الفـــتـــــــــاة و النــــيـــــــلوفر ( الطَلَل) ~جري...
لهاث...
تعب...
ألم...
ارهاق..
و دموع هاطلة...
جميعها امتزجت في اللحظة ذاتها
علتهم تساؤل محير لا إجابة شافية له:
" لمَ أبكي و قد تجرَّدتُ من مشاعري؟! " ~
كانت وِجهتها مبعثرة
و خطاها خبط عشواء،
حتى قوَّمت المسار لبحيرة النيلوفر
حيث تدرك أنه المكان الوحيد القادر على احتواء مشاعرها ~
في ظل كل المشاعر المتهالكة و المختلطة،
كانت لينا قد وطأت الأسوار الوهمية للبحيرة
و بدأت باستعادة شريطٍ لطالما أرادت قطعه من سلسلة ذكرياتها ~
تتعالى أصوات السَّعادة
الممزوجة بأصوات زخات المطر الرحيمة الهاطلة بلطف
و أصوات تطايرِ كميةٍ من المياه المتجمعة في بركٍ طينيةٍ حديثة العهدِ
من قبل فتاتين فرحتين بهطول رحمة الله،
وهما تلعبان بمظلةٍ حمراءَ اللونِ
تحوى نقوشاً جميلةً اشترتاها من بقالة قريبة…
السَّعادة المرتسِمة في وجهَيّ كل من لينا و صديقتها سارة
هي سَعادةٌ نقيةٌ و بريئةٌ،
ما دُنِسَت قط أو شابتها أيُّ تعاسة،
عاهدتا نفسيهما ألا تفترقا،
و أن تظلا على عَقَدَ صداقة ثابت طوال السنين ~
ما خلتا يوماً أن المظاهر من حولهما خدَّاعة،
الشجع و الطمع و حب الذات تُعمي البصيرة السليمة،
و بدورها حطمت ذاك العَقَد الذي حفظتاه في قلبيهما،
و قسمتا على الوفاء عليه طوال السنين ~
كانتا ضحية عماء تلك البصيرة،
حينما باتت مزرعة عائلة سارة بالتدهور يوماً بعد يوم
بعد رحيل جدها عن الحياة تنازع أبناءه الجشعين على الورث،
فقرر والدها ترك القرية و البحث عن عمل جديد في المدينة،
حفاظاً على أسرته الصغيرة،
و ضمان مستقبلها،
و هكذا و دون سابق انذار
تفرقعت غيمة أحلامهما الجميلة
في سماءٍ سوداءَ مجهولةِ المصير ~
ما أسوأ لحظة الوداع!
و ما أبغضها على قلوب كثيرٍ من البشر!!
فيها تتباين المشاعر
بين مشاعر حارَّة جياشة و مشاعر باردة جافة...
بين تحسس عاطفيٌّ للحظات و بين انكارها انكاراً تاماً على أنها لا تقدم شيئاً أو تؤخر...
و بين دموع حزينة هاطلة بغزارة و بين ابتسامة تخفي الكثير...
أيا ترى ما هي مشاعر لينا و سارة لحظة الوداع!!
كانت ليلةً قمريَّة،
هادئة، صافية، ملئلئة، و نقية،
لكنها غامضة يصحبها صمت عجيب!
صمت يخفي مجاهيل المستقبل في دواخله،
ذاك المستقبل الذي تخافه لينا، كما سارة و أسرتها ~
علقت لينا ناظريها للسقف
تنظر للظلام القابع ها هناك،
وكأن الظلام غير حاضرٍ إلا هناك!!،
في الحين الذي يشتغل فكرها
بتخيل مصيرها المجهول
الذي يوشك أن يُبتدأ في أية لحظة~
هناك على الجهة الأخرى من الجدار
تُرمى حُصيات تنبه لينا لوجود روح ما،
حينما انتبهت لذلك كانت تلك اليد قد أُنهكت من رمي تلك الحُصيات،
فحينما تبحر لينا في بحر التفكير
يغدو رسوها صعباً للغاية،
و شعورها بالمحيط شبه معدم...
" ســـــــــــارة، ماذا تفعلين هنا؟ في هذا الوقت المتأخر"،
كانت نبرة لينا السعيدة و الممزوجة بالحيرة
جيدة كفاية لاخفاء ما في قلبها،
لكنه تمثيل ما يلبث إلا أن يُكشف بسهولة
من قبل سارة التي تجاهد كما كل مرة على اظهار وجه غير منتبه لذلك~
"جئتُ أتأمل السماء معك، كما تفعلين دائما..."،
كانت نبرتها حنون كما العادة …
للينا مشكلة مع إلتحام جزء من جسدها
بجزء من جسد شخص آخر،
لذا تجد نفسها تنفر من العناق و التقبيل
و تُشدد على ارتداء ملابس طويلة،
و حينما تضطر فإنها تمسك بقطعة من رداء الطرف الآخر،
إلا أن هذه المرة أمسكت بيد سارة
و أخذتها لمكان ما ~
سارتا قليلاً فانتبهت لينا ليدها
و سحبتها قائلة: "أعتذر".
أومأت الأخيرة بأن لا بأس في ذلك.
التلة المجاورة للمنزل كانت مقصدهما،
حيث تتضح صفحة الســـــــــــمـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــاء
كلوحة زيتية لفنان كرَّس إبداعه فيها،
فسبحان الخالق…
صُفَّت النجوم بطريقة خيالية
كأنما في قصص الأحلام،
و الشُهب أضفت بهاءً على تلك اللوحة
تخللتها أمنيات حاولت الفتاتين تمنيها وقت نزول الشهب
على أملِ أن تتحقق يوماً ~
ابتدأ لينا بالحديث "سارة..."
- ............
- حينما تذهبين للمدينة الكبيرة عديني أن تُحضري حلوى القطن معك حينما تأتين....
- كما تريدين![]()
عَلت السعادة وجه لينا:
- لنبقى على تواصل، ارسلي لي حالما تصلين عن عنوانك الجديد ليتسنى لنا كتابة الرسائل
فكرت سارة في الحياة المجهولة التي تنتظرها لبرهة قصيرة، ثم قالت: لا تقلقي، سأفعل.
تأملتا السماء من جديد، لتتمنى كل واحدة للأخرى حياة سعيدة ~
بعد الجلسة الجميلة عادتا لاحتضان غطائهما
بمشاعر ممتزجة
بين السعادة لقضاء وقت ممتع في جلستهما تلك
و الحزن لأنها واحدة من آخر الجلسات لهما معاً…
صباحاً ~
غنَّت الطيور على لحن مضطرب،
لم يكن ذا إيقاعٍ منظمٍ
أو صوتٍ شجيٍّ كما اعتادت أن تكون،
كانت خائفة تصدر انذاراً خاصاً بها
لتنبأ بقية الطيور،
لكأنما تنفست أحداثاً حدثت و انفعلت لها
و تكهنت لأحداثٍ جديدة مجهولة قبل حدوثها بساعات!!
بعدها بفترة قصيرة~
هاجت كل الطبيعة و صبَّت غضبها السريع،
صرصرت الرياح و قلَّعت أشجاراً من جذورها،
دوَت البروق
و شقت طريقها لأرضٍ ارتعشت حينما التحمت شحنات البرق الهائلة بها،
زمجرت الرعود، فانسل أمانٌ كان ساكناً في قلوب قاطني القرية،
تساقطت شلالات من المطر الغزير
مصحوبة بالدعاء لأن يحفظ الربُّ القرية،
كلٌّ حاول حماية كوخه من أن يصيبه مكروه،
كلٌّ طوَّق أسرته لحمايتها من الهلع...
في ظل هذا العنفوان العدائيُّ،
اختبأت لينا تحت الفراش غارقة في عالم آخر ~
استمر غضب الطبيعة لساعة تقريباً
قبل أن يُنهي تفريغ ما في أحشائه و يرحل مبتعداً،
ليعود دفء الشمس رويداً للمكان
و يفصح عن عشرات الأرقام من الدمار الذي خلفه؛
منازل انهارت سقوفها البالية،
مزارع التهمت البروق مزروعاتها،
أشجار التصقت بأديم الأرض
و أخرى احترقت،
خرج الرجال محاولين مساعدة المحتاج،
و انقاذ الجريح،
تقديم خدمة تُهدأ خوف الأرواح~
تسارعت خطى لينا
للاطمئنان على حال صديقتها سارة،
و تجاوزت قوى جذب الطين لقدمها،
فاتسخت الأخيرة بها
و بمعالم القلق والخوف المترسمة على وجهها
حينما وصلت لمنزل أسرة سارة الصغيرة
كان غبار رحيلهم قد خيّم في المكان ~
عادةً في أوقات الرحيل،
تتوالى عبارات الوداع على المسامع
و تنهال الدعوات بالتوفيق و السداد،
دموع الحزن تشق وجنات البعض،
و دموع زائفة مجبرة على النزول لدى البعض الآخر،
و دموع ثالثة ما نزلت إلا لرؤية تساقط الدموع الأخرى ~
لكن لم يكن لهذا الطقس حضور
في مراسم وداع أسرة سارة التي اختفت بعيداً عن مرمى الأنظار قبيل الفجر،
دون كلمة أو حركة ترشد الآخرين لرحيلهم~
صعقت لينا و جرت للغابة ناحبة إلى اللامعلوم
حيث التقت ببحيرة النيلوفر لاحقاً~
لماذا لم تخبرني أنها راحلة؟!
لماذا لم تخبرني أنه لقاؤنا الأخير؟!
لماذا أخفت كل ذلك عني في ابتسامة ملاكية عذبة؟!
أسابيع قليلة
حولت نهارهما السعيد ذاك تحت المطر
إلى نهار يجر أطنان حقائب السَّعادة كلها
و يرحُل بعيداً بلا عودة،
ليته فقط استطاع سحب مشاعر لينا معه
و أخذها بعيداً كي لا تُقاسي معاناة الرحيل~
~ يـــــــــــــــــتـــــــــــــــــــبـــــــــــ ــــع ~


رد مع اقتباس


المفضلات