ذهل كريم امام رد فعل والده . وغضب غضبا شديدا ازاء هذا التدخل غير المبرر في حياتة الخاصة ومشاعره الحميمة, وهو غضب ساهم في تأجج احساسة بأنة ملاحق ومراقب , وبأن والده لا يثق بة ويحيطة بالجواسيس . خجل من هذه التصرفات الدنيئة والحسيه التي لا تليق برجل مثل سعيد ناصر , هذا الاب الذي طالما كان مثله الاعلى في الحياة , ورغم طبعة الاستبدادي وولعة بالسلطة . لم يكتمل لهول الصدمة ان ينام معة تحت السقف نفسة ,خرج مسرعا واستأجر غرفة في فندق بات فيها تلك الليلة , او سهر فيها على الاصح لأن النعاس لم يجد طريقا الى جفنه لفرط الحزن . اما نور فقد ذهلت بالقدر نفسة حين ذهبت في اليوم التالي الى مقر عملها لتجد على مكتبها رسالة على مكتبها تبلغها فيها ادارة الجريدة انها قررت الاستغناء عن خدماتها . وقد كان المقرر ان يكون ذلك يوم عطلة رسمية الا ان الجريدة قررت الصدور استثنائيا , مثلما اعلمتها لارا عشية ذلك اليوم اثر دعوتها من موعدها مع كريم . قرأت نور الرسالة وذهلت , بل سعقت ازاء عقاب كانت تعرف تمام المعرفة انها لا تستحقة وظلم كانت تجهل الاسباب الكامنة ورائة . مع ذلك , لم تصدر عنها كلمة احتجاج واحدة بل اكتفت بجمع اغراضها و الخروج من المكتب بصمت ونبل يليقان بنقاء روحها . توجهت فورا الى البيت ولجأت الى غرفتها امام نضرات امها المتفاجئة , من دون ان تتفوة بكلمة واحدة . انعزلت في عالمها السري وراحت تنظر الى نواحي مكانها , توسع فسحة هدوئها لتقترب اكثر من توازنات الصمت والكلام الداخل والخارج البئر والصحراء وعادت لتحوم في رأسها الفكرة نفسها التي طالما تشبثت بها في الماضي : الحياة سلسلة من الهزائم يتخللها من حين الى اخر وهم مضيء يحاول أن يقنعنا بالعكس , بلا جدوى ... سالت نور الغد كيف يستقبل الاوقات التي تنضح باللين وتدعي الامل , في حين انها أوقات مغمورة بالقسوة والخيبة . وكيف أن الانسان يستطيع أن ينام على وسادة احلامة في حين أن لا شيء في الكون قد يحول دون تعرضة للاختراق بفعل القسوة المستبدة التي لا تخلي نواحيها لأي ملكة أخرى . يمر النهار من دون أن تغادر نور سريرها . الا انة عند الخامسة من بعد الظهر , يرن جرس الهاتف فجأة ليسرق الفتاة من أفكارها وهواجسها . تفضل ان تترك عبء الرد لوالدتها الا ان الاخيرة بعد بضع ثوان تعلمها من خلال الباب ان الاتصال هو لها .
الو؟
نور ؟ انا كريم . هل من الممكن ان نلتقي ؟
الان ؟ لا ... لا استطيع . انا متعبة بعض الشيء. لكن ... كيف عرفت انني هنا ؟
لقد عرفت كل شيء ذهبت الى الجريدة واطلعتني لارا على ما حدث . قالت انك غادرتي من دون ان تتفوهي بكلمة واحدة ... ارجوك . من الضروري جدا ان اراك .
حسنا لابأس ... اين نلتقي اذا ؟ في المقهى نفسة ؟
قطعا لا . سوف امر بنفسي لاصطحابك من المنزل بعد نصف ساعة : اعرف مكانا هادئا لن يزعجنا فية احد ...
والتقيا ...
التقيا في مطعم قديم يقع في احدى المناطق الجبلية النائية التي لم يلطها بعد صخب المدينة والناس . وطوال الطريق التي اخذتهما الى هناك , لزم الاثنان الصمت كما لو انة لغة ثانية للتواصل , لغة لا تحتاج الى كلمات وصياغات , لغة تتفجر من القلب كالماء حين يشق الصخر , تصب في القلب ايضا . وكان كريم خلال ذلك الوقت ممسكا بيد نور , بل متمسكا بها كغريق يتمسك بخشبة نجاته . وما ان جلس العاشقان الى المائدة حتى دخل كريم في صلب الموضوع .
هل تعرفين اسباب طردك من الجريدة ؟
ليست لدي ادنى فكرة عن الموضوع . لقد وقع الخبر علي وقوع الصاعقة على شجرة في ليلة صيفية ! وانت ؟ هل تعلم الاسباب ؟
هذا هو السبب : وجودنا معا اهتمامي بك تقربي منك ...
كيف ؟؟؟ اعذرني لكن لست افهم شيئا.
جن جنون والدي المتعجرف عندما اطلعة احد جواسيسة على علاقتي بك ...
علاقة ؟ ولكننا لم نصل الى مرحلة (العلاقة) حتى ! جل ما جرى بيننا هو محض ود وتعارف لا صفة لهما بعد ولا عنوان !
لا تغضبي يانور ارجوك , والدي هو مريض يحب السلطة والجاه والمال , ولطالما كان يخطط لأيجاد عروس لي , اذا يبدو ان لا مكان لي وسط هذة المخططات !\
نور ! اصغي الي ! انا لست والدي , لا اشبهه بشيء , ولا روحا ولا منطقا ... انتي الفتاة الوحيدة التي اشعرتني بأن هذة الدنيا قد تكون جديره بالحياة !
اعذرني ياكريم لكني لا استطيع ان اكون سبب انفصال ابن عن ابية , ولدي من عزة النفس والكرامة ما يحول دون قبولي منطق عائلة ترفضني وتظن انني لا استحق الانتماء اليها !
وسرعان ما وقفت نور وهرعت الى الباب الخارجي . حين لحق كريم بها كانت تسأل احد العاملين بالمطعم عن وسيلة تمكنها من العودة الى المدينة ( ثمة باص ينطلق كل ساعتين من ساحة البلده , وقد حان موعده الان !) . اجابها العامل بابتسامة ساخرة وهو يقول في سرة : (اه من العشاق ومشكلاتهم !). وعبثا حاول كريم اقناع نور بالعودة معه , الا انها اصرت على استخدام الباص , وودعت بنظرات حزينة عن عمق الجرح الذي كان ينزف في قلبها وكبريائها في تلك اللحظة ... نظرات كانت تزرع المسافة بينهما باشواك بلا ورود , بأودية بلا قاع , وبعصافير يتيمة بلا سماء ...
ومضت ساعة ونصف ساعة قبل ان يصل الباص الى المدينة وكان ذلك بالنسبة الى نور وقتا ممضيا وقاتما . اما الطقس فقد كان تشرينيا باردا ولم تستطع الزينة المتلألأة انوارها والوانها لمناسبة العيد الشريف على الحلول , ان تضفي نوعا من الدفء , او ان تقهر احزان الشتاء الداخلي وغيوم الروح السوداء .
كانوا اربعة فقط في الباص , ومعاهم بالطبع تخيلاتهم واحلامهم واوجاعهم كأنهم كانو على موعد , مصادفة عشوائية كأنها محض تدبير عميق للحياة . تدبير لا تفسير لة في الواقع الظاهر , لكن يحمل معه حكمتة مثل كل المصادفات .
كانت نور تنظر الى وجوه الجالسين معها وترى على قسماتهم ملامح الهموم ووطئتها الكبيرة . لكل انسان نصيبة من الاوجاع , فكرت في سرها , ولا احد ينجو من طعنات سكين القدر . كانت عيونهم الهاربة تدل على تذمر ونقمة شديدين , كأن ما يجمعهم لم يكن الباص نفسة فحسب , بل اتلاف ذلك المشهد المنقبض الذي يرتسم على وجوههم المتجهمة . مشهد خال من سطو الكلام , تعبرة محض مهمات متقطعة وعبارات مبهمة تقطع الصمت الثقيل .
اما نور فقد اختارت مقعدا في جوار احدى النوافذ الغبشة , وكانت تعبو مستوليا تماما محياها الخائب . وبالكاد كان شعرها الكستنائي المنحني على مقدم وجهها يترك فسحة ضئيلة لعينيها كي ترسلها الى الافق البعيد نظرات مكسورة ومنهزمة .
اخيرا ادرك الباص محطتة في المدينة وركبت نور سيارة اجرة اوصلتها الى منزلها , فوجئت حين رأت الانوار مشعشعة في البيت , ثم تذكرت ان الليلة عيد مولد شقيقها الاكبر رامي , وانه على عادتة قد اعد حفلة كبيرة لرفاقة بغية احتفالة بالمناسبة فتسللت الى غرفتها لأجتناب رؤية الاخرين .
كانت نور في تلك الليلة منخطفة تماما عما يجري حولها , وبدا ان الموسيقى المجنونة التي تعزف في غرفة الاستقبال قد زات من عزلتها ولم تستطع ان تغريها بالانضمام الى شلة الاصدقاء والصديقات الذين تجمعو تلك الليلة في بيت اهلها . كانت غرفتها المتواضعة والمغلقة الباب باحكام , ورأسها الذي يعج بالافكار , ومكتبتها التي تعج بالكتب , كأنهما العالم بأسر , بما فية من مباهج واحزان . ترى اي صوت داخلي كان يحول بينها وبين الانصات الى الخارج الذي كان يهاجمها وكأنة يريد الانقضاضا عليها ؟
اختارت كاتبا واستسلمت له . فأضحى بين يديها كأنة يحمل سرا هائلا في طيات صفحاتة الملساء , يجعل عينيها دامعتين تغرقان فية وكأنها تحنوان على طفل صغير بكل الحنان والامحاء . سألت نفسها : ترى الحب , كالألم , جرعة مفرطة في الحياة ؟ اتراه موت لا استحقة ؟

رد مع اقتباس

المفضلات