"ج3"
ظهر لنا ظلٌ لمخلوق غريب لم يتضح لنا لا رأسه و لا أطرافه, ثم قفز من الظلام إلينا و ليتضح لنا أنه فقط ... يوري , واضعًا حقيبته على رأسه , و كأن المصحة قد خلخلت دماغه فأضحى مجنونًا ... صرخت تومومي في وجهه :
" أيها الأحمق , لقد أفزعتنا ... لا تكررها "
لم يفهم يوري شيئًا فاعتلى قسماته التعجب : " ما الأمر , ما الذي تقصدينه ؟ "
ردت واكنا في غضب عارم : " لسنا نلعب هنا ... دعنا نعود الآن "
" و أنا لست هنا للعبث ... لقد وجدت سلالم قادتني للأعلى لمكان مثل هذا بالتمام, أعتقد أنه يوجد طابقين آخرين بما أن المكان يبدو أكبر من مجرد طابقين من الخارج "
نسينا ذلك الحنق جميعًا و رحنا نستفسر أكثر عمَّا وجد ... عادت واكانا للتدقيق في الزوايا , ثم بصوت خافت بدرت كلماتها : "إذًا ؛ طوابق أخرى و وقت إضافي هنا , سنأتي بمعدات أخرى غدًا و نباشر العمل منذ الصبح كي لا يباغتنا الليل "
تأففت تومومي نازلة بخطوات عنيفة ؛ ما بالها هاته الأيام كالنار المتأججة : " أوووف ؛ أنا لن أبقى هنا أكثر من يومين "
" يمكنك أن تنسحبي , نحن لن نفشل من دونك ... أوقفي تذمرك هذا , و كوني جادة إذا سمحت "
زمجرت بكل قواها فارتد صدى صوتها بقوة لآذاننا فآلمها "و من أنت لتتحكمي فيَّ و تأمريني , سكوتنا في كل مرة عنك لا يعني أننا نخشاك , على أي حال لست القائدة هنا ... أيتها المتسلطة " بدرت الكلمة لأخيرة مغمورة تهكمًا
رمقتها بنظرات حقيرة ثم بنوع من الاشمئزاز قالت " يا لك من غبية ثرثارة ..... ! "
و بدأت مناوشتهما الكلامية , و واثقون أنها ستتحول لمصارعة حرة ... واكانا لا تحب من يجادلها كثيرًا و يخالفها , أو يتذمر و لا يلتزم بأعماله و اتفاقاته .. و تومومي ؛ روح حرة كما تقول , لا تقبل من يكثر أوامره عليها , كما أنا تصبح كالهرة المتوحشة عندما تبتعد أكثر من 12 ساعة عن ألعابها .... معارك النساء أعظم من حروب الفايكنغ , بصعوبة بالغة أسكتناهما و أوقفنا جدالهما , رغم أننا لسنا معتادين على الخلافات ، و كل ما في الأمر أن تومومي تحتاج لفترة راحة والقليل من الألعاب كي يعود لها وعيها , أما تلك الربوت , فلا تحتاج للشحن حتى ... على أي حال المكان مملوء بالطاقة السلبية , رغم أني قد دخلت لعبتهم , و لكن تبقى " حاستي السادسة " أمامي دومًا في كل شيء .
عدنا للنزل منهكين , تعب عجيب يحاول التَجَذُر , و نعاس بوزن الفيلة يقف على الأجفان يأبى الذهاب في حال سبيله ... أمرٌ طبيعي ؛ فقد تعبنا اليوم من السفر و البحث عن المشفى و تجهيزه بالآلات ...
إنها الساعة 10:45 ليلاً , استسلمنا و رفعنا الراية البيضاء , و سلمنا أنفسنا للنوم , إلا يوري ؛ بقي كعادته لينقب أكثر عن قصة المصحة و يرفع صورًا لها و يجهز البرامج و الملفات للمباشرة بالعمل غدًا .... قد تكون قاربت الساعة الثانية عشرة , و يوري يجهز نسخًا من الخريطة الرثة و يوضحها و يسهل قراءتها , يتصفح منتديات و موسوعات تحمل الكثير من المعلومات عن المصحة , و يراقب من حين لآخر أشرطة الفيديو التي تُبَثُ مباشرة من المشفى إلى الحاسوب من خلال الأجهزة التي علقناها في كل مكان ....
مشفى [كوشمار للأمراض العقلية و النفسية] , قبل حوالي قرن من الزمن كان يعُجُ بالمرضى من مختلف الأعمار و الأجناس و الأصناف , كمستعمرات النمل .. عرف في بدايته نجاحًا نسبيًا في مداواة المرضى و تطوره , فلاحَ في الأفق كقرص الشمس الأصفر , و أكثر ما جعله مشهورًا , هو أحد الأطباء المحنكين الذي عُرف بطرقه و أساليبه الفذة و الفريدة في معالجة المرضى ... مرت 50 سنة , و كل شيء على ما يرام , أناس يلجون ميئوس منهم , ثم يخرجون و كأن شيئًا لم يكن , أو كأنهم مجرد زوار لم يعرفوا من قبل أي نكسة .. فجأة و دون سابق إنذار , أضحى الطبيب المثالي جلادًا من الدرجة الأولى , فلم يسلم أحد من سياطه , فعذب و نكل بجثث المرضى , و ساءت بذلك سمعة المكان و تدهورت حاله .. استمر الطبيب في تشريحه دون أن يوقفه أحد ، حتى الممرضات اللواتي كن يعمل هناك ، تلك المخلوقات الرقيقة التي أطلق عليهن التاريخ { ذوات الرحمة } أصبحن مثله ..
لم يسلم أحد من تجاربه و أعمالهن إلى أن أُغلق المشفى نهائيًا و لم يرى أحد المرضى أو الطبيب و الممرضات أو يعثر عليهم , فقط اختفوا , هكذا بكل بساطة ... أصبح المشفى مهجورًا , لكنه عرف حوادث كثيرة , فكل من دخله لم يخرج أو خرج مجنونًا ... قيل أن الطبيب كان ساحرًا يستعمل المرضى في شعوذته و يذبحهم تقربًا من الأرواح الشريرة التي أوهمته أنها ستعطيه القوة و المال, إلى أن أشبعهم بالدماء فقضوا عليه و على الجميع, و قيل أنه كان هو نفسه مختلًا عقليًا و قاتلاً متسلسلاً يعشق الدماء , حين فرغ المشفى انتحر في مكان ما , و قيل أن الناس شاهدت أشخاص هناك بالداخل يظهرون ثم يختفون , من أطفال و ممرضات و مرضى ملطخة ثيابهم البيضاء بالدماء , و أصوات صياح و نحيب , لكن لم تثبت أي من هاته النظريات و الخزعبلات , و رغم هذا يبقى المكان يحمل العديد من الأسرار و الأحاجي , و الوجهة الأولى لعشاق الرعب , و الشعوذة ...
كالغريق يتخبط حينًا و يطفو حينًا أخرى في هاته القصص و الحكايات, يتدفق الأدرينالين بقوة تكاد تمزق شرايينه , و نشوة عارمة تغمره حتى النخاع في جنح الظلام و الوسواس ... بينما هو راسب فيها , تمثل له خيالً في أحد الأشرطة , فدارت رقبته 260 درجة كالبومة و ثبت عينيه المفتوحتين لآخرهما و ملؤهما العروق الحمراء التي تتالت بشكل أفقي من الحدود لبؤبؤ عينيه, و تقلصت حدقته ليركز مليًا في الشريط فإما يثبت أو ينفي شكه ... الساحة الخالية حتى من ذبذبات الهواء التي من المفترض أن تحرك و لو قليلاً الأوراق المتناثرة على الأرض , أعاد الشريط للخلف أتت من عدم صبية تبدو في التاسعة من العمر , ترتدي ثوبًا قد انقرضت موضته منذ قرن من الزمن تحمل دبًا باليًا ممزق الرأس, ترفع رأسها نحو آلة التصوير و تحدق في الكاميرا بعينين مشعتين كالقناديل ثم تمضي ... أعاد الشريط ألف مرة كي يتأكد أن هذا حقيقي و أنه لا يتخيل ...إنها نفس الفتاة ودبها البني في أحد الموسوعات التي تتحدث عن المشفى وعن قصة طفلة تعاني من مرض التوحد التي سقطت من نافذة غرفتها منذ أكثر من نصف قرن , نفس الملامح و الثياب و تسريحة الشعر ...مذعورًا قام شاحبًا, يحاول إيقاظ كوتا لكنه لم يستجيب, بل بدأ يهذي هذيان النائمين ... عاصفة اضطراب نفسي لمت بيوري فلم يعرف ما الذي يجب أن يفعله , فلم يكن له إلا أن يحمل خارطته و بعض المستلزمات , و يترك لنا ورقة يعلمنا فيها أن نلحقه , و ترك المكان في حالة فوضى عارمة ... لقد أخذ القرار الخطأ هنا , ما كان عليه المغادرة لوحده ...
في ذلك الظلام الحالك و أصوات الذئاب و حفيف الأشجار التي يبدو و كأن أحدًا يتحرش بها , و رائحة الذعر و الارتياب العفنة المنبعثة من كل شيء , سار إلى المصحة وحيدًا إلا من أمتعته القليلة و الشغف و الجنون في قلبه , تاركًا إيانا في نوم شهي و سلام .
الساعة 02:30 ليلاً !
استفاق كوتا , فوقع نظره على النور الخافت القادم من الحاسوب , استغرق لحظات ليستوعب الموقف , ثم قام ليطفئه , رغم بقايا النعاس و النوم على عينيه و عقله , إلا أن صورة الفتاة لفتت انتباهه , ظنها من الإنترنت , لكنه وجدها صورة ثابتة من الفيديو , ارتج رجة بددت أي سبيل للعودة لسريره , تحقق من الأمر عدة مرات, و ما زاد إلا يقينًا , أنار الأضواء بحثًا عن يوري :
" أطفئوا الأنوار اللعينة ... دعونا ننام "
صرخ ففاجأ آذاننا " أين يوري ؟! ... واكانا استيقظي , يوجد شيء على الأشرطة "
رغم أنها كانت نصف نائمة و نصف مستيقظة و لكن بمجرد أن سمعة الأشرطة حتى قفزت و اتجهت نحو الحاسوب بسرعة البرق
"ماذا ؟ ... ابتعد عن الطريق ...هل هاته فتاة هنا ؟؟‼"
" أجل , لقد تحققت من ذلك ألف مرة , يوجد فتاة في المصحة , و في هذا الوقت المتأخر من الليل "
التفتت للأسرة " أين يوري ؟ يوري ... ماذا ؟! , سريره خالٍ و أين هو؟"
" إنه مرتب , لم ينم فيه حتى , أين هو ؟ "
"يا أصدقاء , أنظروا لهاته الورقة , أعتقد أنها منه "
خطفتها واكانا من يد تومومي
×(أنا في المشفى الآن , الحقوا بي حين تستيقظون ..يوري) .. زمجرت رامية الورقة ... "غير معقول‼ .. كيف له أن يذهب دوننا في هذا الوقت, الأحمق ... "
وسط هذا الانزعاج و الجو المشحون, تنبه كوتا لحركة على أحد الأشرطة و برزت عيناه مسربة الذعر , ثم بصوت متقطع تدحرجت الكلمات من حنجرته
" و..واكـ.. واكانا , تعالي أنظري إلى هنا "
التفتنا جميعًا فارتعشت أرواحنا ارتعابًا , و نَتأت أعيننا و بقينا مدة نستثبت أن هذا ليس هذيان المستيقظين حديثًا من النوم .. إنه يوري وسط ثلاثة أشخاص ملثمين يحملون عصيًا فولاذية يحاولون مهاجمته ... بسرعة جهزنا أنفسنا و أسرعنا بالسيارة للمصحة, نتقطع قلقًا في الطريق إلى هناك وسط السخط و الصمت... وصلنا مذعورين, يعترينا الروع و الاستياء, و العرق يتندى على جباهنا, لم أدري كيف أوقفت السيارة , و لكني أعتقد أني اصطدمت بشيء ما , لم يكن لي وقت لتفقده ... و ولجنا بسرعة , لم نسمع أي صراخ أو صياح , كان المكان هادئ كأي مقبرة , خالٍ حتى من أصوات الليل و الظلام , أخرجت هاتفي في محاولة عابثة للاتصال بالأخرق , و لكن ما من تغطية في هذا المكان المنفي اللعين , حاولت التحكم في أعصابي قدر المستطاع و أرجعته بهدوء لجيبي , ثم حاولنا الاتصال على اللاسلكي ؛ و ما من رد .. لم يكن لنا إلا أن نتوزع بحثًا عنه , أخذ كل واحد جانبًا بعشوائية , و تهنا في مستنقع المجهول ....
× اعتراف ؛ منذ البداية هكذا شعرت , و ما خاب ظني , رغم أني حاولت طمس إحساسي و مواراته التراب و إنما كان ما كان ... لا أمل في الرجوع , لم يحكي لنا التاريخ يومًا عن شخصٍ عاد به الزمن للوراء ليصحح خطأً ما .. هذا الركب يسير لا ينتظر أحدًا !
○
تغلغلت تومومي في تلك الأوردة و لم تترك زاوية إلا و نقبت فيها, رغم تعجرفها؛ لكنها قامت بواجبها على أكمل وجه , فتشت كل الغرف إلى أن وصلت لغرفة العصر الفيكتوري .. ولجت بسرعة , لكنها لم تخرج بالسرعة نفسها , بقيت مدة تتأمل شكلها الذي جذبها , و أسلوب صاحبتها أو صاحبها الفذ .. بدت الغرفة جديدة كأنها لم تكن في هذا المكان المهجور من قبل , و لوحة المرأة الحسناء ذات الابتسامة العجيبة كابتسامة موناليزا .. نسيت كليًا أمر بحثنا عن يوري , و بقيت كالسائحة في الغرفة تتمعن في كل شيء, لفت انتباهها مرآة مزركشة على المنضدة .. بينما هي تنظر لانعكاس صورتها تمثلت خلفها الشابة التي على الصورة بقناع مكسور , فما بدا منها إلى عينها التي كادت تخرج من مكانها لجحوظها , تجمد كل ما هو فيها , و لم تقدر على الصياح أو الحركة , تنتظر أن تجهز عليها بكل بساطة ...
" هل أنا جميلة ؟! "
نطقت المرأة المومياء خلفها بصوت متحشرج , التفتت تومومي ببطء كأنما تخشى مفاجئتها فتهجم عليها , و لكن ... ما من أحد خلفها , كادت تفقد تومومي أعصابها , فلا يمكن لها أن تتخيل كل هذا و بكل تفاصيله الدقيقة , عادت لتنظر للمرآة , و لا يوجد أي شخص ...
أشبع الارتياع قلبها خفقانًا , بدت كالمجنون تتصفح الزوايا الأربع و هي تسير نحو الباب ... بينما هي تتقدم و رقبتها ملفوفة للخلف كأنما قد علقت أو صدئت مفاصلها , اصطدمت بشيء بارد و يابس كالجدار .. طأطأة رأسها هنيهة ثم أثقلته يد ثلجية صلبة , غارت عيناها و هي ترى الثوب الأحمر الطويل المنمق بزركشات سوداء لصاحبة الصورة , ثم و هي تنظر للقناع يسقط على الأرض .. فغرت فاهها و توقفت أنفاسها ... رفعت اليد رأس تومومي بقوة فكادت تقتلعه من مكانه , ليقع بصرها مباشرة على وجه نهشته وحوش ما ...
إنها المرأة الحسناء ممسوح نصف وجهها كأنما قد غُسِل بحمض حارق , فبدت عظام فكيها واضحة ... أمالت رأسها ثم رفعت يدها الأخرى ماسكة سكينا تحاول ذبح تومومي ... صاحت بقوة قاربت أن تمزق بها حنجرتها , و دفعتها عنها بكل ما أوتيت من جهد , ثم استجمعت شجاعته و ما تبقى منها , و أسرعت نحو الرواق .... ركضت كما لم تركض من قبل , نحو مصير مجهول لا تتبصر لنفسها سبيلا للخلاص , خلفها المومياء تقذفها بسواطير حادَّة , أو تتقاذف لوحدها ... زادت من سرعتها مخافة أن تصيبها فتمزقها أشلاءً..
على حين غرة , داهمتها كالموت تلك المخلوقة , فطرحتها أرضًا , و ارتطم رأسها فتهشم و تقاطرت دمائها القرمزية الحارة .. بصعوبة بالغة حاولت فتح عينيها , فوقعت على رجلي المرأة , رغم أن جسدها قد تكسر كلية , إلا أنها قامت بسرعة و دخلت أقرب غرفة لها لتحتمي منها ...!
*
*
*
المفضلات