~~ [ الـتـفـائــل ] ~~
.
.
ما من شاعر جسَّد نزعة التَّفاؤل في الشِّعر العربيِّ وجعلها فلسفته في الحياة
مثل ما جسَّدها الشَّاعر المهجريُّ إيليا أبو ماضي على الرّغم من أنَّ هذا الشَّاعر
لم يَسْلم من مطاردة السُّلطات بسبب كتاباته الوطنيَّة والسِّياسيَّة منذ ريْعان شبابه
وعايَش حياة البؤس والفقر ردحًا طويلًا من الزَّمان ، كما أنَّه عانى من الغربة المُرَّة سنواتٍ طوالًا ..
لقد دأب إيليا أبو ماضي يدعو في شعره إلى التواؤم والتَّناسُق والتَّكامُل بين جمال النَّفس البشريَّة
وجمال الطبيعة بكلِّ مظاهرها ، فالنَّفس النقيَّة الصَّافية الجميلة المُفعمة بالأمل تستطيع أن توقظ
الشُّعور بالجمال في أعماقها فتحسَّ به في كلِّ ما يحيط بها ولا ترى فيه إلا أحسن ما فيه .. يقول :
أيــُّـهـــذا الشَّـــاكي ومـابـــكَ داءٌ كـيـف تـغـدو إذا غَـدوْتَ عَـليـلا
إنَّ شرَّ الـجُـنـاةِ في الأرض نَفْسٌ تـَتـوقَّى قـبـْلَ الـرَّحيـلِ الرَّحيـلا
وترى الشَّوْكَ في الورُود وتَعـمى أنْ تـرى فـوْقها الـنَّـدى إكـليـلا
هـو عِـبْءٌ عـلى الـحـيـاة ثـقـيـلٌ مَن يـَظـنُّ الـحيـاة عِبـْئًـا ثقيـلا
والَّـذي نَـفْــسُـهُ بـغـيــْـرِ جَـمــالٍ لا يرى في الوجودشيئًا جميلا
فـتـمـتـَّعْ بـالـصُّـبـْح ما دُمْتَ فيـهِ لا تـخَـفْ أن يـَزولَ حـتَّى يـَزولا
أيــُّهــذا الشَّــاكي ومــا بــكَ داءٌ كُـنْ جمـيـلًا تـرَ الـوجودَ جمـيلا
وهو في قصيدته الأخرى [ قلتُ ابتسم ] يردُّ على أولئك الشَّكَّائين البَكَّائين المتبَرِّمين
الذين ينظرون إلى الحياة بمنظار أسود ، ويُراكمون الهمو م والأحزان على نفوسهم
فتغدو كالطَّوْد الشَّامخ الجاثم فوق الصُّدور لا تطحن إلا صاحبها ، فلنستمع إليه يحاور
أحد هؤلاء المتسخِّطين الذين يُحَوِّمُ اليأس في نفوسهم ، ويأخذ بهم الشُّؤم كلَّ مأخذ :
قـالَ : السَّـمـاءُ كـئـيـــبـةٌ وتـَـجـهَّـمـا قلتُ : ابتسِمْ يكفي التَّجهُّمُ في السَّما
قـالَ : الـصِّبـا ولَّى فـقـلتُ له : ابتسِمْ لـن يـُرجِـع الأسفُ الـصِّــبـا الـمُـتَــصَــرِّمـا
قـالَ : الـعِـدا حَوْلي عـَلتْ صَيـْحاتـُهـم أَ أُسَــرُّ والأعـداءُ حَـوْلـيَ في الـحـِــمـى ؟
قـلتُ : ابـتـسِمْ لم يـَطـلـبـوكَ بِذمِّـهِمْ لــوْ لـمْ تَـكُــنْ مـنـْـهُـمْ أجَــلَّ وأعْـظــمــا
قــالَ : الـلَّـيـالي جَـرَّعـتْـنـي عَـلْـقَـمًا قـلـتُ ابـتـسِـمْ ولـئِـنْ جـرَعْـتَ الـعَـلْقَـما
أتـــراكَ تـغــنـَـمُ بــالــتَّــبـَـرُّم دِرهــمًـا أم أنــتَ تـخْـسَرُ بـالـبَــشاشـةِ مَـغْـنَــمـا
يـا صـاحِ لاخـطَـرٌ عـلى شَفَـتَـيـْـك أنْ تـَـتَــثـَـلَّـمـا ، والــوَجْــهِ أنْ يـــتــحَــطَّـمـا
فاضْحَكْ فإنَّ الشُّهْبَ تضحكُ والدُّجى مُــتـــلاطـِــمٌ ولــذا نـُـحـِــبُّ الأنـْـجـُــمــا
قلت لصديقي : وإنَّ الفألَ الحسَنَ من منهاج النُّبوَّة ، فقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلَّم
يُحبُّ الفَأل الحسَن ويكره الطِّيَرَةَ ، ويُحبُّ الأسماء الحسنة ، ويُعجبه التَّيَمُّنُ في شأنه كلِّه
قال : صدقت .
.
.
