النصف الأول من القصة، لكن في النصف الثاني، تغير الوضع مع دخول يوبا، وانتقلت البطولة (أو جزء كبير منها) من الفتاتين إليه، وصار دورهما ميلودراميًا أكثر، وإذ بالسيناريو القديم الشهير تُعزف: "سندخل معك مهما قلت ولا يهمنا ما يحصل لنا... لكن عند أول شيء مفزع صغير يبدأ الانسحاب المبكر يرافقه أسطوانة صراخ وزعيق يكاد يصل صداها إلى سابع طبقة من طبقات الأذن الداخلية للقارئ!". ربما ارتأت الكاتبتان أن الأحداث في هذا الجزء تناسب أن يتولاها الذكور أكثر من الإناث، وهي وجهة نظر قد تكون معتبرة، لكن كان ينقص هذا الجزء تعريف أكبر بالبطل يوبا وبخلفتيه وقدراته قبل أن يدخل خضم المعركة ويُظهر حركات ويستخدم أسلحة لم يُشمّ رائحة لذكرها من قبل في الرواية.

وقبل أن أختتم ثرثرتي، أحب أن أنبّه (بلطف) إلى أهمية الاعتناء بسلامة النص من الأخطاء اللغوية، ولا أعني هنا الأخطاء العارضة فلا يكاد يسلم شيء منها إلا كتاب الله، وإنما أعني الأخطاء المتكررة. من ذلك، استخدام بعض الكلمات العامية مثل "هاته"، واستخدام فاصلة الأرقام "," بدل فاصلة الحروف "،" في مواضع كثيرة من الرواية، وهي ملاحظة قد لا تكون ذات شأن، ولكن لديّ حساسية شخصية من الخلط بين الفاصلتين.


أخيرًا، أحب أن أهنئ الكاتبتين على صبرهما ومثابرتهما في إكمال رواية بهذا الأسلوب وهذا الحجم وهذا المحتوى. مستوى الرواية عالٍ، وبما أنه (أول؟) عمل مشترك بينكما وقد انتهى بهذا الشكل فأنا أشجعكما على المضي قُدمًا في الطريق الروائي وصقل مهارتكما فيه. ربما يبدو أكثر كلامي أعلاه نقدًا أو ذكرًا للنقاط السلبية، ولستُ بالكاتب حتى يحق لي أن أحكم على كتابة غيري، لكن هي مجرد ملاحظات صغيرة عابرة قد يكون فيها الجيد والسيئ. لم أُشر إلى النقاط الإيجابية بالتفصيل كما أشرتُ إلى السلبية، لأن الأولى أكثر وأعمّ، ولله الحمد.


والآن أترككم في سلام، فعادة ما يصيب النحس المواضيع التي أكتب فيها ردًا فتظل مهجورة بعض الوقت. .gif" border="0" alt="" title="0" class="inlineimg" />