حكايتي مع اللغة الفرنسية بقلمي أ. عمر

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 20 من 25

مشاهدة المواضيع

  1. #20


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع اللغة الفرنسية بقلمي أ. عمر

    الحلقة العاشرة: تلك هي حكايتنا


    أخذت المعلمة تتكلم باللغة الفرنسية وبانفعال، ولولا أن تطوعت إحدى الزميلات بالترجمة لما فهمتُ أن المعلمة تريد مني مساعدة رفيقيَّ، ولظننتُها توجِّه إليَّ اللوم لسبب ما!
    ولكن، كيف أساعدهما وبماذا؟ أنا أعرف بوجود ال verbe وال sujet كمصطلحين دالين على الفعل والفاعل، لكن لا أعرف أي منهما الفعل وأي منهما الفاعل، بل كنت أعرف بوجود مصطلح ال c.o.d كمرادف للمفعول به، وإن كنت لا أعلم مغزى اختصار هذه الأحرف، بل كنت أعرف _ لا تحسدوني_ بوجود ال c.o.ind والله أعلم ماذا يكون!

    توجهتُ إلى اللوح طالبًا من رفيقي الذي يصرِّف فعل etre أن ينتبه إلى (الشرح) جيدًا، فأولى أخطائه أمامنا je etre وال e من أحرف ال voyelle ولا يلتقي حرفا voyelle خلف بعضهما، وبالتالي نحذف الحرف الأول ونضع بدلًا منه الأبوستروف، ليصبح الفعل: j etre (لا أعلم تقنية كتابة الأبوستروف لأضعها هنا)!
    وأخبرتُ رفيقي وعلمته أن كل كلمة بعد ال tu مهما كانت، يجب أن نضع لها حرف ال s في آخرها، وبالتالي نكتب: tu etres وأخبرتُه بأن تصريفه: il etre صحيح، بينما الكلمة بعد ال elle تحتاج e ويعادلها تاء التأنيث في اللغة العربية: elle etree.
    كنتُ أشعر بالسعادة لما أفعله، خاصة أن المعلمة كانت تتمتم بين لحظة وأخرى: (برافو عمر، برافو)، ثم طلبت إليَّ تصريف verbe avoir au passe composse لرفيقي الثاني، ولم أتردد لحظة في (الشرح) لرفيقي، كتبتُ له: j avoir (كون ال e وال a من أحرف الفويال ولا يجوز اجتماعهما، وإذًا نحذف الحرف الأول)!

    ولكن المعلمة تريد التصريف au passe composse وهذا ما لم أسمع به في حياتي كلها، لكن لكل مشكلة حل، وبالتالي التصريف الكامل:
    j avoir au passe composse
    tu avoirs au passe composse (لاحظوا ال s بعد ال tu)
    il avoir au passe compose
    elle avoire au passe compose (لاحظوا ال e بديلة تاء التأنيث بعد ال elle)

    وتابعتُ التصريف هكذا، وما إن انتبهت المعلمة حتى أخذت تصرخ وتولول ثم طردتني من الصف! يبدو أنها لم تحتمل (إبداعاتي) وقالت لنفسها (يا أنا يا هو في الصف)!

    وفي إحدى المرات، جلس هذان الرفيقان يكتبان بحماسة، الأمر الذي أسعد المعلمة وأدهشها، هي تتكلم وهما يكتبان! كانا يهربان من حصصها، ونادرًا ما تراهما، وإن لم يهربا، ناما في الصف، أما الآن فهما يكتبان بنشاط تام، ولكن لم تكتمل السعادة، إذ هَبَّ أحدهما من مقعده صارخًا مثل الوحوش: (أليس الصرصور بحيوان)؟ وبعد أن تمالكت المعلمة نفسها صاحت مستنكرة: (Quoi)؟ ليقول لها رفيقنا (لم أسألكِ إن كان الصرصور "كوا" أم أنه ليس "كوا"، بل سألتكِ هل هو حيوان أم لا)! فلقد كان الصديقان يلعبان معًا لعبة (إنسان، حيوان، شيء)... ووقع اختيارهما على حرف الصاد، وكما استنكر الأول اعتراض الثاني على اختياره الــ (صرصور) في خانة الحيوان، استنكر الثاني كذلك اعتراض الأول على اختياره ال (صبيدن)، وهو نوع من المخلوقات البحرية، وهكذا طردتهما المعلمة معًا، ولكن الطرافة ليست في لعب الصديقين والمعلمة تظن أنهما يتابعان كلامها، بل في أنها بدأت تخطئ فيما بيني وبين أحدهما، واسمه محمد، فأخبرت أبي _ وهو أستاذ في الثانوية نفسها _ بأنه لا يوجد أحد ينتبه إليها سوى محمد، بينما عمر نال ناقص خمس علامات وتم طرده من الصف بسبب اللهو خلال الدرس، ولم يعد يستطيع أحد أن يفهمها بأنه لا علاقة لي بما حصل، وهكذا لعب رفيقي، ونلتُ أنا ناقص خمس علامات!
    ومرة غاب اثنان من الشباب، وحضرتُ أنا ومحمد، فطلب الناظر أن نجلس بجوار بعضنا، وفي حصة اللغة الفرنسية خطر في بال محمد أن يأكل البزورات (بزر وعبيد وفستق وكاجو)... وأنا أصغي بكل اهتمام إلى المعلمة وما تتفضل به، محاولًا أن أفهم شيئًا مما تقول، غير منتبه إلى ما يفعله محمد، وإذ بالمعلمة تسألني سؤالًا غريبًا (Omar, Qu'est-ce qu'il y a dans ta bouche)؟
    فأجبتُها متعجبًا: (أسناني ولساني طبعًا)، غير أني رأيتُها تنظر إليَّ بنظرات مستنكرة، ففتحتُ لها فمي عن آخره حتى تتأكد!
    ولم يمضِ دقائق قليلة إلا وحضرتها تأتي مرة أخرى مكررة سؤالها، فأجبتُها متهكمًا: (أسناني ولساني طبعًا، بل إنني أحضرتُ زلاعيمي "بلعومي" كذلك معي من بيتي اليوم)! وفتحتُ فمي عن آخره حتى تتأكد، فطلبَتْ إليَّ أن أخرج من الصف!
    وحينما التقتِ المعلمة بوالدي أخبرتُه بأنني كنت آكل في الصف! وحينما سألتني لماذا آكل فتح محمد فمه و(مدَّ لسانه)!! فقامَت بإخراج محمدٍ من الصف وحذفت لعمر خمس علامات!
    وكما في مرة سابقة ومرات لاحقة لم يستطع أحد أن يفهمها بأنني عمر، إذ أصرت على أنني محمد حتى آخر السنة، ونالني بسبب ذلك خصم فادح في علاماتي، للأسف الشديد.

    غير أن الصف اللاحق في المرحلة الثانوية شهد تطورًا في معارفنا، فالأستاذ كان يشرح كل شيء من دون استثناء، وذلك من بعد ما أدرك ضعفنا الشديد في المادة، لكنه كان بخيلًا بالعلامات، ولديه مبدأ راسخ بأن (جان جاك روسو شخصيًا لو خرج من قبره وأتى إلى الصف، لن ينال علامة مرتفعة)، ما دفعنا إلى إهمال المادة نهائيًا بسبب ذلك.

    ومن الحصة الأولى فهم الأستاذ الكابوس الذي ينتظره معنا! إذ إنه أخذ (يذكِّرنا) وفق تعبيره بالمبادئ الأساسية، ونحن 14 طالبًا نقابله بنظرات جامدة لا نعي ما يقول، وكل ما ذكر لنا مصطلحًا ما على أننا أخذناه من قبل، نسأله (من هذا)؟! إلا حينما كتب لنا على اللوح مصطلح ال c.o.d وربما كنت الوحيد في الصف الذي يعرفه ويدرك معناه، ولكن صديقًا لنا هتف متعجبًا:
    (يا أستاذ، الله وكيلك، من شوية خرجت معلمة الكيمياء من الصف)! وانفجر الأستاذ يصرخ ليخبرنا بأن هذه الأحرف تعني (complement d objet direct) وهنا رجع السؤال التقليدي (من هذا)؟ وبعد لحظات من جمود الصاعقة أخبرنا الأستاذ بأن (هذا) يعني (المفعول به)، ثم أخذ (يذكرنا) بال c.o.ind لنسأله مجددًا (من هذا)؟ وينفجر بنا صارخًا:
    (complement d objet indirect) لنهتف به مجددًا (تشرفنا، لكن من هذا)؟ وقبل أن يجيبنا أسرعتُ أنا أجيب بدلًا منه: (من المؤكد أن هذا هو المفعول معه)! ولا داعي لإخباركم بأن الأستاذ قد انفجر كالمفرقعات النارية بعدها!!

    وكان من الطبيعي، بعد ذلك، أن تكون علامتي في شهادة الثانوي الثاني، هي 4/40، الأمر الذي أدهشني فعلًا، كيف يبقى مستواي ثابتًا رغم كل الخرافات التي ندرسها في اللغة الفرنسية عبر السنوات المتتالية!

    لكني أحببتُ التوقف مع مواقف طريفة حصلت لنا بحصص أستاذ اللغة الفرنسية هذا، وأولى هذه المواقف تمثلت حينما علمتُ أن رفيقي لديه جزء ثان من لغز كنتُ قد قرأتُه من قبل، كنا أيامها قد أغرمنا بألغاز المغامرين الخمسة، وقرأنا عددًا منها، ومن ضمن ما قرأنا لغز (كلب البحر) ولم أستطع الحصول على تتمة أحداثه، وها هو محمد يخبرني بأن اللغز في بيتهم، لكن حماستي قد خَبَت حينما تابع محمد بأن اللغز لأخيه، والأخير لا يعير أحدًا شيئًا على الإطلاق.
    و(بشهامة) حقيقية تعهد محمد بحفظ أحداث اللغز ليرويها لي اليوم التالي، وما كاد محمد يدخل المدرسة اليوم التالي حتى أسرعت إليه مطالبًا بتنفيذ الوعد، فأجابني بأنه لن يروي اللغز إلا في حصة اللغة الفرنسية! وهل هو لغز مترجم يا عزيزي، وأنا لا أعلم؟! لم يرض محمد بالرجوع عن قراره، وجلس بجواري في حصة اللغة الفرنسية يروي لي أحداث اللغز بصوت منخفض، ثم تحمس وارتفع صوته، وأخذ يشير بيديه مع تطور الأحداث، فتوقف الأستاذ عن الشرح، وأخذ ينظر إليه دهشًا، ومحمد لا يشعر، وارتفع صوت الضحك في الصف، والكل أخذ ينظر إلى محمد المتحمس، والأخير ما زال لا يشعر بشيء، بل إن ضربي إياه برفق بمرفقي، فسَّره محمد بأنني لم أستوعب ما يقول، فرفع صوته أكثر، ليخبرني بحقيقة رهيبة (ستافرو سجن تختخ في المتحف المهجور)! ليصرخ الأستاذ في جنون: (ماذا أصابك يا محماااااااد؟! هل تحكي له سيرة عنتراااااا بن شدااااااااا)!! ضج تلاميذ الصف بالضحك، وأنا معهم هذه المرة، فغضب محمد مني ولم يرض بأن يتابع حكاية أحداث اللغز لي فيما بعد على الإطلاق!
    ومرة كان لدينا حصتان متتاليتان بعد وقت الاستراحة، وبقيتُ مع رفيق آخر في الملعب، حتى مر حوالي نصف ساعة، وقت مرور الناظر للاطمئنان إلى أنه لا يوجد أحد في الملعب (هكذا قال رفيقي، فهو خبير في الفرار من الحصص، بخلافي أنا)، فاتجهنا من تلقاء أنفسنا نحو غرفة الناظر، ولقد بوغت الأخير برؤيتنا، فهتف مذهولًا (ما...ماذا تفعلان هنا)؟!
    أجابه رفيقي بثقة تامة: (نحن لم نصعد إلى الصف، عمر يؤلمه بطنه كثيرًا، وقد بقيتُ معه، لم يطاوعني قلبي على تركه بمفرده)!
    أحسستُ بأن الناظر يريد أن يسألني، ولم أشأ الكذب، فسبقته بالقول، وبحماسة: (هل عندكم شاي؟ اسمع، قل لهم إنني أشربه من دون سكر نهائيًا، وبكوب من الزجاج الشفاف)!
    وانفجر الناظر يصرخ: (هل تظن نفسك جالسًا في القهوة)؟!
    ردَّ سامح باستنكار: (كيف يظن نفسه جالسًا وهو واقف)؟
    وتابعتُ أنا باستنكار أشد: (ثم إنني طلبتُ شايًا لا قهوة)!
    صاح الناظر بكلمات غريبة عجيبة، ثم طلب إلينا الصعود إلى الصف، وبأقصى سرعة، فصعدنا؛ لكن متمهلين؛ لندخل الصف بكل بساطة، فصرخ بنا الأستاذ: (أين كنتما)؟ ليجيبه رفيقي بثقة: (كان بطنه يؤلمه، وقد بقيتُ معه، لم يطاوعه قلبه، بل لم يطاوعني قلبه، بل لم يطاوعني قلبي على تركي، على تركه، وحدي، وحده)!
    طلب الأستاذ إلينا مغادرة الصف للكلام مع الناظر، فأخبرتُه بأن الناظر طلب إلينا الصعود إلى الصف و(بأقصى سرعة)، وأخذ الأستاذ يصيح كعادته حينما ينفعل: (Mon Ami Mon Ami)، ثم أخذ يَسُبُّ الناظر المسكين!

    ومرة أخرى كان لدينا حصتان متتاليتان، وبعدهما مسابقة في الرياضيات، فجلس محمد بجواري، أشرح له ما استغلق عليه فهمه، وبعدما انتهينا، ومرَّ بعض الوقت، سألنا أستاذ اللغة الفرنسية ماذا نفعل، فأجبتُه في لامبالاة إننا نكتب ما يقول، ولم يصدق، بل أتى ينظر في دفاترنا، لتملأه الحيرة، وهو يرى بأننا كتبنا قسمًا كبيرًا مما يقوله فعلًا!
    تابعتُ بعدها الشرح لمحمد، وأعطيته تمرينًا ليحلَّه لأتأكد من استيعابه القاعدة، وبعدما انتهينا، ومرَّ بعض الوقت، سألنا أستاذ اللغة الفرنسية ماذا نفعل، فأجبتُه في لامبالاة إننا نكتب ما يقول، ولم يصدق، بل أتى ينظر في دفاترنا، لتملأه الحيرة، وهو يرى بأننا كتبنا قسمًا كبيرًا مما يقوله فعلًا! ثم تفتق ذهن الأستاذ عن فكرة ذكية، فأخذ يقلب في صفحات دفاترنا! وكان دفتري ذلك للغة الفرنسية، أما محمد فكان دفتره شاملًا كل شيء، بدءًا من نشرات الأخبار، إلى تقارير مفصلة عن مباريات كرة القدم المحلية والعالمية ونتائجها، والهدافين في كل فريق ومنتخب، فطلب إلينا الأستاذ الخروج من الصف، ليهتف به رفيقنا الثالث مستنكرًا: (وحدهما)؟؟ فطلب إليه الناظر مرافقتنا إن أحب ذلك، وقد كان يحب ذلك فعلًا، فخرج معنا!
    وحصل لنا في مكتب المدير موقف طريف ربما نفصله في حكاية اللوح والطبشور والتابوت لاحقًا، أما الآن فأكتفي بالقول إننا كدنا نتفطر من الضحك، ولم نعرف كيف انتهى ما تبقى من الحصتين، ونحن لم ننتهِ من الضحك بعد!
    وآخر المواقف الطريفة مع هذا الأستاذ حينما تغيب مرة، ثم أخبرنا بأنه سيعوض لنا الحصة التي (راحت علينا) بساعتين كاملتين نهار الجمعة! أي أنه سيعوض 50 دقيقة ب 120! وأخبرنا، قبل أن نعترض، بأنه أخذ موافقة المدير، وأنه سيأتي باكرًا ليدرِّسنا الساعتين ويمضي إلى منطقته البعيدة، ونذهب نحن لنفعل ما نريد استعدادًا لصلاة الجمعة بعد ذلك بأكثر من ساعتين! (الأستاذ كان مسيحيًا، لكنه كان يعلم أن صلاة الجمعة من الشعائر المقدسة لدينا، وأننا نغتسل ونقرأ سورة الكهف يوم الجمعة).
    في تلك الأيام كان والدي متغيبًا بسبب المرض (والدي أستاذ في الثانوية نفسها) لكنه علم أن أستاذ اللغة الفرنسية يريد تدريسنا يوم الجمعة، وطلب إليَّ أن أنزل إلى الثانوية لأحضر الدروس، وقد فعلت، ولكني التقيتُ على باب الثانوية بصديقنا الثالث (الذي بقي معي لأن بطني يؤلمني)، وللتوضيح كنا أربعة شباب آنذاك (كل صفوف المرحلة الثانوية يكون عدد الصبيان في صفنا أربعة)، واثنان منهما غائبان، واحد يريد ترك المدرسة، والآخر (محمد) لا يستطيع الحضور كونه من منطقة بعيدة هو الآخر، وسألني صديقي الذي التقى بي إن كنت أريد حضور الدرس، فأجبته بالإيجاب.
    وهكذا صعدنا إلى الصف، ودققنا الباب، فتحت لنا إحدى الزميلات، ليطلَّ صديقي برأسه ينظر إلى الأستاذ بابتسامة متهكمة، ويشير إليه بيديه مودعًا، ثم يغلق الباب! ودوَّى صراخ الأستاذ المستنكر (Mon Ami Mon Ami)، وارتفعت صوت أقدامه، لأجد نفسي أجري على الدرج بسرعة خيالية وقد نسيت الدرس بما فيه، ولحقتُ بصديقي فأمسكتُ به من عنقه معاتبًا على فعلته، فأخذ يبرر لي بأننا لن نستفيد شيئًا، ومهما انتبهنا فإننا لن ننال العلامات، (لأن جان جاك روسو شخصيًا لو خرج من المقبرة وأتى إلى الصف لن ينالها)!
    تنزهت مع صديقي حوالي ساعتين وأكثر، ثم رجعت إلى البيت كأن شيئًا لم يكن، ومساء طلبت إلي الوالدة أن أذهب لأحضر بعض الأغراض، وما كدتُ أفتح الباب حتى فوجئتُ بِيَدٍ يَهُمُّ صاحبها بأن يدق الباب، جمدنا إذ نحدق ببعضنا، لقد كان أستاذ اللغة الفرنسية!
    اضطررتُ إلى إدخاله البيت، وأتى والدي لاستقباله طالبًا إليَّ أن أجهز الشاي لأستاذي (كان الأستاذ يحب الشاي كثيرًا)، حضرتُ الشاي وأنا لا أعلم ماذا سأفعل حينما يشكوني الأستاذ، وبالفعل، ما كدتُ أضع كباية الشاي أمامه، حتى قال بصوت مرتفع، مخاطبًا أبي: (ابنك لم ينزل اليوم إلى الثانوية)!
    اتسعت عينا والدي استنكارًا، وأراد أن يقول شيئًا ما، ولكنه فوجئ بالأستاذ يتابع: (ابنك نزل اليوم إلى الثانوية)! تبلبلت أفكار والدي، فاستطرد الأستاذ بثقة: (لكنه لم يصعد إلى الصف)!
    أراد أبي أن يتكلم، ربما ليعاتبني، ولكن الأستاذ تابع: (ابنك صعد إلى الصف)! فنظر إليه والدي بدهشة عميقة، ولم ينتبه الأستاذ، وهو يكمل: (لكنه لم يدخل الصف)!
    حاول أبي أن يستفهم من الأستاذ ما حصل فعلًا، ولكن الأخير لم يمنحه الفرصة، بل استطرد: (ابنك دخل الصف، ولكنه...) قاطعه أبي في ضجر شديد: (ولكنه قفز من النافذة إلى الملعب، أليس كذلك)؟!
    ارتفع صوتي بالضحك الشامت هنا، فيما انفجر الأستاذ يصرخ بغضب: (افهمني، افهمني يا أستاذ، اسأل ابنك لماذا لم ينزل اليوم إلى الثانوية، اسأله لماذا نزل إلى الثانوية ولم يصعد إلى الصف، اسأله لماذا صعد إلى الصف ولم يدخل الصف، اسأله لماذا دخل الصف، و...) قاطعه أبي مرة أخرى متظاهرًا بالحماسة والتفاعل مع هذه الشكوى العجيبة: (نعم نعم، سأسأله لماذا دخل الصف وقفز من النافذة إلى الملعب، هل هذا جيد)؟ وفوجئنا بالأستاذ يرد بهدوء مفاجئ: (نعم، نعم، جيد، جيد)! ولم أستطع الاحتمال أكثر، خرجتُ وأنا أضحك بأعلى صوتي، بل ربما ظللتُ أضحك وأنا ذاهب في طريقي لشراء ما تريده والدتي، وفي طريق الرجوع كذلك!

    وفي آخر صفوف المرحلة الثانوية لم يكن لدينا مادة لغة فرنسية، ولكن مادة علم النفس كانت باللغة الفرنسية، فلم نفهم شيئًا منها، لكننا لم نهتم كثيرًا، بل كان هدفنا الشهادة الرسمية فحسب، والحمد لله أننا نجحنا بها، وإن كنتُ قد نلتُ 18/60، وكان يجب أن أنال ضعفها على الأقل لولا مراقب أحمق، سأتناول قصته بالتفصيل في حكايتي: اللوح والطبشور والتابوت، بإذن الله تعالى.

    في دار المعلمين والمعلمات، واختصاصنا لغة عربية، كان يتوجب علينا الحضور في الصفوف لنقدِّم تقاريرنا حول الإيجابيات والسلبيات التي نراها، في محاولة لتطوير مهاراتنا قبل التعيين الرسمي كأساتذة، وذات يوم دخلنا صفًا لنشاهد، وفي الواقع كانا صفين في غرفة واحدة، تفصل بينهما ستارة، وللحظ التعيس كان للصف الآخر حصة لغة فرنسية، والمعلمة تصرخ كل لحظة وأخرى: (لا..لا...)، والتلاميذ يرددون الهتاف خلفها، فسألتُ صديقًا لي بدهشة (هل هناك "لا" في اللغة الفرنسية؟ وما معناها)؟ فنظر إليَّ كأنه لا يصدق، ثم همس لي متضايقًا (هل تمزح معي؟ "لا" معناها الحليب)!
    (لا) تعني (الحليب)!! ما هذا الهراء يا رجل؟! همستُ له بدوري متضايقًا (هل تمزح معي)؟ فأجاب مؤكدًا بأنه لا يمزح، وبأن الكلمة تُكتَب (lait) وهنا ارتفع صوت المعلمة تصرخ بكلمة أخرى، وهي كلمة (موتان: moutan) ليسألني رفيقي هذه المرة (هل تعرف معنى الكلمة)؟ فأجبتُه بثقة تامة (نعم، أكيد معناها جبنة)! والحمد لله أنه لم يقع مصابًا بالسكتة القلبية!

    كان اختصاصنا لغة عربية، ولكن من سنوات، تم تكليفي تدريس مادة الرياضيات باللغة الفرنسية لأحد صفوف الصغار، هكذا من منتصف السنة، وهذه مشكلة حقيقية، أنا لا أكاد أستوعب نص السؤال حتى أشرحه للتلميذات، فاعتمدتُ على تلميذة مدهشة متفوقة في المادة لتقف أمام اللوح تشرح لرفيقاتها، وأنا أصغي إليها بانتباه تام، مستوعبًا ما تقول، لأخرج وأشرحه في الشعبة الأخرى!

    وذات يوم، سألتني طفلة ماذا تعني كلمة (فوازي)؟ وأخذت أفكر (voiture) تعني (سيارة)، ولكن (فوازي)؟ هل هي دراجة؟ وإن كانت كذلك، فهل تكون دراجة هوائية أم نارية؟ شعرتُ بأنني وقعتُ في موقف محرج فعلًا، فنظرتُ إليها معاتبًا، وأنا أقول: (ولو! صبية مثلكِ صار طولها شبرًا ونصف، لا شبرًا واحدًا، لا تعرف معنى فوازي)؟
    تفطر قلبي مع بكائها، والمسكينة تؤكد ببراءتها الطفولية أنها لن تعيدها! وهنا شعرتُ بالمعجزة تتحقق حينما تحمست طفلة أخرى للإجابة، وأخبرَت رفيقتها بأن الكلمة (فوا إيسِّي): (voi ici) ومعناها (انظر هنا)، أي شعور بالامتنان حملتُه لتلك الطفلة!

    هنا تنتهي حكايتنا، أرجو أن تكون قد راقت لكم، دمتم في حفظ الله تعالى ورعايته
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 23-11-2017 الساعة 10:13 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...