أولى مشاعر القرف التي رأيناها، كانت بـــ(فضل) بعض النساء لدينا! وليس هذا بمهاجمة للنساء لا سمح الله، ولكني أذكر عادة لم أفهم مغزاها منذ رأيتها في طفولتي إلى الآن، عادة يتميز بها بعض هؤلاء النساء (الحنونات)، إذ كنا مرة في زيارة ما، وقامت إحدى بنات البيت لتتولى مهمة إعداد السندويشات للصغار في البيت، وكانت كل ما أنهت إعداد سندويشة نادت أحد الصغار، وإذ يَمُدُّ يده ليأخذها، تسحبها أخته لتقضم منها قضمة كبيرة، وتعيدها إليه! وأؤكد أنني لم أفهم مغزى هذه الحركة إلى الآن، إلا من باب أن هذه الأخت تريد أن (تبارك) السندويشات لأخواتها، لا أكثر ولا أقل!
وهذا أمر هين لين، إزاء ما سمعته ذات يوم، وكنا في مجلس ما، وفيه بعض النساء (الحنونات كالعادة)، وهذه إحداهن تحكي لنا _ في تأثر شديد _ كيف أنها (تساعد) ابنها الصغير في الأكل، لتحرم نفسها هي الأكل، إلى أن تطمئن إلى أن ابنها الصغير قد أكل، وتلك المساعدة (القيمة) تتمثل في أنها تضع اللقمة في فمها وتمضغها (له)، ثم تعطيه إياها ليأكلها، و(يقبر قلبي إن شاء الله، ابني حبيبي، عمره خمس سنين)!
لا أعرف هل صاحب الخمس سنين لا يستطيع الأكل إلا بهذه الطريقة المستفزة فعلًا، أم أنه يعطي أسنانه إجازة ما قبل الأكل، ولا بد بعدها من أنه سيموت جوعًا ما لم (تتكرم) أمه عليه و(تضحي) بسعادتها وهناء لقمتها لتمضع له الطعام؟!
ويبقى هذا الأمر هينًا كذلك، ما دمت أكتفي بالسماع، أو حتى بالرؤية، ولست طرفًا مباشرًا في ما يحصل من هذه (الإبداعات)، ولكن كان لا بد لي من أن أقف موقف المواجهة المباشرة إن صح التعبير ومواقف القرف هذه، في أكثر من مناسبة.
من صغري أعاني مشكلة التهاب اللوزتين المتكرر، ما يجعل من حلقي صخرة متيبسة، لذا كان مستحيلًا عليَّ أن أتقن ذلك السحر، الذي يقتضي برفع زجاجة المياه عاليًا لصب المياه منها في الفم، ولم يكن لي إلا أن أشرب من الكوب مباشرة، أو من زجاجة خاصة بي، لا يشرب أحد منها من بعدي.
وما أروي لكم هذا الأمر، ولا أحكي لكم هذه المشكلة، إلا لأنها تتعلق مباشرة بموقف القرف الكبير الذي عشته وقتها، إذ ارتفعت حرارتي بغتة في المدرسة ذلك اليوم، وشعرت بثقل في رأسي، فنزلت إلى الإدارة، وأنا أتمنى أن أقابل ذلك الناظر الذي لا يتحمل رؤية تلميذ يشكو أي ألم كان، إلا ويطلب إليه الرجوع إلى الصف ليحمل كتبه وينصرف بها إلى البيت، ولكن حظي لم يكن جيدًا، إذ إن من استقبلني في الملعب كان المدير بنفسه، وكنا نعلم جميعًا أنه _ رحمه الله _ ليس له سوى علاج واحد، من يؤلمه بطنه يذهب إلى الحمام، ومن المؤكد أنه سيرتاح بعدها! ومن يؤلمه رأسه فليصعد إلى الصف وينام على طاولته، ومن المؤكد أنه سيرتاح بعدها! وإن كنت أشك في هذا الأمر، فلقد كان يتميز بعادة قاسية بعض الشيء، وهي أنه يرفع يده عن آخرها ليهوي بها على جبهة الولد المريض بضربة عنيفة، ثم يتحسس هذه اليد باليد الثانية، ليقول باستغراب (اطمئن! لا يوجد حرارة)!
حينما لمحت المدير استعدَدْتُ لتلقي ضربة عنيفة حينما يسألني عن وجعي، وبعدها سيطلب مني أن أرجع إلى الصف وأنام، كنت أتمنى ألا يحصل هذا، وبعدها قلت ليته فعل هذا! لقد طلب مني أن ألحق به إلى غرفة الإدارة، وهناك ناولني حبة إسبرين، وأشار إلى إبريق المياه الزجاجي الكبير قائلًا لي: (اشرب)، ولم أعرف كيف أشرب، بسبب المشكلة التي أخبرتكم بها، وفوجئت بالمدير يقول متأثرًا: (فهمت، فهمت، أنت لن تشرب قبل أن يشرب المدير، ليت كل التلاميذ مثلك)، وقبل أن أحاول الرد، حمل حضرته الإبريق ووضعه على فمه مباشرة، وانطلق يشرب بسرعة كبيرة وهو يعيد رأسه إلى الخلف ويمده إلى الأمام، وأنا أرى مذعورًا الماء يدخل فم المدير ويرتد في الإبريق! والأسوأ أن المدير ناولني الإبريق بعدها قائلًا لي: (اشرب)!
شعرت حقيقة بأنني على وشك التقيؤ، ومن المؤكد أنني لم أمد يدي لأحمل الإبريق، بل وضعت حبة الإسبرين في فمي وأخذت أمضغها، لأفاجأ بعلامات الاشمئزاز تعلو وجه المدير، وبهتافه المستنكر الذي كاد يرج المدرسة: (ماذا تفعل؟ هذا إسبرين! يعني هذا دواء! دواء! وليس حبة ملبس)!
تجاهلت الرد، وغادرت الإدارة لأرجع إلى الصف، والمدير ما يزال يكرر هتافه المستنكر، وأنا أشعر بقرف مزدوج، ولا أدري أيهما الأسوأ حقيقة، هذا الطعم المقرف في فمي، أم ما رأته عيني!!
والشيء بالشيء يُذكَر، أذكر أنني بعد ذلك، ربما بسنة أو اثنتين، مررت بموقف يشابه هذا الموقف قليلًا، لكنه أسعدني على ما فيه من القرف والألم معًا! وقتها أراد أخي أن يثبت لي أنني واهم في ما أشعر به، وأنني أستطيع شرب الماء بتلك الطريقة المذهلة، ولم يصبر حتى ينتهي الدوام ونرجع إلى البيت، بل أصر على ذلك في الملعب، وقت الفسحة، وطلب مني أن أفتح فمي (فقط)، فطلبت منه أن يتمهل، ورد بحزم أنه يكفيني أن أرفع يدي فحسب ليتوقف فورًا عن صب الماء في فمي، وصدقته للأسف! فتحت فمي وأخذ يصب الماء فيه بطريقة عجيبة، كأن بينه وبين الماء عداوة جعلته يقسم على الخلاص منه بأسرع وقت ممكن!
رفعت يدي وأنا أحس بأنني سأختنق، لكنه لم يتوقف، ولم يبالِ بأصوات الغرغرة التي تصدر من فمي رغم اندلاق الماء فيه بسرعة فائقة، ولا أعرف ما حصل بعدها، كل ما أذكره أن فمي كان منتفخًا بشكل غريب، وأن الماء اندفع منه فجأة ليستحم به عدد من رفاق أخي، كانوا يجلسون متجاورين على مقعد كبير، وقبل أن أستوعب ما يحصل ارتفعت صرخاتهم المتوحشة، وهَبُّوا ليركضوا نحوي، وأخذت أركض من دون كلمة واحدة، وقد استرجعت عادتي المزعجة في الضحك حينما أسمع من يصرخ، خاصة إن كان يصرخ في وجهي أنا، وقد لحق بي هؤلاء الوحوش بعدها، وأخذ كل واحد منهم (حقه) بأن وَجَّه إليَّ لكمة عنيفة، وذلك (إكرامًا) لأخي! ولولا هذا لكانوا كسروا عظامي كلها!
مرت السنوات، ويومًا ما كنت في مدرسة أخرى، وكان قد مَرَّ ربما حوالي أربع سنوات على حادثة المدير المذهلة تلك، وإذ كنا في وقت الفسحة، سمعنا صوت صراخ متبادل، ورأينا ولدًا يجري بأقصى سرعته، وجيوبه تبدو منتفخة بشكل غريب، وخلفه ثلاثة أولاد يلاحقونه، وهم يتصايحون بغضب، وبما أن هذا الولد المطارَد يَمُتُّ إليَّ بصلة قرابة، لحقت به وبالأولاد المطارِدِين لعلي أستطيع المساعدة في شيء ما، وانتهى المطاف بنا إلى لجوء قريبي إلى الحمام، ووقوف الأولاد خارج الحمام يصيحون به أنهم سينتظرونه حتى يخرج وعندها سيكسرون عظامه.
سألتهم بفضول عن السبب في ما يفعلون، فأخبروني أنهم أعطوا قريبي مالًا ليشتري لهم بعض دفوف الشوكولا، وسيطعمونه منها معهم، وقد فعل ذلك، لكنه رجع إليهم ليخبرهم أنه وضعها في جيبه، وأنه سيلتهمها وحده، أجرة له على تعبه، وانطلق يركض فركضوا خلفه ليستعيدوا حقهم منه، فسألتهم بفضول: (هل لكم نَفَسٌ أن تأكلوها وقد دخل بها الحمام)؟ تبادلوا النظرات ثم أجابوا بصوت واحد: (لا، بكل تأكيد)، وأعلنوا أنهم سيسامحونه لأجلي، هذه المرة فقط، لكن لو أعادها فَيَا ويله منهم!
وما كادوا يغادرون حتى فتح قريبي الحمام، لأتراجع مشمئزًا من منظره، والشوكولا تملأ وجهه، حتى لم أعد أعرف هل أنفه أسود أساسًا أم لا! لقد كان يلتهم الشوكولا في الحمام وبمنتهى الحماسة والتلذذ، وذلك ليدبر (مقلبًا ظريفًا) لهؤلاء الأولاد، حينما يخرج من الحمام مع رنين جرس انتهاء الفسحة، ويحاولون استرجاع الشوكولا منه، فلا يجدون منها شيئًا!
لم تكن كل مواقف القرف هذه في المدرسة طبعًا، فذات يوم كنت خارجًا من الجامع بعد صلاة الظهر، وما كدت أخرج حتى رأيت فأرة صغيرة تجري بسرعة في الشارع، وخلفها ولد صغير ينطلق بسرعة خيالية فعلًا، وهو يصيح بحماسة، ولا أعلم هل كان يرى الفأرة كنزًا ثمينًا ليلحق بها، ولكني أعلم أنه تمكن من تصيدها، وعاد بها يحملها بقبضته يكاد يعتصرها، وهو يبتسم ابتسامة ربما لم يبتسم هتلر نفسه مثلها، خلال انتصاراته في الحرب العالمية الثانية!
سنرجع مرة أخرى وأخيرة في مواقفنا هذه إلى عالم التدريس، ولكن ليس المدارس، بل أيام كنا في دورة الإعداد في دار المعلمين، طلب أحد رفاقي قلم رصاص، فأعطيته قلمي، كتب به قليلًا، ثم فوجئت به يضعه في فمه ويمتصه بشدة، ويخرجه لِيَمُدَّ يده به إليَّ، أمسكت به من طرفه، حيث لم يصل إلى هناك فمه التعيس، وغرسته بكل قوة في رأسه، مستمتعًا بصرخته الأليمة أيما استمتاع!
وربما يأتي القرف في مواقف يفترض أنها للفرح! أنا وصديق لي ذهبنا معًا لحضور كتب كتاب صديق مشترك لنا، (كتب كتاب=عقد قران)، وهو مرحلة قبل الانتقال إلى البيت والزواج، وإذ نجلس متجاوِرَين بعد ما باركنا لصديقنا، انضم إلى مجلسنا رجل متقدم قليلًا في السن، من أقارب صديقنا صاحب الفرح اليوم، وأعرفه أنا معرفة سطحية غير معمقة، لكنه فرض نفسه علينا، ليبادرنا بالسؤال: (ألم تتزوج بعد)؟ أجبته من دون مبالاة: (لا)، وأجابه صديقي متضايقًا منه إذ بتر لنا حديثنا: (نعم)، فتحمس الرجل ليعطي صديقي نصائح (ذهبية) لإنجاب الأطفال، ولم يبالِ إطلاقًا أن صديقي أكد له أن الله قد مَنَّ عليه بولدين اثنين حتى الآن، ولا أعتقد أن أية معلومة كانت تستطيع إسكاته، وهو يصيح بصوت عالٍ: (اسمع يا ولد! يجب أن يكون معدل الخصوبة عندك مرتفع! وليس لك حل سوى البامية! ألا تعرف البامية؟ إنها البامية التي تحمل المادة المخاطية، وشكلها وطعمها مثل المخاط الذي ينزل من المناخير)!
ولم أستغرب بعد هذه المعلومة (القيمة) صرخة صديقي المشمئز: (ياااااااااااااااااااء)، ولكني وجدت نفسي أشكر الله عز وجل، بكل حماسة، لأنني لا آكل هذه البامية ولا أذوقها من صغري، ولا أفهم كيف يأكلها الناس، هي وبعض المأكولات المشابهة مثل الملوخية، وإذ خطر لي أن صديقي على وشك التقيؤ، أمسكت به من يده ونهضت، فتبعني من دون اعتراض، لنتجه نحو صديقنا ونجدد له المباركة وننصرف، والرجل يتبعنا ويهتف بنا، بل بصديقي هذا: (انتظر، هناك معلومات أخرى شديدة الأهمية لك، وذلك لتزداد خصوبتك ويأتيك الأولاد)!!
القرف في كل المواقف ربما يمكن أن تتحمله قليلًا، لكن القرف المتعلق بأصحاب الطعام والشراب لا يمكن احتماله ولا غفرانه، ومن ذلك ما أخبرني به أحد معارفي عن شخص أعرفه جيدًا يعمل في دكان صغير، ويتولى عصر الجزر والبرتقال والرمان، إضافة إلى إعداد الكعك بالجبنة، وما إلى ذلك، أتى هذا الفتى ليشتري زجاجة عصير، ولكنه رأى هذا العامل يتصبب عرقًا فيمسح العرق بِيَدِه ومن بعدها يمسك الجزرة بهذه اليد نفسها، واليد تمتلئ بالعرق، لكنه لا يبالي بذلك، بل ويعصرها، ما أصاب رفيقي هذا بالقرف الشديد، وأقسم إنه لن يشتري العصير من هذا المحل حتى لو حُرِمَ العصيرَ كل حياته!
ولكن، ما رآه رفيقي هذا كان أمرًا بسيطًا فعلًا، لو أنه رأى ما رأيته من العامل نفسه، في أكثر من مناسبة، فَمَرَّةً ملأ وعاء بالماء، وأخذ يغمس به الجزر، يحمل الجزرة الملوثة بالتراب والغبار ليغسمها في الماء ويعصرها، ويحمل الثانية ويغمسها في الماء الملوث بما سال فيه من الجزرة الأولى، ويعصرها، ويتابع هذا الفعل الأحمق، والماء لونه يصيب بالغثيان لسواده، وهو يغمس فيه الجزر بكل حماسة، بل إن جزرة ما وقعت من يده لتهوي على حذائه وتتدحرج على أرض الشارع، لكنه حملها وغمسها في الماء وعصرها، ما دفع بي إلى الإنكار عليه، لكنه لم يبالِ بذلك، ومرة أخرى رأيته يمشط شعر شواربه بالعصا التي يدق بها حب الرمان قبل عصره! ورغم الإنكار والاستنكار لم يقم بتنظيف العصا ولا غسلها، بل تابع بها دق الحبوب وعصرها!
قد حكينا لكم قصة الذي طارد الفأرة، لكننا لم نحكِ لكم قصة رأيناها في الجامع مرة قبل المغرب بمدة مطولة في رمضان، إذ صرخ أحد الأولاد برعب: (صرصور، صرصور)، وفعلًا كان هناك صرصور كبير جدًا يقف على حافة إحدى نوافذ الجامع، وإذ بأحد معارفنا يجري خلفه بسرعة، وانطلق الصرصور، وبدأت المطاردة، لتنتهي بصديقنا يحمل الصرصور من شواربه ويتجه به نحونا، لنغادر الجامع بكل بساطة، تاركين إياه يتمتع بصيده! وعلمنا بعدها أن هوايته المفضلة هي الجري خلف الصراصير ليمسك بها!
وكي لا نطيل الكلام أكثر وأكثر، أختم بما رأيته من أيام قليلة، وتحديدًا أول أيام العيد، في المنطقة المجاورة، محل لبيع الفلافل يتعاون فيه رجلان، وعدد من الشباب والرجال يطلبون منه السندويشات، وهما لا يكادان يلحقان الطلبات لكثرتها، وإذ انتهت الأرغفة التي أمامهما قام أحدهما بالتراجع إلى داخل المحل، ليحمل كمية كبيرة من الأرغفة ويضعها فوق طاولة ما محاولًا فصلها من بعضها، وإذ لم يستطع، مد لسانه ليلحس به أصابعه، ويمسك بالأرغفة ليفصلها! وكنت من الزاوية التي أقف فيها وحيدًا أستطيع رؤيته، أما الزبائن فكان يحول بينهم وبين رؤية هذا المشهد الخرافي الحائل الزجاجي الذي يفصلهم عن مقلاة الفلافل.
من يطارد الصراصير الكبيرة، ومن يصطاد الفئران الصغيرة، ربما يسبب لنا القرف، بل من المؤكد أنه يفعل ذلك، لكنها حرية شخصية بكل تأكيد، ولكن من يتلاعب بأرزاق الناس وطعامهم ليتصرف بهذه الطريقة المقرفة، أعتقد أنه يجب أن يدخل السجن ليمضي فيه عدة سنوات، لعله يتربى على فعلته، هذا لو تربى فعلًا، ولم يخرج وقد بات القرف ملازمًا له في كل تصرفاته، عندها لن نملك إلا أن نغمض أعيننا وذاكرتنا إذا أردنا الأكل من أي مكان كان، أو لنبقَ جائعين حتى يتوفانا الله تعالى!
عمر قزيحة
21_8_2019م
الساعة: 4:51 دقيقة مساء.