> آﯾ?َـآ آلآعژآءء .. ﯾړُﭴـ? عﮃم̝̚ آلرد :} !
|
|
|
|
قلوب أغدقت نفسها في الظلام
و أبت إِلا أن تخبئ بريقها عن الأعين
فتسربلت في ضياع لا نهائي وَهي تحاول باستماتة البحث عن حقيقتها الضائعة
أمانٍ و أحلام مظلمة سَعَوْا لِتحقيقها فرمت بهم إلى الحضيض بقسوة
لتتسلل جذور اليأس إلى قلوبهم وتتملكها باستبداد
فهل يمكن لليأس أن يدمر تلك القلوب المضيئة؟
دِماءُ و ألغازُ و أحياءُ أمواتْ في عالمٍ لا يتسيّدُهُ سِوى القويّ !
.{على حافة القبور حينما يكُونُ البشَر ضحيّةً لِأشباهِ بشر ..
هُنَا حيثُ تبدُو الحقائِقُ مُختلِفة ~
الفصل الأول : الحاسة السادسة
الفصل 2 : خلف الستار الحاجب
الفصل 3 : أطياف ذكريات
الفصل 4 : رحلة إلى نارتيروثيا
الفصل 5 : لعبتي مع النار
الفصل 6 و الأخير : فجر جديد بنكهة أخرى !
يتبع
التعديل الأخير تم بواسطة أثير الفكر ; 06-08-2014 الساعة 09:24 AM
|
|
الحاسة السادسة:
تغير لون الصباح , آلام مبرحة كتأنيب الضمير تدرك روحها و هي تستيقظ فزعة بصمت من كابوس باغتها على سريرها كسكرات الموت ,
ما هاته الرغبة الجامحة في التقيؤ ، لا تشعر أنها بخير أبدًا ,
رغم الهواجس المتناقضة المتضاربة يجب أن تستيقظ , أن تأخذ نفسًا عميقًا نقيًا لتبيد به التسربات السوداوية ,
ثم تبدأ يوما انتظرته طويلا و الآن لا رغبة لها فيه لسبب ما ...
إنه اليوم المنشود الذي أرهقت نفسها لأجله مدة شهر كامل ,
فلم تترك الرمق الأخير له , السهر لساعات متأخرة , الاستيقاظ المبكر ,
أعمال شاقة مضنية دون فترات راحة من سطوع الشمس لغروبها , صعود و هبوط ,
نشاط و حيوية غريبان , لشهر كامل بالتحديد , دون مرض أو نكسة , و في اليوم العظيم ؛ يزول ذلك السحر, بكل بساطة ...
هكذا كان شعور سندريلا حين دقة الساعة معلنة عن منتصف الليل , إنها نفس الخيبة و الفزع , الفزع الأخرس :
{ هيا سايا قومي , إنها الخطوة الأخيرة و الأهم , و ستتحدين مع السرير للأبد }×
ذلك الكلام الهامشي في سرائرنا بعيدًا عن صفحة الحياة و آذان حروفها الذي نحرض به أنفسنا و نشجعها على الإقدام على أمر ما ؛
ترفع رأسها المثقل بصراخٍ من نوع ما ببطء , ينسدل شعرها المخملي الأجوري البراق على كتفيها ؛
و تستوي الخصلات الصغيرة لوحدها فوق عينين حالمتين غابيتين يملؤهما النعاس حتى النخاع ,
ثم تقوم مترنحة كزهرة توليب تلعب بها النسائم فتميلها كيفما شاءت...
المنزل هادئ كقطرات الندى الحلوة الصباحية التي تزين رؤوس الحشائش و الورود ,
قطعًا ؛التوأمين ليسا هنا , لكانت أحد المعارك تندلع الآن , لا أحد هنا غيرها ؛ والصمت العريق ...
الورقة الصفراء الفاقعة معلقة على الثلاجة , تنذر بالشؤم ,
تحمل وابلاً من الأوامر رغم اليوم العظيم و التعب و ذلك الشعور الغريب المؤلم الذي ينخر عظامها ...
( أدخلِي الثياب التي نشرتيها بالأمس و أخرجِي الغسيل من الآلة ... البسكويت في الرف العلوِ خلف كيس الدقيق , عندما تعودين أرجو أن تتكفلي بالفطور فلدي ثلاث اجتماعات و أعمال كثيرة ؛ سأتأخر ... لا تنسي اصطحاب آي و كورابيكا من عند الخالة آمي , و حظًا موفقًا ... أمك )
( يا إلهي, ليتني لا أجيد القراءة, أصبحت أكره اللون الأصفر, لن يكفيني الوقت لكل هذا... أوووف, حسنٌ , سأسرع لأنهي هته الأعمال و أذهب )
رغم أنف الوجع و التعب تكمل واجبها و تتجه نحو الكلية ,
و في كل خطوة لها وخز في كل ما هو لها , كم طالت الطريق إلى هناك اليوم , يبدو المكان بعيدًا , بعيدًا جدًا ,
تمامًا كالأحلام , إلا أنه أمكنها الوصول إليه ؛ بينما تلك الأحلام لم تقترب منها و لو شبرًا واحدًا ...
كغريب تتصفح وجوه معارفها أمام باب المدخل , هذا الإحساس يمس حتى الذاكرة و يمسحها رويدًا رويدًا ,
تنقذها ساتو من الدخول في غيبوبة حتمية :
" مرررحبًا سايا ☺ , كيف حاا ... !! , آه.ه , ما بك , ما الأمر عزيزتي ؟ , لا تبدين بخير!"
ترفع رأسها نحو ساتو و في عينيها امتنان سري مخفي لمنقذتها من هذا الصمت المُنْهِك
" أأ , أنا لا أشعر أني بخير أبدًا , استيقظت مع شعور غريب أثقل صدري , لقد كنت على ما يرام بالأمس فقط , و اليوم أشعر بالكآبة , صدقًا , هذا اليوم ليس يومي إطلاقًا ّ"
تنفجر ملامحها كمن اكتشف اكتشافًا عظيمًا:
" ساياا , أنت دوما لما يتملكك شعور سيء يحدث أمر ما , ربما محاضرتك ستفشل .. أتعلمين ؟! يمكنك أن تلغيها , يوجد فرصة أخرى الأسبوع المقبل "
" آ , ربما , ستفشل حتمًا و أنا في هذا الوضع , على أي حال أشعر أن كل الأفكار و كل ما حضرته قد تبخر , تعالي لأخبر الآنسة "
" تخبرينني بماذا ؟!" رن صوت رقيق خلفهما
" آآنسة أسامي , كــ ... كنت أود أن أخبرك أني سألغي محاضرتي هذا اليوم "
" ماذا؟! و لماذا ؟ "
" لأن حاستها السادسة قالت ذلك " تنطلق من فم ساتو كالصاروخ
" حاسة ؟! أي حاسة هذه ؟ لا شك أنك أنت من أقنعتها بذلك , واثقة ... عزيزتي, لا تلقـِ لها بالاً, إنها مجنونة, صديقتك و تعرفينها, هيا لندخل"
" لاا , في الواقع أنا لا أشعر أني بخير , استيقظت بصعوبة اليوم و أحس أني مريضة , ربما سأصاب بالزكام "
" لا بأس , هذا طبيعي , لقد أرهقت نفسك كثيرًا هاته الأيام , و لا ريب أنه الخوف فقط والرهبة قد فعلا فعلتهما فيك , ستكونين على ما يرام "
" لا صدقًا, لست ممن يهاب شيئًا, لكني لست بخير, و واثقة من هذا "
" سأحضر لك بعض الأدوية و ستتحسنين, لا تدعيني أشرح لك تأثير العامل النفسي و المرض الوهمي الذي يصيب الناس في حالة الفزع و الجزع , هيا بنا لندخل"
" آسفة آنسة, لكني لست بخير مطلقًا, لست جاهزة حتى, متأكدة أني سأفسد كل شيء "
" حسنٌ حسنٌ ... إذا ؛ لعبت ساتو بعقلك , لا بأس , يوجد فرصة أخرى الأسبوع المقبل , سألغي محاضرتك , و لكن لن تذهبا لأي مكان , ستبقيان لمشاهدة محاضرات اليوم"
تصرخ ساتو " ماذا ؟! و هل أنا مشعوذة ؟! "
تُطْبِق سايا فاه ساتو "أصمتِ ... حسنٌ , شكرًا آنسة أسامي "
الآنسة ممازحة " هههه , هيا تعاليا , و ساتو , أرجو أن لا يبدر منك أي تصرف مشين كالعادة "
" حاضرة آنسة "
ألقى العديد من الطلاب محاضراتهم , كلها تتحدث عن موضوع واحد , بالرتابة و الملل نفسه ,
و كأنه لا يوجد في بحر الكتب التاريخية الأدبية التي تتحدث عن الأمجاد و الأساطير إلا كتاب "الإلياذة" لهوميروس ,
الشاعر الإغريقي العظيم , واضحة هي المعركة التي تنشب في أنفسهم , تفضحها الأنفاس المتذبذبة المتوترة ...
و هي تعارك في نفسها شيئًا أكبر , إلحاح الحاسة السادسة على الانتحار ..
{ أيها الشعور؛ لقد ألغيت المحاضرة , رجاءًا توقف ‼} ...
انتهت المحاضرات و الأوجاع لم تتوقف بعد , و هذا الزحام يزيد الأمر سوءًا , تخلق آلاف الأعذار و الحجج لتغادر , فلم يبقى نفس ,
لتطلق الآنسة أسامي سراحها بعد جهد كبير ,
غادرت المكان مع ساتو نحو بيت الخالة آمي , آملة أن يعلق الشعور وسط الحشود و تدهسه الأرجل الدائسة ,
مرجرجة نفسها في الطريق معتقدة أن هذا الوخز في قلبها هو مجر بقاياه ,
تحتاج لتنفث عليها فتروح هباء منثورًا عبر الأثير...
يُقال ؛ أي فكرة تعتقدها و تؤمن بها يمكن أن يُريك عقلك أنها قد تحققت , بينما في الواقع لم يحدث شيء ,
رغم إيمانها أنها قد تخلصت من الإحساس ذاك , إلا أن الآلام أبت أن توقف سخافتها , استمرت , و استمرت و استمرت ...
لكل طريق نهاية , لكل شيء نهاية , فهاهي آخر الطريق و ها هو بيت الخالة ,
و لكن ليس لسكرات الحاسة السادسة من نهاية , بقناع خادع و ابتسامة حلوة مصطنعة تخفي عذابها ,
فلا تريد لأحد أن يشاركها هذا , أن يسألها عن أمر يلم بها , تشعر به و يملؤها حتى أخمص قدميها, و ليس لها تفسير له ...
تدق الباب لتفتح الخالة بعد لحظات معدودة و تقبل بوجهها البشوش كالعادة :
" سايا عزيزتي . مرحبا بك , و من حضر معك ؟ .. آاا , ساتو , تفضلا بالدخول , مرحبًا بكما ‼ "
ساتو "مرحبا خالتي آمي "
سايا "شكرًا خالتي , أتيت لاصطحاب آي و كورا "
" حسنًا , لكن لماذا لا تبقين تناول الغذاء معنا ثم يمكنكم الرحيل "
" شكرا خالتي , لكن سيعود أبي قريبًا للمنزل و يجب أن أكون هناك .. أنت تعرفين؛ لقد أوصتني أمي ببعض الأمور و تدركين إن أنا لم أقم بها ما الذي سيحصل لي "
" ههه حسنٌ , لا بأس , تفضلي لغرفة الجلوس و سأناديهما ... آي , كورابيكا , لقد جاءت سايا , هيا انزلا "
صوت يبدو من نبرته أنه مرتفع و إنما هو خافت من الأعلى " نحن قادمان "
" سأحضر لكِ بعض الطعام لتأخذيه معك, دقيقة فقط و سأعود "
بعد دقائق نزل التوأمان و أحضرت الخالة سلة بها الطعام ثم غادروا صوب منزلهم ...
" حسنًا سايا , نلتقي غدًا , وداعًا "
" شكرًا لك ساتو لأنك رافقتني اليوم , إلى اللقاء "
" لا شكر على واجب عزيزتي "
اتجهت ساتو لبيتها و دخل الأشقاء الثلاث منزلهم :
" مرحبًا , لقد عدنا .... لا أعتقد أن أحدًا هنا , هيا اغسلا أيدكما و تعاليا , ستجدان الغذاء جاهزًا "
ما إن غادر التوأم حتى دق جرس الباب , فاتجهت سايا لفتحه
" من بالباب ؟"
" إنه والدك , افتحي "
" مرحبًا أبي , تفضل "
" مرحبًا , هل عادت أمك ؟"
" لا , ليس بعد , أعتقد أنها ستتأخر اليوم "
" نعم أدرك ذلك , لكني اتصلت بها لتأتي - يضع حقيبته على المنضدة و يفتح ربطة عنقه- أنا تعب جدًا , سأصعد لغرفتي لأرتاح ,عندما تأتي أمك أخبريها أن لا تزعجني المهم أن تحضر ما طلبته منها ... -يُدخل يده في جيب السترة متأففًا - خذي هاتفي و ضعيه في الشاحن "
تأخذ منه هاتفه و هي لا تزال تنظر إليه باستغراب , ثم ترد بصوت هادئ " حسنًا , أمرك "
صعد للطابق العلوي متمتمًا بكلام غير مفهوم , يبدو من حركاته و تعابير وجهه أنه متذمر من أمر ما , ربما واجهته مشاكل في العمل ...
عاد التوأمان من الحمام, تناولا فطورهما ، توسل كورابيكا لتتركه يذهب لبيت الجارة للعب مع ابنها,
بعد إلحاح طويل , تركته يذهب , شرط أن يعود باكرًا , و أن لا يوسخ نفسه أو يخلق المشاكل ,
بينما آي قررت البقاء لمشاهدة التلفاز في أمان, المهم أن يتركاها في سلام نظرًا لتصرفاتها الغريبة الملحوظة اليوم,
على أي حال تحتاج للراحة و الجلوس وحدها لتهدئة و ترويض هذا الإحساس الهجين الذي يرفض الانصياع و الخضوع ....
في محاولة مجنونة يائسة لمدة طويلة تفتح كل أبواب حواسها لتطلق سراحه ,
أو بالأحرى لتطرده بعيدًا عنها , تصرخ في صمت يمزق حناياها , تترجاه ليتركها في سلام , و لكن دون جدوى , فقلبه قاسٍ ...
تُرهِف كل ما فيها , عبثًا تبحث عن ما يبعدها و ينسيها في كل هذا الهراء في حديقة غرفة الجلوس ,
بينما هي منهمكة في التفتيش عن سؤال ما في زهور تبدو كئيبة اليوم , رنَّ الهاتف,و قبل أن تتفطن للقيام رفعت آي السماعة :
" ألو , مرحباً ! من على الخط؟ "
" ألو , مرحبًا عزيزتي آي , كيف حالك "
" آاا , عمي ياماتو , أنا بخير و أنت , كيف حالك ؟ "
" أنا على ما يرام , هل والدك في البيت ؟ "
" أجل إنه هنا , هل أناديه لك ؟ "
" أجل عزيزتي , هيا أسرعي "
" حسنًا -تضع السماعة جانبًا- أبي ... أبي , العم ياماتو على الهاتف "
بصوت خافت لا يخلو من التبرم من الطابق العلوي " أنا قادم ... ألو "
" أكان , في أي عالم أنت ؟‼ , أحاول الاتصال بك منذ الصباح و هاتفك مغلق "
" نعم , لقد نفذت بطاريته , ما الأمر؟ "
"لقد أفقدوني صوابي إدارة المصحة , لا ينفكون يتصلون و يتصلون من أجل جثة العجوز و مقتنياته , أنت تعلم أني لست بالمدينة اليوم , اذهب بدلي "
" و ما الذي يفترض بي أن أفعله أنا, هل احتفظ بجثته في الثلاجة ؟‼ ... لقد أفسدت يومي بخبره هذا الصباح و تريد مني أن أذهب إليه, لا صلة لي بذلك الهرم , أخبرهم أن يفعلوا به ما شاءوا "
" ماذا تعني بكلامك ؟ "
" أرجوك , ما الذي يمكن أن يملكه ذلك العجوز المُعْدم , فليتبرعوا بأشيائه إن وُجِدت حقًا , و ليأخذوا جثته لمصلحة حفظ الجثث أو يدفنونه دون أي مراسيم أو أي سخافات , أو يرمونه في بحيرة ما , ما أدراني أنا ؟ , لن يفتقد العالم مجنونًا , إنه بحاجة للعقلاء "
" حسنًا , و لكن إن اتصلوا مجددًا يجب أن تفعل شيئًا , إنهم يفسدون عطلتي و زوجتي غاضبة جدًا مني بسبب هذا الإزعاج "
" لقد قلت لك مسبقًا, ليس لي أي وقت لمثل هذا الهراء, لست مهتمًا بالأمر و لن أضيع وقتي, إن تخلصت منه أخبرني و إلا, فلا داعي للاتصال بي مجددًا "
" حسنًا حسنًا , سأُعْلمهم بقرارنا , وداعًا "
"إلى اللقاء " و يضع السماعة بعنف
> آﯾ?َـآ آلآعژآءء .. ﯾړُﭴـ? عﮃم̝̚ آلرد :} !
التعديل الأخير تم بواسطة الجاثوم ; 29-07-2014 الساعة 01:08 AM
|
|
"ج2"
تفاجئه سايا خلفه بصوت قوي شجي
" عن أي عجوز أنتما تتحدثان؟ "
ينتفض انتفاضة خفيفة دلالة على الفزع " أنت هنا, لم أرك... إنه فقط ذلك المجنون "
تصرخ بصوت مبحوح و الدموع تباشر الظهور على عينيها " لا تنعته بالمجنون , ما الذي حلَّ بالعم رييو ؟ "
بتهكم واضح " ليس طبيبًا في المصحة, بل هو من المرضى أعتقد... لقد توفيَّ هذا الصباح "
تنخفض حدة نبرة صوتها " كـُـ ... كنتـ تعلم بهذا, صحيح ؟ "
" نعم , لقد اتصلـ ..."
تقاطعه و تعود للصراخ و تنفجر بالبكاء " و لم تخبرني بذلك , لماذا لم تخبرني , لماذا ؟ "
"سايا , كان لديَّ أعمال كثيرة اليوم , خسرت رهانًا و صفقة , و تشاجرت مع مديري و هو غاضب مني جدًا , بسبب العجوز الأحمق ذاك و الاتصالات المتكررة لإعلامنا بموته , لا ينقصني همك أنت أيضًا .. و من يهتم لأمره أصلاً ؟! "
" أنا أهتم !... أنت تدرك ذلك جيدًا, لكنك لم تخبرني, لما تكرهني هكذا ؟.. " وتركض صوب الطابق العلوي لغرفتها
" سايا ... سايا انتظري , تعالي إلى هنا ‼ ... آه يا إلهي ستفقدني صوابي هاته الفتاة "
تصعد السلالم و الدموع تغشي بصرها, تكاد لا ترى طريقها إلى الأعلى, و نواحها خلفها يتجرجر , تدخل غرفتها و تغلق الباب خلفها بقوة , و ترمي بنفسها على السرير محاولة كسر الأحاسيس التي اندمجت فيما بعضها البعض لتخلق ألمًا جبارًا أكبر من ذي قبل .. كانت منذ البداية تنذر بالنحس , منذ البداية كانت الحاسة السادسة رافعة الراية الحمراء , يا ليتها أفسدت المحاضرة و قلبتها رأسًا على عقب و لم يكن هذا ... لقد توفي العجوز رييو , العم الرييو شقيق جدها المتوفى , دخل المصحة العقلية منذ أن كان بعمر العشرين , بسبب أمور غير منطقية كان يتلفظ بها تفسيرًا لضياع يوري , صديقه المقرب , في رحلة لتصوير فلم وثائقي قام بها و أصحابه المقربون ,تومومي , واكانا و كوتا , و الذين فسر موتهم أيضًا رغم أنهم توفوا بطريقة عادية خلال فترات متقاربة في حوادث متفرقة تفسيرًا ليس له أساس من الصحة , و حديثه مع نفسه و شجاره و صراخه مع شخصيات خيالية لا توجد إلا في عقله , و إيذاءه نفسه ثم تلفيق التهمة لهاته الشخصيات ... هكذا يقولون عندما يتحدثون عن رييو المجنون , لكن سايا لم ترى أي خبل في تلك العينين , بل سكينة و لطفًا و رزانة ..
تعرفت على العم رييو و هي في العاشرة من العمر , عندما كان يصطحبها جدها أكيرا دومًا لزيارته من فترة لأخرى ... كان وحيدًا , وحيداً حقًا , تخلى عنه الجميع و تركوه منفردًا بائسًا مع اللون الأبيض و رائحة الأدوية و الموت , لم يكن له إلا شقيقه الذي يزوره كل أسبوع من باب الإنسانية , من باب الأخوة التي جمعتهما يومًا , و برفقته حفيدته الجميلة
"سايا" ‼
سايا لم تكن تعي أنه مجنون قد يودي بحياتها أو حياته في نوبة غضب أو هستيريا , لكنها كانت ترى و تفهم انه رجل عادي , رغم أن ما بعد الهدوء عاصفة هوجاء حتمًا .. بعد مرور الزمن توفي الجد , فشعر العم رييو بحزن عميق , لأنه فقد آخر ما كان يملك , و قد بدا هذا جليًا في كل ما هو فيه , انقطعت الزيارات بانقطاع آخر بصيص ... مرَّ الأسبوع الأول , فالثاني , فالثالث فالرابع , و رييو يغوص في الحزن أكثر فأكثر ‼
و ذات مطر جاءت ... تلك الصبية التي ملكت ما يكفي من الشجاعة والوعي و الرحمة , لتقف إلى جانب هرم لم يتبقى له إلا طاقم أسنانه القديم , مثلما رآها هو و استغرب من قدومها , رأته هي واحتارت في الحزن الذي يفوح منه ...
كانت يانعة آن ذاك , و ما كنت لتكذب و تراوغ , أثبتت أنها تريد أن تتوغل في هته الروح ,أن تكون لجنبه , أن تكون الصندوق الخشبي الصغير الذي نخبئ فيه أسرارنا و أثمن ما نملك .. فتح رييو قلبه , و لم يتوانى في كشف كل ما يوجد في الثنايا و أفرغ كل ما في جعبته, و كان رييو ؛ ريو حقًا ، لكنه لم يجرأ أبدًا على فتح آخر و أصغر بابٍ أوصده بإحكام منذ زمن بعيد , رغم تكتمه و صمته و بسمته تلك التي يرد بها دومًا عن سؤال لا طالما رددته بنفس الصيغة و بعفوية مطلقة
"( لم زجوا بك هنا ؟ , أنت لا تتصرف أو تتحدث كالمجانين أبدًا )" ...
قطعًا , لا يمكنه أن يخبرها بأي شيء, كي لا يُرمى به لآخر الرواق بعيدًا عن الحياة و النور و فوضى المرضى و الزوار و الأطباء , يريد أن يشعر و لو قليلا أنه هنا في مكان ما من هذا العالم الكبير , أنه موجود حقًا , أو شبه إنسان , أو ربما لا يريد أن يبدو مجنونًا في نظرها بعدما صورته لمدة طويلة عاقلاً , لا يريد أن يفقد ما كسب بدل شقيقه , فلن يسقط عليه شيء من السماء .
هكذا كانت حياته , مغامرة صغيرة تودي بحياته و حياة أصدقاءه, ليدخل مصحة عقلية في غز شبابه و يقضي فيها خمسين عامًا , يتلوى و يحترق , في نفس ذلك الصمت الطاغية الذي أرهقنا جميعًا ...
دخل ابن العشرين , مفتول العضلات , قوي و وسيم , و خرج بن الستين , ضعيف , خائر القوى و عجوز...
لا طالما مات المُهَمَّشُون المُهَشَمُون في صمت , بل تحت ظل صراخ الحياة التي لا تبالي , مطلقًا ...
× قامت سايا من سريرها بعد أن أغرقت وسادتها في الدموع الحارقة الساخنة , مسحت ما تبقى من الألم و الندى من على عينيها , غيرت ملابسها و اتجهت نحو الأسفل و ارتدت حذاءها و اتجهت للباب الخارجي , لمَّا سمع والدها صوت فتح الباب أسرع إليها و نداها , لكنها لم ترد عليه و استمرت في المسير , نحو المشفى لتتكفل بجثة العم رييو .. وجدت القطار معطل لمدة مؤقتة بسبب الصيانة , و ما من سيارة أجرة , العالم اليوم كله ضدها , رغم أن السير إلى هناك على الأقدام يستغرق ساعة كاملة , إلا أنها ذهبت مشيًا و لم تأبه أو تهتم , أو بالأحرى ذهبت ركضًا , لكنها لم تصل في الوقت المناسب , لقد تمَّ دفن العم رييو , ذهب للأبد و لن يعود أبدًا
[ بأمر من أقرباءه دفناه في مقبرة المشفى , لأولئك الذين لا يملكون أهلا و يموتون هنا ]
هكذا قالوا لما سألت عن المريض صاحب الغرفة 201 !
هل لهذه الجملة من معنى ؟! , بأمر من "أقرباءه" دفناه في مكان مخصص "لمن لا أقرباء له", ما هذا العالم الغريب, ماتت قلوب الناس .. لم تستطع أن تنقذ منه شيئًا سوى مذكراته الغير صالحة لتبرع, و قلادة كانت في طريقها للبيع لتذهب نقودها لميتم ما , و ذكريات حلوة معه , تركت البهو العظيم , و اتجهت للمقبرة الصغيرة المخفية خلف أشجار العليق , استطاعت ان تتعرف إلى قبر العم رييو لأنه جديد على غرار القبور الأخرى , تبدو من القرن الماضي , و كأن الزمان قد توقف في تلك المقبرة , بقيت لجنب قبره مدة طويلة و لم تشعر بها قط , كل ما في الأمر أن الدموع انهمرت بغزارة , و دون توقف .. قد توقف ألم الحاسة السادسة , لكن حلَّ بدله شعور آخر , إنه شعور بالضياع و التيتم , بالحزن الباذخ , ثم غادرت تاركة بركة دموعها خلفها لتدفئه هذه الليلة , كاعتذار منها عن انقطاعها عن زيارته الشهر المنصرم بسبب انشغالها بالمحاضرة ... لم تعد للمنزل بالخطوات السريعة التي أتت بها , و لم تبالي بالقطار و سيارات الأجرة , فلا تهمها العودة مثلما أهمها المجيء , سارت ؛ و سارت , و لم ينهكها المسير , و بينما هي تائهة و شاردة , فاجأها فتــًا يخرج من محلٍ كالرصاصة صارخًا و زاهيًا
" ياا رجل! لا أصدق هذا ! أرأيت كيف طفى الكأس في السماء لوحده؟! "
" أنا لن أعود لهذا المكان مجددًا أبدًا, دومًا ما تجرفني لما لا أحبه "
" ههه , أصمت أيها الجبــان "
بعد حديثهما المشوش رفعت رأسها نحو واجهة المحل ... "المشعوذة أنستازيا " هذا ما كتب بالأعلى , إنها محل للترهات , و إعلان أسفله عن لعبة ما , تتصل بها مع عالم الأرواح , لتخبر عزيزًا فقدته بأمر ما كنت تود ان تقوله و لم يسعفك الحظ , أو يخبرك هو .. فجأة أصبحت الترهة أمرًا جديًا و حقيقيًا , دون وعي و بكل تلقائية , جدت نفسها تدخل , فتطلب اللعبة و تخرج,ليعود لها وعيها و تحلل ما فعلت ,هي لا تعرف هاته اللعبة و لا تعرف كيف تلعبها و لا تؤمن بها , و لكن شيء في الأعماق قادها , ربما لتحدث العم رييو لآخر مرة ... لا تدري حقًا , فقط أكملت طريقها الطويل للمنزل .
إنها السابعة مساءًا , تدخل البيت عابسة ؛ حاملة القلادة و المذكرة و اللعبة , و تتجه لغرفتها دون أن تحيي أحدًا أو تبحث عن أحد , تسمع أمها صوت قدوم أحدهم , فتسرع نحو الأسفل " هل هذه أنت سايا ؟, أين كنت ؟, تعالي لأتحدث إليك "
لا ترد سايا و تستمر في صمتها الذي تبنته فجأة .. تعاود الصعود للطابق العلوي نحو غرفة سايا
" يا إلهي , ما به هاته البنت ... سايا افتحي الباب و حالاً ! "
ترد من خلفه " لن أفتح , اتركيني و شأني "
" سايا , أرجوك افتحي , أنا قلقلة عليك "
تعود للبكاء " ما الذي تريدينه مني ؟ "
" أرجوك عزيزتي , افتحي , أود أن أتحدث إليك "
تفتح الباب و تصرخ " ما نفع الحديث الآن , لقد مات و انتهى , لقد أخفيتم عني أمرًا مهمًا و يعنيني كثيرًا ,و أنتما تدركان هذا , أنتما تعلمان أن العم رييو عزيز على قلبي , لما فعلتما بي هذا ؟‼ "
تحاول الاقتراب منها لتحضنها "عزيزتي كان لديك محاضرة اليوم و لم أرد إزعاجك أو تعكير يومك, لقد قلتها الآن ؛ قد مات و انتهى !"
تبتعد عنها نافرة رافضة عناقها "إذًا , أنت أيضًا كنت تعلمين بالأمر .. يمكنك أن تغرقي الثلاجة في أوراق ملاحظاتك , لكن لا يمكنك أن تخبريني بأمر أهم من القيام بواجباتك بدلك .. لقد ألغيت محاضرتي , و لن أتحدث إليكما مجددًا , اتركيني و شأني , أنا أكرهكما ! " و ترتمي على سريرها من جديد لتجهش في البكاء
" ماذا؟ .. يا إلهي ! "
ثم تخرج من الغرفة نحو غرفة الوالد " اسمع , ستقوم سايا بأمر سيء , أنا واثقة , لقد قالت إنها تكرهنا , كنت واثقة أنها ستغضب لكن ليس لهاته الدرجة "
دون أن يوقف استهزاءه و تكبره " لو منعتيها من الذهاب إليه منذ البداية لما جرى هذا , الآن أصبحت مجنونة مثله "
تصرخ في وجهه "و الآن تلومني أنا؟ , أعتقد أن أول من اصطحبها هو والدك, و ليس أنا -يعود صوتها الحنون الرؤوف- أنا قلقة عليها جدًا, أنا أعرفها جيدًا, عاصفة غضبها هوجاء "
" هذا كله هراء, ستتحسن مع مرور الأيام, أليست في سن المراهقة ؟!, ستنسى الأمر بسرعة "
بنبرة الرجاء " آمل هذا "
يعود الهدوء للمنزل , و ينام الجميع , إلا سايا .. لا زال الوجع جديدًا في قلبها و الجرح حديث .. تتذكر المذكرات , تحضرها .. تتحسسها .. تتملكها رغبة في البكاء فتكبحها , قد تعبت من النحيب ..
ثم فجأة , تتذكر أمر اللعبة ، لتتصرف بالتلقائية نفسها و تجلبها لتتفقدها ... كُتب عليها "لعبة الويجا" .. اسم الغريب قد لعب في وقت سابق في ردهات مسامعها.. تفتحها أمامها , تتمعن في الرموز العجيبة التي أحاطت بها و في الأحرف المبعثرة عليها , و كلمتي |نعم| و |لا| ..
بغتة ؛ تتذكر أن ساتو قد أخبرتها عنها من قبل , فتسرع نحو هاتفها لتتصل بها لتجد الساعة قد قاربت الثانية فجرًا .. حتما هي نائمة الآن .. فتعدل عن الفكرة و تغلقها ثم تعود باحثة عن نوم شهي بين ثنايا الظلام .
[ نهاية الفصل]
يتاح لكم الرد الآن
التعديل الأخير تم بواسطة أثير الفكر ; 21-08-2014 الساعة 06:21 PM
|
|
من المذهل تعاون كاتبتين عظيمتين في كتابة رواية!
راااائعة ♥___♥ وكلمة رائعة لا توفيها حقها!
أشعر بمقدار المفاجآت التي تخبؤها الفصول القادمة.. أنتظرها بشوق ومتحمسة جدا لمعرفة قصة العم رييو والسر الذي يخفيه..
اللغة والفواصل والأسلوب كلها رائعة.. أبدعتما بحق ^^
|
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
واااااااااااو ..
إبداع فاق الخيال ما شاء الله ..
لكم تشدني روايات الغموض والرعب *^* ..
تعاون كاتبتين جذابتين ..
أتشوق لإكمال القصة المدهشة ..
دمتم بود ..
|
|
وظهرت الرواية أخيرًا بسبب كسل الأخ ساعة وانشغاله
وارتباطه بالعديد من الروايات فسأقرأ روايتكم دفعة واحدة
عند اكتمالها فأنا لا أحب أنسى التفاصيل ^^"
إلى ذلك الحين...
|
|
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
تبارك الرحمن .. رواية رائعة ننتظر التكملة منها .. أعجبتني جداً
وطريقة الصياغة تدخل في القصة وتعيش أحداثها مع أنها للفتيات