عودة..~
وصف ذكيوهناك، على أحد تلك الأبسطة، رقدت مهمتي.
وأنهى جملته بأن تقدم بفرسه فأفسح المجال للمظهر الذي خلفه. كان مظهر جثة غارقة في بركة الدماء،
|
|
عودة..~
وصف ذكيوهناك، على أحد تلك الأبسطة، رقدت مهمتي.
وأنهى جملته بأن تقدم بفرسه فأفسح المجال للمظهر الذي خلفه. كان مظهر جثة غارقة في بركة الدماء،
|
|
كانت النية أن أضع الفصلين الثالث والرابع معًا، لكن سيتأخر الفصل الرابع إلى الأسبوع القادم بإذن الله بسبب بعض الظروف.
أدرنة، تركيا، 1447
تطلّع ببصره إلى السماء الزرقاء. كانت صافية نقية إلا من أشلاء غيوم متراكمة في زاوية الأفق، وكأنها تؤكد له صدق الأنباء الشنيعة التي وصلت إلى مسامعه عن تلك البقعة النائية عن سلطنته. وقف السلطان مراد متأملاً، فقد وضع في حسابه أن يحدث مثل هذا الأمر ذات يوم، لكنه وقد حدث الآن قبل أن تكتمل تحضيراته له، لم يجد أمامه إلا أن يرتجل ويستخدم ما بوسعه من إمكانيات لكي يعيد الأمور إلى نصابها المستقيم. استفاق من تأملاته على صوت وصول الشاب فلاد ومثوله بين يديه. كان هذا الشاب هو الوريث الفعلي لحُكم والاكيا، فبعد مقتل فلاد الثاني وابنه البكر على يد البويار، وتعيين القائد يوان دي هونيدوارا لأمير جديد على البلاد يُدعى فلاديسلاف، ولاؤه وطاعته لإمبراطورية المجر، كان لا بد من اتخاذ ردة فعل حاسمة، والتصدي للنفوذ المجري وأطماعه قبل أن يمتد نحو البقاع المجاورة التي تتمتع بحماية ورعاية العثمانيين فتحول أمنهم إلى خوف وطمأنينتهم إلى خراب ورخاء عيشهم إلى دمار. ولكن ثمة مشكلة جديدة، فالشاب الماثل بين يدي السلطان ما يزال حدث السن في السادسة عشرة، ومع أنه خضع لتربية وتدريب يؤهلانه لخوض غمار الحكم مبكرًا إلا أن ثمة أمورًا كانت تقلق السلطان سوى ذلك. كان يتابع أخبار الفتيين ابني فلاد الثاني بين الحين والآخر عبر تقارير يرسلها له معلموهم. كان محتوى تلك التقارير مزعجًا، لا سيما في حالة الشقيق الأكبر فلاد. أما الشقيق الأصغر رادو فهو قد تميز في التعلم والفهم السريع وإتقانه للأمور حتى أثار إعجاب معلميه من ناحية، وحسد وغيرة أخيه من ناحية أخرى. اتخذت غيرة فلاد من أخيه طابعًا شديد السلبية، انعكست على أدائه في الفنون والعلوم التي يدرسها، كما ذكر أحد المعلمين في تقريره أنه عثر على آثار تعذيب وحشية على بعض الحيوانات الصغيرة أثناء رحلات الصيد التي كان يشارك فيها الأميران الصغيران، ورغم أن فلاد كان ينكر بشدة أي علاقة له بالأمر، إلا أن ذلك لم يمحُ كليًا عن جبينه بصمات الشك والاتهام.
التفت إلى الشاب فلاد قائلاً: "لا بد أن الأنباء الحزينة قد وصلتك. هيئ نفسك واستعد، فسنرسلك إلى والاكيا على رأس جيش صغير لاستعادتها، وستكون أميرًا عليها تحت وصايتنا".
لم يزد الشاب على أن أحنى رأسه وتمتم: "لن أخيّب ظنّ مولاي"، وعبثًا حاول السلطان أن يستشف ما تحت قناع وجهه البارد الهادئ.
وبينما كان يودع الجيش المنطلق إلى والاكيا ويعطيهم تعليماته الأخيرة، لم يدر بخلده أنه قد فتح لتوّه في التاريخ أخدودًا مليئًا بالدماء والدمار، وظلامًا منبئًا بالهلاك والبوار.
من مذكرات دانيسلاف الوالاكي
والاكيا، رومانيا، 1447
كصباح كل يوم، استيقظتُ على خشونة التراب وظلف الحجارة وزحف الديدان المبكر فوق كل شيء مستمتعة بالنسمات المنعشة قبل أن ينتهي بها المقام في معدة أحد الطيور أو في مناقير فراخه. هل قلتُ "كل يوم"؟ كلا، لم يكن الحال هكذا قبل شهرين، إذ كنت أميرًا مطاعًا يمتد نفوذه وثراءه إلى تملك عدة قرى وخراجها. لكن أبى القدر إلا معاندتي، فجاء أولئك الهنغاريون اللقطاء وقتلوا أمير البلاد وولي عهده وقسمّوا قرى والاكيا وثرواتها فيما بينهم. وهكذا ألفيتُ نفسي في معسكر في عمق الغابة وحيدًا إلا من عدد قليل من الجنود والأتباع الأوفياء. لا أدري ماذا حلّ بمعظم الأمراء المحليين الآخرين، لكن سمعتُ أن واحدًا أو اثنين منهم قد تحصّنا في قلاعهما وامتنعا عن الهنغاريين، لكن وضعهما ليس بالسلس إذ لا يُتوقع وصول إمدادات أو مساعدات إليهما من أحد. قطع حبل أفكاري رؤية أحد جواسيسي الذين بثثتهم في الأرجاء قادمًا يعدو من بعيد. ألا ليته يتعثر ويقع في بركة رمال متحركة ويريحني من سحنته المتجهمة التي لا تأتيني إلا بالأخبار السيئة. ها هو ذا يجري جريته الهوجاء المعتادة، وكأن نارًا تندلع في قفاه، أو أشواكًا تتقافز في حذائه، والاحتمال الأول يروق لي أكثر. بعد أن اقترب أكثر بحيث أمكنني تبيّن تعابير وجهه، أيقنت أن هيئته اليوم هي غير الهيئة المعتادة، فهل يُعقل أنه يحمل خبرًا سارًا هذه المرة؟ وهكذا تبدّلت الشكوك باليقين حين وصوله، واستشعرتُ أول بصيص أمل بعد أن كدتُ أعتاد مجالسة القرود والضباع في هذه الأدغال.
هرعتُ مع جنودي القلائل إلى مكان الحدث. لقد أخبرني جاسوسي بوصول الأمير الصغير فلاد الثالث إلى ضفة نهر الدانوب، ولكن حسبما فهمت من كلماته المبعثرة بين أنفاس اللهاث فإن رحلة الأمير لم تكن ميسّرة، إذ اصطدمت سفينته ببعض الصخور وفقدوا عددًا من الرجال والعتاد، وبهذا تحول الجيش الصغير إلى فرقة صغيرة، واضطروا للرسو في غير المكان المخطط له. ربما كان ذلك من حسن حظي، أو من سوءه، فلم أكن على يقين بعد ما إذا كنتُ سأستقبل ما سوف يزيل كربتي أم يزيدها غليانًا. التقيتُ بالأمير قرب ضفة النهر؛ لقد شبّ كثيرًا في السنوات القليلة التي قضاها عند العثمانيين، ووجهه وبريق عينيه جعلاني أستحضر ذكرى والده أمامي. لكن كلا، ليس بعد، فما ينبغي لي أن أتعجل، ولا بد لي من اختباره أولاً حتى أرى إن كان يصلح لهذا الأمر أم لا. أخبرتُ الأمير أنني وجنودي سننضم إليه إن استطاع تحرير قرية شمال هذا المعسكر من قبضة فلاديسلاف وريّ رغبتي بالانتقام منه. توقعتُ منه استنكارًا أو اعتراضًا على مساعدتي المشروطة، لكنه لم ينبس ببنت شفة. أشار إلى أتباعه ومضى دون أن يلتفت. حسبتُ أنه يئس مني وقرر البحث عن شخص آخر يساعده، وهممتُ بعد بعض الوقت أن أرسل أحد أتباعي خلفه لكي يعود وأعرض عليه مساعدتي بشروط أخف، لكن دخانًا في السماء أوقفني. كان الدخان يتصاعد من جهة القرية المذكورة، وكان سواده وكثافته ينبئان عن أمر جلل، ليس أقل من احتراق كافة أبنية القرية أو معظمها. ولم يلبث أن جاء البشير، وبعده فلاد وجنوده، وقد اغتنت عرباتهم من مغانم القرية من ذهب وعتاد ومؤونة. هنا أيقنتُ أنني رُزقت بهدية من السماء، ولن أكون ذلك الأحمق الذي يبصق اللقمة بعد أن توضع في فمه. انضممتُ إلى رجال فلاد، وصرتُ ساعده الأيمن، وبدأتُ بإطلاعه على ما لديّ من خرائط وإرشاده على الأماكن المحتملة لحلفائنا في أنحاء والاكيا، لا سيما الأميرين المحليين اللذين تأكد لي صمودهما وتحصنهما في قلاعهما وإباءهما الاستسلام والتسليم.