M
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين و على آله و صحبه أجمعين ...
أما بعد .. فالله سبحانه و تعالى يقول (( إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُكَ وَ لِذلِك َخلقهُمْ ))[1] و يقول جل و علا (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ))[2] فالله سبحانه يبين لنا في هاتين الآيتين أنه خلقنا لنعبده فنسعد بعبادته فيرحمنا فالله سبحانه غني عن تعذيب عباده .. خلقنا ليرحمنا .. و يسعدنا و يسكننا جنته يقول تبارك و تعالى في الحديث القدسي (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر )) [3] و يقول سبحانه في محكم التنزيل (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )) [4] ..
فالله سبحانه و تعالى أعد جنات عرضها كعرض السماوات و الأرض لمن أطاعه فيما أمر ، و انتهى عما نهى عنه و زجر ... و جاءت الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة لتصف لنا الجنة و ما فيها من النعيم ، و تصف لنا الطريق القويم للوصول إلى هذه الجنة ...و لتحثنا على الجد و العمل للوصول إلى الجنة .. قال تعالى : ((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء والأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )) [5] و قال تعالى : ((وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ))[6]
و قبل أن نذهب في رحلتنا إلى الجنة لنتعرف أوصافها ، و طرقها ، علينا أن ننتبه أنها فوق ما نسمع و نقرأ ؛ فكل ما جاء في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة من أوصاف الجنة و أنهارها و قصورها و طعامها و شرابها .. لا يشبه شيئاً من جنسه في الدنيا إلا في الاسم !!
1- أرضها وتربتها
روى الترمذيُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله مِمَّ خُـلـِقَ الخَـلْـقُ ؟ قال: (( من الماء))، قلت : الجنَّة ما بناؤها ؟ قال)) :لِبنةٌ فضةٌ و لِبنةٌ ذهبٌ ، ومِلاطها المسك الأذفر ،وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت , وتربتها الزَّعفران ,من يدخلها ينعم لا يبأس , ويخلد لا يموت , ولا تبلى ثيابهم ، ولا يفنى شبابهم))[7].
فالجنة ليست من الدنيا في شيء فبناؤها من الذهب و الفضة و طينها مسك يفوح رائحة عطرة و إذا تعثرت قدمك بشيء و أنت تسير في الجنة – جعلنا الله من أهلها – فلا تظن أبداً أنها حصاة صغيرة و إنما هي لؤلؤة ثمينة ، و أما التربة فهي زعفران يبهج المقلتين و يسعد الناظرين ...
2- أنهارها
قال تعالى : (( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمتقونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ)) [8]
و قال تعالى : (( وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ))[9]
فأنهار الجنة أربعة نهر من العسل المصفى لا شمع فيه ، و نهر من الماء الجاري الذي هو ألذ بكثير من ماء الدنيا ، ستقول لكن هل لماء الجنة طعم خاص ؟! نعم فهو ليس كماء الدنيا دون طعم ! ، و نهر من لبن لا يفسده لا صيف و لا شتاء بل تشعر و أنت تغترفه من النهر و كأنك تحلبه من ضرع لا ينضب و لا يتغير طعم ما فيه مهما طال الزمن عليه...و أما النهر الأخير فهو نهر الخمر الذي هو ألذ من خمر الدنيا و لا يفتك بالجسد كفتك الخمر الدنيوي ، و لا يسكر و لا يذهب بالعقل .. قال تعالى : (( لا يصدعون عنها و لا ينزفون ))[10] و قال تعالى : (( لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ))[11]
3- قصورها ومساكنها
قال تعالى